صابر سالم يكتب : الموسم السياحي الجديد.. بين طموحات النمو وحقائق السوق

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

مع انطلاق الموسم السياحي الجديد، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تحققه المقاصد المصرية من قفزة نوعية في أعداد الزوار والإيرادات، في ظل مؤشرات عالمية توحي بانتعاش تدريجي لحركة السفر، يقابله في الوقت نفسه تحديات اقتصادية وجيوسياسية تفرض واقعًا مختلفًا عن سنوات ما قبل الأزمات.

وبين الطموحات المشروعة والحقائق الصلبة، تقف صناعة السياحة أمام اختبار جديد لمرونتها وقدرتها على التكيف.

الطموح الأول يتمثل في زيادة عدد السائحين الوافدين، مع استهداف أسواق تقليدية مثل أوروبا الغربية، إلى جانب فتح آفاق أوسع في أسواق ناشئة بآسيا وأمريكا اللاتينية.

وتراهن الجهات المعنية على تنويع المنتج السياحي، بحيث لا يقتصر على السياحة الشاطئية في البحر الأحمر، بل يمتد إلى السياحة الثقافية في الأقصر وأسوان، والسياحة الدينية، وسياحة المؤتمرات، والسياحة البيئية في الواحات وسيناء.

هذا التنوع يعد أحد أهم عناصر القوة، لأنه يطيل مدة إقامة السائح ويرفع متوسط إنفاقه.

كما يبرز طموح تحسين جودة الخدمات والبنية التحتية، سواء من خلال تطوير المطارات والطرق، أو تحديث الفنادق ورفع كفاءة العاملين بالتدريب المستمر.

فالسائح المعاصر لا يبحث فقط عن مقصد جميل، بل عن تجربة متكاملة تشمل سهولة الإجراءات، ومستوى خدمة احترافي، وبيئة آمنة ومنظمة.

ومن هنا، يصبح الاستثمار في العنصر البشري ضرورة لا تقل أهمية عن الاستثمار في الحجر.

لكن في المقابل، تفرض الحقائق نفسها بقوة.

فالسوق السياحي العالمي يشهد منافسة شرسة، مع عودة وجهات عديدة بقوة إلى الساحة، وتقديمها عروضًا ترويجية مغرية لجذب السائحين.

كما تؤثر تقلبات أسعار العملات وتكاليف الطيران على قرارات السفر، ما يجعل السائح أكثر حساسية للسعر وأكثر ميلاً للمقارنة بين المقاصد المختلفة.

وتبقى المتغيرات السياسية والأمنية في الإقليم عنصرًا لا يمكن تجاهله، إذ تلعب الصورة الذهنية دورًا حاسمًا في قرار السائح.

ورغم أن مصر نجحت خلال السنوات الماضية في ترسيخ صورة الاستقرار النسبي، فإن الحفاظ على هذه الصورة يتطلب جهدًا إعلاميًا وتسويقيًا مستمرًا، يواكب الأحداث ويعزز الثقة.

ومن الحقائق أيضًا أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا للمنافسة.

فالحجز الإلكتروني، والتسويق عبر المنصات الرقمية، والتفاعل مع تقييمات السائحين، كلها أدوات تصنع الفارق.

الوجهة التي لا تحسن إدارة حضورها الرقمي، تخسر جزءًا معتبرًا من السوق، خاصة في أوساط الشباب الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على الإنترنت في تخطيط رحلاتهم.

في المحصلة، يبدو الموسم السياحي الجديد فرصة حقيقية لتعزيز مكانة مصر على الخريطة العالمية، إذا ما جرى التعامل مع الطموحات بعقلية واقعية، توازن بين السعي للأرقام القياسية والالتفات إلى جودة التجربة واستدامتها.

فالسياحة ليست مجرد أعداد تُسجل في الإحصاءات، بل صناعة مركبة تقوم على الثقة والانطباع والرضا.

وبين طموحات النمو وحقائق السوق، يبقى الرهان الأساسي على التخطيط العلمي، والتنسيق بين الجهات المختلفة، والاستثمار طويل الأمد في السمعة والخدمة.

عندها فقط يمكن أن يتحول الموسم الجديد من مجرد محطة زمنية إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقرارًا وازدهارًا لصناعة تعد من أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 452 الصادر بتاريخ  19 فبراير 2026
 
تم نسخ الرابط