خفض الديون بداية الطريق.. ومتى يشعر المواطن بالنتيجة؟

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- انخفاض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة العامة بنحو 6.5 مليار دولار خلال ثلاثة أعوام

- خفض الديون يتطلب نموًا اقتصاديًا قادرًا على الصمود إلى جانب ضبط الاقتراض

- توجيه أي موارد تتوافر نتيجة انخفاض أعباء الدين إلى تقوية الاقتصاد وتحسين الخدمات العامة

- استهداف فائض أولي يعادل 5% من الناتج المحلي في موازنة العام المالي 2026/2027

- الاقتصاد يمس حياة الجميع ومن حقهم أن يفهموا اتجاهه دون أن يضطروا إلى فك شفرات المصطلحات المالية

قرأت تقريرًا تناولته وسائل الإعلام عن تطورات الدين والمؤشرات الاقتصادية في مصر، وتوقفت عند رقم يستحق الانتباه: انخفاض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة العامة بنحو 6.5 مليار دولار خلال ثلاثة أعوام، ليصل إلى 76.15 مليار دولار في يونيو 2026.

أرى أن هذا التطور مهم، لأن إدارة الدين ظلت من أصعب الملفات التي تواجه الاقتصاد المصري. لكنني أرى أيضًا أن الاحتفاء بالرقم وحده لا يكفي.

علينا أن نفهم ما الذي انخفض، وكيف تحقق ذلك، وما المطلوب حتى يستمر هذا التحسن، والأهم من ذلك كله: متى ينعكس على حياة الناس؟

أبدأ بتوضيح ضروري.

الرقم المذكور يخص الدين الخارجي لأجهزة الموازنة العامة، ولا يمثل إجمالي الدين الخارجي لمصر بكل قطاعاته.

هذا الفرق مهم في أي نقاش اقتصادي منصف.

فمن السهل أن يتحول عنوان جذاب إلى انطباع بأن أزمة الديون انتهت، ومن السهل كذلك تجاهل أي تحسن حقيقي لأن التحديات ما زالت قائمة.

لا أميل إلى أي من الموقفين.

ما أراه هو تقدم في مؤشر محدد، ينبغي الاعتراف به، مع الاستمرار في متابعة الصورة الكاملة للدين وتكلفته ومواعيد سداده.

يشير التقرير أيضًا إلى تراجع دين أجهزة الموازنة، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، من نحو 95.7% في يونيو 2023 إلى 82.5% في يونيو 2025.

بالنسبة إليّ، لا تقل هذه النسبة أهمية عن قيمة الدين نفسها؛ فهي تساعدنا على قياس حجم الالتزامات مقارنة بحجم الاقتصاد.

لكن استمرار انخفاضها يتطلب نموًا اقتصاديًا قادرًا على الصمود، إلى جانب ضبط الاقتراض.

وأرى أن متابعة هذا المؤشر عامًا بعد عام أهم من الاكتفاء بالاحتفال بتحسنه في فترة واحدة.

ولفت انتباهي ما أورده التقرير عن انخفاض تكلفة التأمين ضد مخاطر عدم سداد الديون السيادية إلى مستويات هي الأدنى منذ عام 2021.

فقد سجلت في ديسمبر 2025 نحو 271 نقطة لعقود الخمس سنوات و347 نقطة لعقود العشر سنوات.

يعكس هذا المؤشر نظرة الأسواق إلى مستوى المخاطر في وقت معين.

وعندما تنخفض تكلفته، يمكن القول إن تقدير المستثمرين لتلك المخاطر قد تحسن.

غير أنني لا أتعامل معه باعتباره ضمانًا للمستقبل، لأن الأسواق قد تغير تقييمها سريعًا إذا تغيرت الظروف الاقتصادية أو السياسية، داخل مصر أو خارجها.

من هنا، أعتقد أن قيمة هذه المؤشرات تكمن في الفرصة التي تتيحها. فتحسن نظرة الأسواق قد يساعد مصر على الحصول على تمويل بتكلفة أقل إذا احتاجت إليه.

لكن الهدف الأهم، في رأيي، هو تقليل الحاجة إلى الاقتراض تدريجيًا، ثم توجيه أي موارد تتوافر نتيجة انخفاض أعباء الدين إلى تقوية الاقتصاد وتحسين الخدمات العامة.

