«خريف أوهام القوة».. كيف يقايض المطرود دماء غزة بالانتخابات ليسبقه عار العزلة قبل السقوط؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ما مصير إسرائيل بين أوهام القوة العسكرية وعار العزلة الدولية تحت قبة الأمم المتحدة؟

- لماذا يصر اليمين المتطرف على دفع إسرائيل نحو حافة الهاوية تحت غطاء "الهجرة الطوعية"؟

ليس كل من أشعل الحرب يستطيع أن يكتب لنفسه نهاية منتصرة، وليس كل من رفع شعار الأمن يستطيع أن يطلب من الناس أن ينسوا كمّ الدم والدمار والانقسام الذي خلّفته سياساته.

بنيامين نتنياهو يقف اليوم أمام واحدة من أصعب اللحظات في مسيرته السياسية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، لا؛ لأن خصومه يريدون إسقاطه فحسب، وإنما لأن السنوات التي قضاها في قمة السلطة تركت وراءها أسئلة أكبر من أن تُدفن تحت ضجيج الشعارات العسكرية.

«اخرج منها يا عدو السلام».. ليست العبارة مجرد هتاف سياسي في وجه رئيس حكومة إسرائيلي، وإنما تعبير عن رفض نهج كامل جعل الحرب لغة أساسية، والقوة بديلًا عن السياسة، واستمرار الصراع وسيلة لإدارة الأزمات بدلًا من البحث عن طريق لإنهائها.

نتنياهو الذي يستعد لخوض الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر الجاري، يجد نفسه أمام سجل ثقيل من الملفات المفتوحة: حرب غزة، مستقبل القطاع، الانقسامات الداخلية، علاقات إسرائيل الدولية، نفوذ اليمين المتطرف داخل حكومته، فضلًا عن محاكمته الجنائية المستمرة.

وهنا تحديدًا تكمن المفارقة الكبرى: الرجل الذي قدم نفسه لسنوات باعتباره «حامي أمن إسرائيل» يدخل الانتخابات بعد واحدة من أكثر المراحل اضطرابًا في تاريخ المنطقة، بينما لا يزال السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت سياساته أنتجت أمنًا مستدامًا أم أبقت إسرائيل والمنطقة في دائرة مفتوحة من الحرب والانتقام؟!

فماذا كانت النتيجة بعد كل هذا القصف؟

غزة مدمرة، وأكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا وفق بيانات السلطات الصحية في القطاع، بينما لا يزال أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون وسط آثار الدمار والنزوح، ولم تبدأ إعادة الإعمار على النحو الذي كان مأمولًا بعد توقف القتال واسع النطاق.

وهنا لا يمكن للخطابات السياسية أن تخفي الحقيقة الأساسية: الحرب قد تدمر المباني، لكنها لا تدمر القضية التي أشعلتها.

يمكن لنتنياهو أن يتحدث عن حماس، ويمكنه أن يكرر أن إسرائيل تخوض حربًا دفاعية، ويمكنه أن يعلن في كل مناسبة أن جيشه يستهدف الحركة وليس المدنيين، وهي مواقف تكررها حكومته وتؤكد إسرائيل أنها لا تستهدف السكان المدنيين.

لكن كل ذلك لا يلغي الأسئلة التي فرضتها نتائج الحرب على الأرض.ما المستقبل الذي تريده غزة؟

وماذا عن الفلسطينيين الذين يعيشون فوق هذه الأرض؟

وهل يمكن بناء أمن دائم فوق أنقاض مدينة مدمرة؟

وهل يمكن إغلاق القضية الفلسطينية بالقوة العسكرية؟

الإجابة التي كشفتها السنوات الماضية ببساطة هي أن الحرب لا تستطيع أن تقدم وحدها إجابة عن هذه الأسئلة.

الأكثر خطورة أن خطاب الحرب لم يعد مجرد موقف لنتنياهو، وإنما أصبح جزءًا من تركيبة سياسية تضم أصواتًا أكثر تطرفًا داخل حكومته.

ففي سبتمبر، عاد وزراء من أقصى اليمين إلى طرح فكرة إخراج الفلسطينيين من غزة تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، فيما تحدث وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير عن خطة تمتد سبع سنوات، بينما قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إنه لا يرى حلًا حقيقيًا لغزة دون هذه الهجرة.

