أهلا «رمضان» ..الشهر المبارك "ملاذ الأرواح" ومستودع الذكريات التي لا تغيب
- من "الفطور" إلى "السحور".. رمضان يلم شمل القلوب ويجدد عهود الود
- مدفع رمضان وفوانيسه.. طقوس متوارثة تعكس بهجة الاحتفاء بالشهر الفضيل
- صوت الأذان والتواشيح مشهد إيماني يميز ليالي الشهر الكريم
- «اللمة» حول المائدة صورة متجددة لدفء الأسرة المصرية
- «رمضان».. شهر العبادة والتكافل وترسيخ منظومة القيم المجتمعية
حين يجىء شهر رمضان، لا يأتي وحده، بل يحمل معه حقائب ممتلئة بالذكريات، وصورا عتيقة تخرج من خزائن القلب قبل أن تخرج من تقويم الأيام، يجيء بخطاه الهادئة، كضيف كريم نعرف ملامحه جيدا، لكننا ننتظره كل عام بشغف اللقاء الأول.
وبالنسبة لي، لم يكن رمضان مجرد شهر للصوم والقيام، بل كان حالة كاملة من الصفاء الداخلي، موسما تُغسل فيه الروح، وتستعيد فيه النفس ترتيب أولوياتها، وحين أتحدث عن رمضان، فإنني لا أتحدث عن أيام معدودة بقدر ما أستحضر عالما كاملا من المشاعر، عالما تفيض فيه القلوب بالحب، وتمتلئ البيوت بالسكينة.
أتذكر طفولتي حين كان رمضان يبدأ قبل أن يبدأ فعليا، كانت الاستعدادات تسبق الهلال؛ رائحة البهارات، أصوات تجهيزات المطبخ، ابتسامة أمي وهي تخبئ شيئا من التعب خلف حماسها الصادق، كان عبق الطعام المُعد بيدها يملأ البيت، لا بوصفه طعاما فحسب، بل باعتباره رسالة حب يومية تتجدد مع كل طبق، كانت موائد الإفطار والسحور أكثر من مجرد لحظات لتناول الطعام؛ كانت مساحات حقيقية للدفء العائلي. نلتف حول المائدة وكأننا نلتف حول قلوب بعضنا البعض، نتشارك الدعاء قبل الأكل، ونتبادل النظرات المطمئنة بعد أول رشفة ماء، كان رمضان، بحق، "لم شمل سنوي" تجبر فيه الحياة على التمهل، ويُجبر الجميع على الجلوس معا ولو لساعة صدق.
ومع اقتراب أذان المغرب، كانت اللحظات الأخيرة قبل الإفطار مشحونة بخشوع خاص، يخيم الصمت فجأة، تتجه العيون نحو الساعة، وتتجه القلوب نحو السماء، وحين يصدح صوت محمد رفعت بالأذان، نشعر بأن الصوت لا يخرج من مئذنة فحسب، بل من أعماق زمنٍ جميل لا يشيخ، كان صوته عذبا يلامس الروح، يعيدها إلى حالة من الطمأنينة التي يصعب تفسيرها، لكنها سهلة الإحساس، وفي الساعات الأخيرة من الليل، حين يقترب السحور، كانت المساجد تنبض بأصوات الروح، لا يزال صوت سيد النقشبندي يتردد في أذني وهو يشدو بـ مولاي إني ببابك، ذلك النشيد الذي لم يكن مجرد كلمات، بل كان حالة خضوع صافية، تنساب إلى القلب فتجعله أكثر ليونة، كانت تلك الألحان الروحانية توقظ فينا شيئا أعمق من الجوع، توقظ فينا الحنين إلى الله.
وإذا عدنا بالذاكرة أكثر، فإن صورة فانوس رمضان تتقدم المشهد، تلك الفوانيس الصغيرة التي كانت تضيء الشوارع قبل أن تضيء أيادينا، كانت رمزًا لفرح بسيط، لا يحتاج إلى شاشات عملاقة ولا إلى مؤثرات حديثة. كنا نحملها ونجري في الأزقة، نهتف ونغني، ونشعر بأن الدنيا كلها تحتفل معنا، ثم يأتي صوت مدفع رمضان، ذلك الصوت الذي كان يشق صمت المغيب ليعلن لحظة الفرح الكبرى، رغم كل التطور التكنولوجي اليوم، ورغم أن الهواتف تخبرنا بموعد الأذان بالدقيقة والثانية، فإن لمدفع رمضان هيبة لا تضاهى، كان الصوت بمثابة وعد يتحقق، وانتظار ينتهي، ودعوة صريحة للقلوب كي تجتمع.
ومع دوي المدفع، كانت البيوت تمتلئ بالزغاريد والتهاني، والأطفال يجرون بفرح صادق لا يشوبه تعقيد، كان المدفع إعلانًا رسميا للإفطار، لكنه في الحقيقة كان إعلانًا عن لحظة إنسانية خالصة، تتوقف فيها الدنيا قليلًا ليبدأ زمن الروح.
ولا يمكن أن أتحدث عن رمضان دون أن أتوقف أمام طقوس "الفرجة" على التلفزيون. لم تكن المسلسلات مجرد أعمال درامية، بل كانت جزءًا من المزاج العام، من الضحكات الجماعية، من التعليقات الساخرة التي تتكرر كل ليلة، كانت الشاشة تجمعنا كما تجمعنا المائدة، وكان الانتظار للحلقة الجديدة يشبه انتظار المغرب نفسه، حماس مشترك يخلق ذكريات مشتركة، لكن جوهر رمضان لم يكن في الفوانيس أو المدفع أو البرامج وحدها؛ بل كان في التحول الداخلي الذي يحدث فينا.
في هذا الشهر، يصبح العطاء عادة يومية، وتصبح المبادرة إلى الخير رد فعل طبيعيا، نبحث عن المحتاجين لنشاركهم طعامنا، ونحرص على صلة الرحم، ونجد أنفسنا أكثر تسامحا، وأكثر استعدادًا لمد يد العون، رمضان يخلق حالة تضامن مجتمعي نادرة؛ حالة يشعر فيها الجميع بأنهم جزء من لوحة واحدة، التبرعات، موائد الرحمن، توزيع الطعام، الدعم المعنوي كلها مشاهد تتكرر كل عام، لكنها لا تفقد بريقها أبدا، إنه شهر يُذكرنا بأن الخير فينا لم يمت، وأن القلب لا يزال قادرا على الاتساع.
وحين أقارن بين رمضان الأمس ورمضان اليوم، لا أفعل ذلك بدافع الحنين السلبي، بل بدافع الامتنان، نعم، تغيرت التفاصيل، واختلفت الإيقاعات، لكن الجوهر بقي كما هو: شهر يعلمنا أن البساطة كنز، وأن الاجتماع نعمة، وأن الروح تحتاج إلى وقفة سنوية لتستعيد توازنها.
كلما جاء الهلال، أشعر بأن قلبي يستعد قبلي أرتب ذاكرتي كما أرتب جدولي، وأتمنى أن أعيش رمضان بروح الطفل الذي كان يجرى بفانوسه في الشارع، وبقلب الرجل الذي أدرك أن أجمل ما في هذا الشهر ليس فقط الصيام، بل تلك القدرة العجيبة على إعادة تشكيلنا من الداخل.
رمضان ليس مجرد زمن يمر، بل زمن يعيدنا إلى أنفسنا، هو شهر تتصالح فيه القلوب، وتلين فيه النفوس، وتتعانق فيه الذكريات مع الحاضر، هو ذلك الضيف الذي إذا حل في البيوت، أضاءها وإذا رحل، ترك فينا شوقا لا ينتهي، ووعدا بلقاء جديد.




