حين تتحول ريادة الأعمال إلى مشروع دولة

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- حشد مليار دولار عبر ضمانات تمويلية وآليات استثمار مشترك لدعم الشركات الناشئة

- الدولة لا تُزاحم القطاع الخاص بل تحفزه ولا تتحمل المخاطر وحدها بل تُعيد توزيعها بطريقة تجعل الجميع شريكًا في النجاح

- الاستثمار في العقول لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية

- الدولة تعمل لخلق بيئة تمكّن الآخرين من الاستثمار والنمو

- أقوى ما تملكه أي دولة ليس فقط ما في باطن الأرض بل ما في عقول أبنائها

- ميثاق الشركات الناشئة يتضمن وضوح آليات الحصول على التمويل وتبسيط المسارات القانونية

- من لا يمتلك شركات ناشئة قادرة على التحرك بسرعة والتجربة والتعلم من الفشل سيجد نفسه خارج السباق

- الأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تملكه من رؤية.

- الرؤية التي تحدد إلى أين تتجه، وكيف تُعيد تعريف أولوياتها، وكيف تُقرر أن المستقبل ليس صدفة بل صناعة.

وعندما أعلنت الحكومة المصرية، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي إطلاق أول ميثاق وطني للشركات الناشئة، متضمّنًا مبادرة تستهدف حشد مليار دولار عبر ضمانات تمويلية وآليات استثمار مشترك، شعرت بأننا أمام لحظة فارقة لا يجب أن تمر كخبر عابر في نشرات الاقتصاد.

القضية ليست في الرقم وحده، رغم أن مليار دولار رقم ضخم بكل المقاييس، ولكن في التحول الفكري الكامن وراء القرار.

أن تتحول ريادة الأعمال من نشاط فردي، يعتمد على شغف الشباب ومغامرتهم، إلى مشروع دولة معلن، له إطار تنظيمي، وله إرادة سياسية واضحة، فهذا يعني أننا بدأنا نُعيد تعريف مفهوم التنمية نفسه.

طوال سنوات، كانت الشركات الناشئة في مصر تنمو رغم التحديات.

شباب يحملون أفكارًا مبتكرة، يحاولون تحويلها إلى نماذج أعمال، يصطدمون أحيانًا بواقع التمويل، وأحيانًا بتعقيدات الإجراءات، وأحيانًا أخرى بمخاوف المستثمرين.

كانت المعركة غير متكافئة في كثير من الأحيان. الفكرة موجودة، والطموح حاضر، لكن المظلة الداعمة لم تكن مكتملة.

اليوم، حين تدخل الدولة لتقول إنها ستوفر ضمانات تمويلية، وستشارك في آليات استثمار مشترك لتحفيز القطاع الخاص، فهي لا تقدم دعمًا ماليًا فقط، بل تعيد رسم خريطة الثقة.

المستثمر يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة حين يشعر بأن المخاطر موزعة. ورائد الأعمال يصبح أكثر جرأة حين يعلم أن هناك بيئة رسمية تدرك أهمية ما يقوم به.

في تقديري الشخصي، أخطر ما يواجه أي اقتصاد في عصر التحول الرقمي هو الجمود.

العالم يتحرك بسرعة غير مسبوقة.

الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الرقمي، التكنولوجيا المالية، الطاقة النظيفة، الصحة الرقمية، كلها مجالات تتغير يوميًا.

ومن لا يمتلك شركات ناشئة قادرة على التحرك بسرعة، والتجربة، والتعلم من الفشل، سيجد نفسه خارج السباق.

ما حدث مؤخرًا ليس مجرد إطلاق وثيقة، بل إعلان انحياز.

انحياز لفكرة أن الابتكار هو قاطرة النمو.

وأن الشباب ليسوا فقط قوة عمل، بل قوة تفكير.

وأن الدولة لم تعد ترى دورها في الاستثمار المباشر وحده، بل في خلق بيئة تمكّن الآخرين من الاستثمار والنمو.

الميثاق في جوهره محاولة لتنظيم العلاقة بين أطراف متعددة كانت تتحرك أحيانًا بشكل منفصل.

الحكومة، المستثمرون، الحاضنات، مسرعات الأعمال، ورواد الأعمال أنفسهم.

وجود إطار جامع يُقلل العشوائية، ويُحدد الحقوق والواجبات، ويخلق أرضية مشتركة للحوار والتطوير.

لكن، وبكل صراحة، لا يكفي أن نحتفل بالإعلان.

التحدي الحقيقي يبدأ بعده.

التنفيذ هو الفيصل.

الإجراءات السريعة، الشفافية في المعايير، وضوح آليات الحصول على التمويل، تبسيط المسارات القانونية، كلها عناصر ستحدد ما إذا كان هذا التحول سيترجم إلى واقع أم سيظل طموحًا نظريًا.

أنا أؤمن بأن مصر تمتلك مقومات قوية في هذا المجال.

قاعدة سكانية شابة، انتشار واسع للتكنولوجيا، عقول مبدعة أثبتت قدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

ما كان ينقصنا هو الإطار المتكامل الذي يجمع هذه العناصر تحت رؤية واحدة.

واليوم يبدو أن هذه الرؤية بدأت تتبلور.

اللافت أيضًا أن فلسفة المبادرة تقوم على مضاعفة أثر الموارد الحكومية عبر جذب استثمارات خاصة، لا الاعتماد الكامل على التمويل العام.

هذه نقطة مهمة تعكس فهمًا لدور الدولة الحديثة.

الدولة لا تُزاحم القطاع الخاص، بل تحفزه.

لا تتحمل المخاطر وحدها، بل تُعيد توزيعها بطريقة تجعل الجميع شريكًا في النجاح.

حين تتحول ريادة الأعمال إلى مشروع دولة، فإننا لا نتحدث فقط عن شركات جديدة، بل عن ثقافة جديدة.

ثقافة تقبل التجربة، وتشجع المبادرة، وتعتبر الفشل خطوة في طريق النجاح لا وصمة.

هذه الثقافة إذا ترسخت، ستنعكس على التعليم، والإعلام، والسياسات الاقتصادية، وحتى على طريقة تفكير الأجيال القادمة.

أتخيل بعد سنوات قليلة أن ننظر إلى هذه اللحظة باعتبارها نقطة انطلاق. شركات بدأت بفريق صغير، تحولت إلى كيانات إقليمية.

تطبيقات مصرية تنافس عالميًا.

حلول تكنولوجية تُصدر إلى الخارج.

وظائف جديدة تُخلق في مجالات لم تكن موجودة من قبل.

هذا ليس حلمًا بعيدًا إذا استمرت الإرادة، وتكاملت السياسات، وتعاونت الأطراف المختلفة.

الاقتصاد لم يعد يُبنى فقط على المصانع التقليدية أو الموارد الطبيعية، بل على المعرفة والابتكار.

وكلما دعمت الدولة هذا المسار، كانت أقرب إلى المستقبل.

وربما يكون الأهم في هذه الخطوة أنها ترسل رسالة واضحة إلى الشباب: أفكاركم ليست هامشية، وطموحاتكم ليست رفاهية، ومشروعاتكم ليست مغامرات فردية معزولة.

أنتم جزء من معادلة وطنية أكبر.

في النهاية، أرى أن هذه المبادرة ليست مجرد سياسة اقتصادية، بل إعلان ثقة.

ثقة في قدرة المصريين على الابتكار.

ثقة في أن الاستثمار في العقول لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية.

وثقة في أن المستقبل يُصنع حين تلتقي الإرادة السياسية مع طموح الشباب.

حين تتحول ريادة الأعمال إلى مشروع دولة، فإننا لا نكتب فصلًا جديدًا في الاقتصاد فقط، بل نعيد كتابة قصة التنمية نفسها.

قصة يكون بطلها الفكرة، ومحركها الجرأة، وحاضنها دولة تدرك أن أقوى ما تملكه ليس فقط ما في باطن الأرض، بل ما في عقول أبنائها.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 451 الصادر بتاريخ  12فبراير 2026

 

 

تم نسخ الرابط