صابر سالم يكتب : أسوان.. عاصمة الهدوء وسحر الجنوب على ضفاف النيل
تُعدّ أسوان واحدة من أهم المقاصد السياحية في مصر، وواحدة من أكثر المدن التي تمتلك طابعًا خاصًا يجمع بين عبق التاريخ وجمال الطبيعة وهدوء المكان.
فهذه المدينة الواقعة في أقصى جنوب البلاد لا تمثل مجرد نقطة جغرافية على خريطة السياحة، بل تُجسّد حالة فريدة من التعايش بين الحضارة الفرعونية العريقة والثقافة النوبية الأصيلة، في مشهد نادر يصعب تكراره في أي مدينة أخرى.
تتميز أسوان بموقعها الاستراتيجي على ضفاف نهر النيل، حيث تتناثر الجزر الخضراء وسط المياه الزرقاء في لوحة طبيعية آسرة، تمنح الزائر شعورًا بالسكينة والانفصال عن صخب الحياة اليومية.
ويُعد الطقس المعتدل شتاءً أحد أهم عوامل الجذب السياحي، إذ تستقبل المدينة آلاف الزائرين من مختلف دول العالم هربًا من برودة الشتاء في أوروبا، ما جعلها مقصدًا رئيسيًا للسياحة الشتوية منذ عقود.
تزخر أسوان بعدد كبير من المعالم الأثرية التي تحكي فصولًا مهمة من تاريخ مصر القديم، وعلى رأسها معبد فيلة الذي يُعد تحفة معمارية فرعونية، وقد نُقل حجرًا حجرًا إلى جزيرة أجيليكا في واحدة من أعظم عمليات إنقاذ الآثار في القرن العشرين.
كما يبرز السد العالي كأحد أهم المشروعات القومية في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط لدوره في تنظيم مياه النيل وتوليد الكهرباء، بل أيضًا كرمز للإرادة الوطنية والتخطيط الاستراتيجي.
ولا تقتصر السياحة في أسوان على الآثار وحدها، بل تمتد لتشمل السياحة الثقافية التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتراث النوبي.
فالقرى النوبية بألوانها الزاهية، وعاداتها الاجتماعية، وموسيقاها الشعبية، تمثل تجربة إنسانية غنية للزائر، وتفتح نافذة حقيقية للتعرف على أحد أقدم المجتمعات المحلية في مصر.
وقد أسهم الاهتمام المتزايد بالسياحة المجتمعية في دعم هذه القرى اقتصاديًا، مع الحفاظ على هويتها الثقافية.
كما تحتل السياحة العلاجية مكانة متقدمة في أسوان، حيث تشتهر مناطق مثل جزيرة إلفنتين وجبال الرمل بعلاج أمراض الروماتيزم والجلد باستخدام الرمال الساخنة، وهي ممارسات تقليدية أثبتت فاعليتها وجذبت آلاف الباحثين عن العلاج الطبيعي بعيدًا عن الأدوية الكيميائية.
وشهد قطاع السياحة في أسوان خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا بفضل مشروعات البنية التحتية، وتحديث الموانئ النيلية، وتحسين مستوى الخدمات الفندقية، إلى جانب الاهتمام بالترويج السياحي عبر الفعاليات الثقافية والمهرجانات الدولية.
كما أسهمت عودة الرحلات النيلية بين الأقصر وأسوان في تنشيط الحركة السياحية، وإعادة إحياء أحد أهم أنماط السياحة التاريخية في مصر.
وتبقى أسوان، بكل ما تحمله من تاريخ وجمال وخصوصية ثقافية، نموذجًا حيًا لمدينة استطاعت أن تحافظ على هويتها، وفي الوقت ذاته تنفتح على العالم.
فهي ليست مجرد محطة سياحية عابرة، بل تجربة متكاملة تترك أثرًا عميقًا في ذاكرة كل من يزورها، وتؤكد أن السياحة في مصر ليست فقط آثارًا، بل روحًا وحكاية ممتدة عبر آلاف السنين.