هذه ليست مجرد تصريحات هامشية يمكن تجاوزها.

إنها تكشف إلى أي مدى أصبح اليمين المتطرف شريكًا أساسيًا في صناعة القرار الإسرائيلي، وإلى أي مدى بات مستقبل الفلسطينيين نفسه جزءًا من صراع سياسي داخل إسرائيل.

أما نتنياهو، فعندما يجد نفسه محاطًا بهذه الأصوات، لا يستطيع أن يختبئ خلف عبارة «هذه مواقف وزراء في حكومتي».

فهؤلاء الوزراء ليسوا خصومًا له من خارج السلطة، وإنما جزء من الائتلاف الذي أبقاه في الحكم.

وهنا تظهر أزمة نتنياهو الحقيقية: لم يعد السؤال فقط ماذا يفعل نتنياهو، وإنما إلى أين سمح للسياسة الإسرائيلية أن تصل؟

رئيس الوزراء الذي جعل الأمن محور خطابه السياسي لم يستطع أن يمنع هجوم 7 أكتوبر 2023، وهو الهجوم الذي قُتل خلاله نحو 1200 شخص في إسرائيل وأُخذ 251 شخصًا رهائن، وفق البيانات الإسرائيلية.

وبعد ذلك اندلعت الحرب التي قلبت المنطقة رأسًا على عقب.

وهذا الملف وحده يكفي لفتح واحدة من أكثر صفحات النقاش السياسي إيلامًا داخل إسرائيل: كيف حدث ما حدث؟ وهل يتحمل نتنياهو وحكومته مسؤولية سياسية عن الإخفاق الذي سبق الهجوم؟

ثم جاء ملف الأسرى ليضيف جرحًا آخر.

فبينما استمرت الحكومة في التأكيد على أهدافها العسكرية، واجه نتنياهو ضغوطًا واحتجاجات داخل إسرائيل تطالب بإعطاء قضية الأسرى أولوية، لتصبح القضية اختبارًا صعبًا للخطاب الذي يربط استمرار الحرب بتحقيق الأمن.

وبدلا من أن تتحول الحرب إلى نهاية للصراع، تحولت إلى أزمة ممتدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالانتخابات، والسياسة بالأمن، ومصير الحكومة بمصير الحرب.

حتى محاولات الوصول إلى تسوية لم تحقق اختراقًا حاسمًا؛ ففي أغسطس، انتهت محادثات جاريد كوشنر في إسرائيل بشأن خطة أمريكية لإنهاء حرب غزة دون اختراق، بينما تمسك نتنياهو بموقفه القائم على استمرار العمليات إلى أن يتم نزع سلاح حماس.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:

إذا كان السلام مؤجلًا إلى أن يتحقق كل ما تريده الحكومة عسكريًا، فمتى يبدأ السلام؟

إذا كان المطلوب أولًا القضاء الكامل على الخصم، ثم نزع سلاحه، ثم ترتيب مستقبل غزة، ثم إعادة الإعمار، ثم الاتفاق على شكل الحكم، فما الذي يمنع استمرار الحرب إلى ما لا نهاية؟

هذه هي المعضلة التي جعلت نتنياهو في مواجهة اتهامات سياسية بأنه يستفيد من استمرار الأزمة، وهي اتهامات يتعين نسبها إلى خصومه ومراقبين سياسيين، لا باعتبارها حقيقة قضائية مثبتة.

وفي المقابل، يصر نتنياهو على أن أهداف الحرب مرتبطة بأمن إسرائيل ومنع تكرار هجوم 7 أكتوبر.

لكن السياسة لا تُقاس بالنوايا وحدها.

السياسة تُقاس بالنتائج.

والنتائج أمام الجميع: غزة مدمرة، القضية الفلسطينية أكثر حضورًا على الساحة الدولية، والانقسام داخل إسرائيل عميق، واليمين المتطرف يضغط باتجاه خيارات أكثر تشددًا، بينما يواصل نتنياهو معركته السياسية والقانونية في آنٍ واحد.

وفي ملفه القضائي، أنهى نتنياهو في يونيو الماضي مرحلة الإدلاء بشهادته في محاكمته الجنائية بعد 98 جلسة، في قضايا تتعلق باتهامات بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، وهي اتهامات ينفيها، ولم يصدر فيها حكم نهائي بإدانته.

وبين المحكمة وصندوق الانتخابات، وبين الحرب والاحتجاجات، وبين خطاب الأمن وأسئلة السلام، يجد نتنياهو نفسه أمام لحظة سياسية لا يستطيع فيها الاكتفاء بإعادة الجمل القديمة نفسها.

لقد حكم طويلًا.

وطويلًا جدًا.

ولذلك فإن الحساب لم يعد على وعود المستقبل فقط، وإنما على سجل كامل من القرارات.

سجل يقول إن نتنياهو اختار القوة مرارًا، لكنه لم يقدم حتى الآن إجابة مقنعة عن «اليوم التالي».

وسجل يقول إن الحرب تستطيع أن تحقق مكاسب عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع تسوية سياسية.

وسجل يقول إن إبعاد السلام عن الطاولة لا يلغي الصراع، وإنما يتركه أكثر اشتعالًا وتعقيدًا.

ولهذا فإن المعركة المقبلة ليست مجرد معركة بين نتنياهو وخصومه.

إنها معركة حول إرث نتنياهو نفسه.

حول إسرائيل التي يريدها: دولة تعيش على الحروب المتكررة، أم دولة تبحث عن تسوية سياسية تضمن أمنها دون تحويل المنطقة كلها إلى ساحة دائمة للصراع.

حول غزة التي يريدها اليمين الإسرائيلي: أرضًا بلا سكان فلسطينيين، أم جزءًا من حل سياسي يعترف بحقوق الفلسطينيين.

وحول المستقبل الذي لا يمكن أن يبنى على فكرة أن القوة العسكرية تستطيع إلى الأبد أن تحل محل السياسة.

نتنياهو يستطيع أن يخوض الانتخابات بشعارات الأمن.

ويستطيع أن يرفع صوته في الأمم المتحدة، كما فعل الشهر الماضي، دفاعًا عن العمليات الإسرائيلية ورفضًا للاتهامات الموجهة إلى إسرائيل.

وحين وقف نتنياهو "مصاص الدماء" على منبر الأمم المتحدة ليدافع عن أوهامه، لم يكن يواجه قاعة مستمعة، بل كان يحصد عار عزلته؛ لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تفرغ المقاعد وتتهاوى معها آخر أوراق التوت، إذ انسحبت الوفود والدبلوماسيون تباعاً من القاعة في مشهد تاريخي مدوٍّ يعلن رفض العالم أجمع منطق إدارة الأرض المحروقة، ليكتشف رئيس الوزراء المأزوم أن صوته العالي تحت قبة الأمم المتحدة لم يعد يغطي على صوت الرفض الدولي العارم لجرائمه.

لكنه لن يستطيع أن يمنع الأسئلة من العودة.

من المسؤول عن 7 أكتوبر؟

ماذا حققت الحرب؟

ماذا عن الأسرى؟

ماذا عن غزة؟

ماذا عن الفلسطينيين؟

ماذا عن مستقبل إسرائيل نفسها؟

ومتى يأتي السلام؟

هذه الأسئلة أقوى من أي خطاب انتخابي.

ولهذا، فإن نتنياهو لا يواجه في الانتخابات المقبلة مجرد منافسين سياسيين؛ بل يواجه سجلًا كاملًا من السنوات التي حكم فيها إسرائيل، بكل ما حملته من قرارات وحروب وانقسامات وأزمات.

وفي نهاية المطاف، سيبقى السؤال الأكبر مطروحًا أمام الإسرائيليين: هل يستمر المسار الذي ارتبط باسم نتنياهو، أم تبحث إسرائيل عن طريق سياسي مختلف؟

أما المنطقة، فلها سؤالها الخاص الذي لن يغيره صندوق انتخابات:

متى يتوقف نتنياهو عن إدارة الصراع، ويبدأ العالم البحث عن طريق لإنهائه؟

لأن الشرق الأوسط لا يحتاج مزيدًا من الحروب..بل يحتاج إلى سلام حقيقي.

الصفحة الثانية من العدد رقم 482 الصادر بتاريخ 1 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط