صابر سالم يكتب: الأقصر.. متحف مفتوح يحكي تاريخ الإنسانية
تُعدّ مدينة الأقصر واحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، ليس فقط على مستوى مصر، بل على مستوى الحضارة الإنسانية بأكملها.
فهي مدينة تختزل آلاف السنين من التاريخ في مساحة جغرافية محدودة، حتى لُقبت بـ « أكبر متحف مفتوح في العالم»، لما تضمّه من معابد ومقابر وآثار فريدة تعود إلى عصور الفراعنة، وتحديدًا عصر الدولة الحديثة، الذي شهد ذروة القوة والازدهار في مصر القديمة.
تقع الأقصر على ضفاف نهر النيل، وتنقسم إلى البر الشرقي والبر الغربي، ولكل منهما طابعه الأثري الخاص. ففي البر الشرقي، تتصدر معابد الكرنك والأقصر المشهد السياحي، وهما من أعظم ما شُيّد في التاريخ القديم.
ويُعد معبد الكرنك مجمعًا دينيًا هائلًا بُني على مدار قرون طويلة، وشارك في تشييده عدد كبير من ملوك الفراعنة، بينما يتميز معبد الأقصر بموقعه الفريد في قلب المدينة، وارتباطه بطريق الكباش الذي يربطه بالكرنك في لوحة معمارية مبهرة أعيد إحياؤها مؤخرًا.
أما البر الغربي، فيحمل طابعًا جنائزيًا يعكس إيمان المصري القديم بالبعث والخلود.
وتبرز هناك منطقة وادي الملوك، التي تضم مقابر أشهر فراعنة مصر، وعلى رأسهم الملك توت عنخ آمون، إلى جانب وادي الملكات الذي يحتضن مقابر زوجات الملوك وأبنائهم، ومعبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري، والذي يُعد تحفة معمارية فريدة من نوعها، تعكس عبقرية التصميم والتناغم مع الطبيعة الجبلية المحيطة.
ولا تقتصر السياحة في الأقصر على السياحة الأثرية فقط، بل تمتد لتشمل أنماطًا سياحية متنوعة.
فالسياحة النيلية تُعد من أبرز عوامل الجذب، حيث تسيّر الفنادق العائمة رحلات تربط الأقصر بأسوان، مانحة السائح فرصة الاستمتاع بجمال النيل ومشاهدة الحياة الريفية المصرية على ضفافه.
كما تشهد المدينة إقبالًا على رحلات المنطاد، التي تتيح رؤية بانورامية خلابة للمعابد والمقابر مع شروق الشمس، في تجربة تجمع بين المغامرة والتاريخ.
وتسهم السياحة في الأقصر بدور محوري في دعم الاقتصاد المحلي، إذ تعتمد نسبة كبيرة من سكان المدينة على الأنشطة المرتبطة بها، مثل الإرشاد السياحي، والفنادق، والبازارات، والحرف اليدوية التقليدية التي تشتهر بها المدينة، كالألباستر والنقوش الفرعونية.
وقد شهدت الأقصر خلال السنوات الأخيرة جهودًا مكثفة لتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات السياحية، بما يعزز من قدرتها على استقبال أعداد أكبر من الزائرين من مختلف دول العالم.
وتظل الأقصر، بما تحمله من ثراء حضاري وتاريخي، مقصدًا لا غنى عنه لكل من يسعى لفهم جذور الحضارة الإنسانية.
فهي ليست مجرد مدينة سياحية، بل كتاب مفتوح من الحجر، يروي قصة الإنسان المصري القديم، ويؤكد أن مصر كانت وما زالت قلب التاريخ، وملتقى الحضارات، ووجهة لا تنضب أسرارها مهما طال الزمن.