فالقدرة على الاقتراض بشروط أفضل مكسب، لكنها لا ينبغي أن تصبح الهدف النهائي لإدارة هذا الملف.

ومن الأرقام التي تستحق قراءة هادئة استهداف فائض أولي يعادل 5% من الناتج المحلي في موازنة العام المالي 2026/2027.

والفائض الأولي يعني، ببساطة، أن إيرادات الدولة تتجاوز مصروفاتها قبل احتساب فوائد الدين.

أراه مؤشرًا على السعي إلى ضبط المالية العامة، لكن فوائد الدين تظل عبئًا تتحمله الموازنة حتى مع تحقيق هذا الفائض.

لذلك أتابع سؤالًا أكثر ارتباطًا بحياة الناس: هل يؤدي الانضباط المالي، مع مرور الوقت إلى خفض ما تدفعه الدولة لخدمة الدين، وإتاحة موارد أكبر للتعليم والصحة والنقل والحماية الاجتماعية؟

أنا مقتنع بأن نجاح السياسة المالية لا يقاس برقم واحد.

فإذا انخفضت نسبة الدين، بينما ظلت فرص العمل محدودة وتأخر تحسن الخدمات، فلن يشعر المواطن بأن الاقتصاد يسير في الاتجاه الذي يحتاجه.

وفي المقابل، فإن زيادة الإنفاق دون موارد مستقرة قد تعيد الضغوط المالية من جديد.

التحدي الحقيقي، كما أراه، هو أن تضبط الدولة حساباتها، وأن تحافظ في الوقت نفسه على قدرتها على الاستثمار في الإنسان والإنتاج.

هذا توازن صعب، لكنه المعيار الذي ينبغي أن نحكم من خلاله على النتائج.

وهنا يظهر دور النمو الاقتصادي.

يذكر التقرير أن معدل النمو بلغ نحو 5% خلال الربع الثالث من العام المالي 2025/2026، مقابل 4.8% في الفترة نفسها من العام السابق.

والسؤال المهم بالنسبة لي هو: من أين جاء هذا النمو؟ أفضل أن تقوده الصناعة والسياحة والاتصالات والأنشطة القادرة على التصدير، لأن هذه القطاعات تستطيع توفير وظائف وموارد من النقد الأجنبي.

وكلما اتسعت مساهمة الأنشطة المنتجة، أصبحت قدرة الاقتصاد على الوفاء بالتزاماته أقوى، وتراجعت حاجته إلى الاستدانة لتمويل احتياجاته.

لذلك توقفت عند إشارة التقرير إلى أن الصناعات التحويلية قدمت أكبر مساهمة منفردة في نمو الناتج خلال ذلك الربع، بنحو نقطة مئوية من إجمالي معدل النمو البالغ 5%.

الصناعة بالنسبة لي ليست بندًا في بيان اقتصادي.

هي مصنع يعمل، ومورد محلي يجد فرصة، وعامل يكتسب مهارة، ومنتج يستطيع المنافسة.

إذا أردنا خفض الدين بصورة مستدامة، فعلينا أن نوسع قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

خفض الدين يتيح مساحة للحركة، والإنتاج هو ما يساعد على الحفاظ على هذا المكسب.

وأرى أن القطاع الخاص شريك أساسي في هذه المهمة.

يشير التقرير إلى ارتفاع استثمارات القطاع الخاص خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، وإلى بلوغ رصيد الائتمان الممنوح لقطاع الأعمال الخاص نحو 3.3 تريليون جنيه بنهاية 2025.

أرحب بهذه المؤشرات، لكنني أهتم كذلك بما يحدث بعد حصول المشروع على التمويل: هل يستطيع التوسع؟ هل تتوافر له الطاقة ومستلزمات الإنتاج؟ وهل يعرف القواعد التي سيعمل في ظلها خلال السنوات المقبلة؟ إن الثقة التي تدفع المستثمر إلى بدء مشروع تحتاج إلى بيئة تحافظ عليها بعد بدء العمل.

وفي ملف النقد الأجنبي، يقدم التقرير أرقامًا تدعو إلى التفاؤل الحذر.

فقد بلغت الصادرات غير البترولية 18.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، بزيادة قدرها 2.6 مليار دولار عن الفترة المناظرة.

كما وصلت تحويلات المصريين بالخارج إلى 34.9 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام نفسه، وبلغت متحصلات السياحة 14.4 مليار دولار خلال الفترة ذاتها.

أرى في هذه التدفقات دعمًا مهمًا للاقتصاد، لكنني أعتقد أن تقوية الصادرات تستحق أولوية خاصة، لأنها ترتبط مباشرة بقدرتنا على الإنتاج والمنافسة في الأسواق الخارجية.

أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فقد أورد التقرير أن صافي تدفقه إلى مصر بلغ 9.3 مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 6 مليارات دولار في الفترة المناظرة.

هذا تحسن مهم، لكنني أريد أن أقرأ الرقم بمزيد من التفصيل: كم منه ذهب إلى إنشاء مشروعات جديدة؟ وكم منه ساعد شركات قائمة على التوسع؟ وما الوظائف والصادرات التي ستنتج عن تلك الاستثمارات؟ ويذكر التقرير أثر صفقة رأس الحكمة ضمن تدفقات هذه الفترة، ولذلك فإن استدامة التحسن ستتضح بقدر ما تجذب مصر استثمارات متنوعة ومتكررة في قطاعات منتجة.

هناك جانب آخر لا يجوز إغفاله: أثر الأسعار على الأسرة المصرية.

قد تتحسن مؤشرات النمو والدين والاحتياطيات، بينما يبقى السؤال الأول لدى المواطن متعلقًا بقدرته على شراء احتياجاته.

أعرف أن أثر السياسات الاقتصادية لا يصل إلى كل بيت في اليوم نفسه، لكنني أرى أن شرح هذه الفجوة للناس واجب.

عليهم أن يعرفوا ما الذي تحسن بالفعل، وما الذي يحتاج إلى وقت، وكيف ستتحول المؤشرات العامة إلى دخل أفضل وخدمة أجود وفرصة عمل حقيقية.

الصراحة في هذا الملف تبني ثقة أقوى من الاكتفاء بعرض الأرقام الإيجابية.

وأعتقد أن نشر بيانات واضحة ومنتظمة عن الدين سيخدم النقاش العام.

أريد أن أرى، بصورة يستطيع غير المتخصص فهمها، حجم الدين المحلي والخارجي، والفرق بين دين أجهزة الموازنة وإجمالي الالتزامات، وما يستحق سداده خلال السنوات المقبلة، وتكلفة الفوائد، وما تغير من فترة إلى أخرى.

كلما كانت الصورة أوضح، أصبح من الأسهل تقدير ما أنجزته الحكومة وما لا يزال يحتاج إلى عمل.

الاقتصاد يمس حياة الجميع، ومن حق الجميع أن يفهموا اتجاهه دون أن يضطروا إلى فك شفرات المصطلحات المالية.

في تقديري، يجب أن تركز الخطوة المقبلة على تحويل التحسن المالي إلى قدرة إنتاجية أكبر.

أتحدث عن إزالة العقبات أمام المصانع، ومساعدة المصدرين على دخول أسواق جديدة، وتشجيع المشروعات الصغيرة على النمو، وتأهيل العاملين للوظائف التي تحتاجها السوق.

وأتحدث أيضًا عن استخدام الموارد العامة بكفاءة، حتى يلمس المواطن أثرها في مدرسة أفضل ومستشفى أكثر قدرة وخدمة تنجز في وقت أقل.

هذه النتائج تحتاج إلى متابعة ومحاسبة، كما تحتاج إلى استمرار الانضباط المالي الذي ساعد على تحقيق المؤشرات الحالية.

أرى أن تراجع الدين الخارجي لأجهزة الموازنة وتحسن نظرة الأسواق إلى المخاطر تطوران إيجابيان.

ولا أريد التقليل منهما لمجرد أن التحديات ما زالت كبيرة.

لكنني، في الوقت نفسه، لا أتعامل معهما باعتبارهما نهاية المهمة.

النجاح الذي أبحث عنه هو أن يواصل الدين تراجعه إلى مستويات يمكن إدارتها، وأن تنخفض تكلفة خدمته، وأن تنمو الصادرات والاستثمارات المنتجة، وأن يجد المواطن أثر ذلك في دخله وفرصه والخدمات التي يحصل عليها.

عندها تصبح الأرقام الجيدة قصة نجاح يعيشها الناس، لا مجرد مؤشرات يقرؤون عنها.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 482 الصادر بتاريخ 1 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط