«الوحدة» ليست «عزلة».. بل أقرب طريق إلى النفس
- الابتعاد عن الناس يمنح الإنسان فرصة لفهم ذاته ومراجعة اختياراته واستعادة نفسه من جديد
- السلام الداخلي يبدأ أحيانا من العزلة.. والفرد يحتاج إلى نفسه كما يحتاج إلى الآخرين
- الوحدة لا تعني القطيعة مع الحياة.. والإنسان يظل بحاجة إلى الصداقة والرفقة
مع مرور الزمن أصبحت أؤمن بأن الإنسان لا يحتاج دائما إلى من يجلس بجواره، بقدر ما يحتاج أحيانا إلى أن يجلس مع نفسه، وأن بعض المسافات التي نصنعها بيننا وبين الآخرين ليست قسوة ولا جفاء، وإنما محاولة أخيرة لاستعادة شيء فقدناه وسط زحام الحياة، هدوءنا، وصدقنا، وقدرتنا على سماع صوتنا من جديد، وأنا شخصيا صرت أكثر تفهما للحظات التي أختار فيها الابتعاد، ليس لأنني فقدت رغبتي في الناس، ولكن لأنني أدركت أن كثرة الحضور قد تحجب عنا أحيانا أكثر مما تكشف، وأن الإنسان قد يعيش محاطا بالعشرات ثم يشعر بأنه لا يجد شخصا واحدا يستطيع أن يكون معه على حقيقته.
وللحق لقد اكتشفت أن الوحدة ليست دائما ذلك المكان البارد الذي نخافه، فقد تكون أحيانا المكان الوحيد الذي لا نحتاج فيه إلى التظاهر، ولا إلى شرح اختياراتنا، ولا إلى الدفاع عن صمتنا، ولا إلى ارتداء صورة ترضي الآخرين، ففي وحدتنا نستطيع أن نكون كما نحن، نراجع أنفسنا بلا جمهور، نعترف بأخطائنا بلا خوف، ونستعيد أسئلة أخرناها طويلا لأن صخب الأيام لم يمنحنا فرصة للجلوس أمامها، وربما لهذا أصبحت أرى أن بعض الابتعاد ليس ابتعادا عن الناس بقدر ما هو اقتراب ضروري من النفس، فهناك أوقات في حياتنا لا نحتاج فيها إلى أحد بقدر ما نحتاج إلى أن نجلس مع أنفسنا قليلا، نغلق الأبواب التي اعتدنا أن نتركها مفتوحة للجميع، نبتعد عن الأصوات الكثيرة، ونمنح أرواحنا فرصة نادرة لأن تسمع صوتها الحقيقي بعيدا عن كل ما يقال حولها، وأنا أؤمن بأن الإنسان لا يعرف نفسه تماما وهو محاط دائما بالآخرين، فبعض ملامحنا لا تظهر إلا في الوحدة، وبعض الأسئلة لا تجد طريقها إلى الوعي إلا عندما تهدأ الحياة من حولنا، وبعض الإجابات لا تأتي إلا بعد أن نتوقف عن البحث عنها في عيون الناس.
ولطالما ارتبطت الوحدة في أذهاننا بالحزن والحرمان والغياب، وكأن الإنسان الذي يختار الجلوس بمفرده يعيش بالضرورة حالة من الانكسار أو العجز عن التواصل، لكنني أرى أن هذا التصور ظلم كبير لمعنى الوحدة، فهناك وحدة تؤلم بالفعل، ووحدة أخرى تشبه الراحة، وهناك عزلة تفرضها الحياة على الإنسان، وأخرى يختارها بنفسه لأنه أدرك أن كثرة الحضور لا تعني دائما الأنس، وأن وجود الناس حولنا لا يمنع بالضرورة شعورنا بالفراغ.
أحيانا نبتعد عن الناس لا لأننا نكرههم، ولكن لأننا تعبنا من محاولة شرح أنفسنا لهم، تعبنا من الدفاع عن اختياراتنا، ومن تبرير صمتنا، ومن الإجابة عن أسئلة لا نملك لها إجابات، ومن الدخول في نقاشات لا تغير شيئا، ومن المحافظة على علاقات لم يعد فيها من الدفء ما يكفي لاستمرارها، وفي لحظة ما نكتشف أن الابتعاد ليس قسوة، وأن الصمت ليس خصاما، وأن الإنسان قد يحتاج إلى بعض المسافة حتى يرى حياته بوضوح أكبر.
وفي زحام الحياة نفقد شيئا مهما دون أن نشعر، نفقد القدرة على الإنصات إلى أنفسنا، فكل يوم يحمل إلينا عشرات الأصوات والآراء والمطالب والتوقعات، وكل شخص يريد منا شيئا، وكل مساحة حولنا تحاول أن تخبرنا كيف نعيش وماذا نريد وما الذي ينبغي أن نفعله، حتى نصل في النهاية إلى لحظة نكتشف فيها أننا أصبحنا نعرف ما يريده الآخرون منا أكثر مما نعرف ما نريده نحن لأنفسنا، وهنا تأتي الوحدة باعتبارها مساحة لاستعادة هذا الصوت الداخلي، فحين نجلس وحدنا تبدأ الأسئلة الحقيقية الظهور، هل أنا سعيد فعلا أم أنني اعتدت فقط على ما أعيشه؟ هل ما أفعله يشبهني أم أنني أفعله حتى أرضي الآخرين؟ هل ما زلت أحب المكان الذي أقف فيه؟ وهل الأشخاص الذين يحيطون بي يضيفون إلى حياتي أم يستهلكون ما تبقى من طاقتي؟ وهي أسئلة قد تكون مؤلمة لكنها ضرورية، لأن الإنسان الذي لا يسأل نفسه من وقت إلى آخر قد يعيش سنوات طويلة في حياة لم يخترها بنفسه.
نحن لا نحتاج دائما إلى تغيير حياتنا حتى نشعر بالراحة، أحيانا نحتاج فقط إلى أن نبتعد قليلا عن تفاصيلها حتى نراها من الخارج، فالمسافة تمنحنا قدرة مختلفة على الفهم، وما يبدو لنا كبيرا جدا ونحن في قلب المشكلة قد يبدو أقل أهمية عندما نبتعد عنه، وما نظنه نهاية العالم قد نكتشف أنه مجرد موقف عابر، وما نظنه علاقة لا يمكن الاستغناء عنها قد نكتشف أننا كنا نخاف فقط من فكرة فقدانها، ولهذا أرى أن الابتعاد المؤقت ليس انسحابا من الحياة، بل محاولة لفهمها بصورة أكثر هدوءا، فالإنسان يحتاج أحيانا إلى أن يضع الهاتف جانبا، وأن يقلل من الكلام، وأن يبتعد عن الاجتماعات والزيارات والرسائل، وأن يمنح يومه ساعات لا يكون فيها مطالبا بأن يشرح نفسه لأحد، ففي هذا الهدوء يستطيع أن يراجع قراراته، وأن يميز بين ما يريده فعلا وما اعتاد أن يريده، وبين ما يستحق أن يحتفظ به وما آن أوان أن يتركه، وهناك فرق كبير بين أن تهرب من الناس وأن تختار لنفسك مساحة بعيدا عنهم، الهروب يحمل خوفا، أما الابتعاد الواعي فيحمل أحيانا نضجا، والهروب يعني أنك لا تريد مواجهة شيء ما، بينما الابتعاد قد يعني أنك تريد أن تواجه نفسك أولا قبل أن تواجه الآخرين.
ولست مع الوحدة التي تتحول إلى قطيعة دائمة مع الحياة، فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى المحبة والصداقة والعائلة والرفقة، ولا يمكن للروح أن تعيش طويلا على الاكتفاء الكامل بالذات، لكنني في الوقت نفسه لا أؤمن بأن كثرة العلاقات دليل على امتلاء الإنسان، فقد يكون حولك عشرات الأشخاص وتشعر بأنك وحيد، وقد تجلس وحدك في غرفة صغيرة وتشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل بأنك في المكان الذي تنتمي إليه، فالمشكلة ليست في عدد الأشخاص الذين نعرفهم، وإنما في نوعية الحضور الذي يمنحونه لنا، فهناك شخص واحد يستطيع أن يمنحك من الطمأنينة ما لا تمنحك إياه عشرات العلاقات، وهناك علاقات كثيرة قد تجعل الإنسان أكثر وحدة مما لو كان بمفرده، أخشى أحيانا أن يكون الضجيج الذي نعيش فيه وسيلة غير واعية للهروب من أنفسنا، فنحن نملأ الوقت بالكلام والعمل والهاتف والمواعيد والمشاهد والصور حتى لا نضطر إلى الجلوس أمام الأسئلة التي نخشى مواجهتها، ولذلك يصبح الصمت مخيفا لبعض الناس، لأنه لا يترك لهم شيئا يختبئون خلفه، لكن الصمت في حقيقته ليس فراغا، بل مساحة تظهر فيها أشياء كثيرة كانت مختبئة تحت ضجيج الأيام، تظهر أحزان قديمة، وأحلام مؤجلة، وأخطاء لم نعترف بها، وأشخاص ما زلنا نفتقدهم، وقرارات نعرف في داخلنا أننا لم نكن راضين عنها، وفي الوقت نفسه تظهر أيضا أشياء جميلة كنا قد نسيناها، مثل قدرتنا على البدء من جديد، ورغبتنا في التغيير، والأشياء البسيطة التي تمنحنا السعادة دون أن نحتاج إلى جمهور يراها.
ولعل أجمل ما تمنحه الوحدة أنها تعيد الإنسان إلى الأشياء الصغيرة، إلى فنجان القهوة الذي يشربه في هدوء، إلى كتاب يقرأه دون استعجال، إلى نافذة يتأمل منها الشارع، إلى موسيقى قديمة تذكره بمرحلة من حياته، وإلى لحظة لا يفعل فيها شيئا سوى أن يكون موجودا، دون أن يثبت شيئا لأحد.
لقد علمتنا الحياة منذ الصغر أن نبحث عن الآخرين، عن الأصدقاء والحب والنجاح والتقدير والقبول، وهذا أمر طبيعي، لكننا لا نتعلم بالقدر نفسه كيف نصبح أصدقاء لأنفسنا، وكيف نحتمل الجلوس معها، وكيف نعامل أخطاءنا برحمة، وكيف نتقبل عيوبنا دون أن نكره أنفسنا بسببها، أعتقد أن أقسى أنواع الوحدة أن يكون الإنسان غير قادر على الاحتمال مع نفسه، لأنك تستطيع أن تغير مكانك، وأن تبتعد عن بعض الأشخاص، وأن تبدأ علاقة جديدة، لكنك لا تستطيع أن تهرب من نفسك، ولهذا فإن التصالح معها ليس رفاهية، بل ضرورة، ومن لا يجد السكينة في داخله سيظل يبحث عنها في الخارج، وكلما حصل على شيء احتاج إلى شيء آخر، وكلما أحاط نفسه بالناس احتاج إلى مزيد منهم، لأن المشكلة لم تكن في غياب الآخرين من البداية.
وللحق أن تكون صديقا لنفسك يعني أن تعرف متى تحتاج إلى الراحة، ومتى تحتاج إلى الكلام، ومتى تحتاج إلى البكاء، ومتى تحتاج إلى أن تقول لا، ومتى تحتاج إلى أن تغادر مكانا لم يعد يشبهك، والأهم أن تعرف أن قيمتك لا تتوقف على مقدار اهتمام الآخرين بك، فالإنسان لا يصبح أكثر قيمة لأنه محاط بالناس، ولا يفقد قيمته لأنه اختار بعض الوقت لنفسه.
إنني لا أرى الوحدة عدوا للإنسان كما تصورها لنا الحياة أحيانا، بل أراها حالة تحتاج إلى فهم، فقد تكون مؤلمة إذا فرضها الفقد، وقد تكون قاسية إذا جاءت نتيجة الخذلان، لكنها قد تكون جميلة إذا اخترناها لبعض الوقت كي نستعيد أنفسنا، فالابتعاد عن الناس لا يعني بالضرورة أننا فقدنا الرغبة في الحياة، وربما يكون العكس تماما، ربما نبتعد لأننا نريد أن نعود إلى الحياة بصورة أكثر صدقا وهدوءا، وأعتقد أن الإنسان يصل في مرحلة ما إلى حقيقة بسيطة، هي أن كثرة الرفقة لا تعني دائما كثرة الأنس، وأن بعض المسافات ضرورية حتى تستقيم علاقتنا بالآخرين، لأننا لا نستطيع أن نمنح من حولنا شيئا جميلا ونحن منهكون من الداخل، ولا نستطيع أن نحب بصورة صحيحة إذا كنا لا نعرف كيف نعيش مع أنفسنا، لذلك لم تعد الوحدة بالنسبة لي مجرد غياب الآخرين، بل أصبحت أحيانا حضورا مختلفا، حضورا للنفس بعد أن غابت طويلا وسط الزحام، وهي لحظة لا يحتاج فيها الإنسان إلى أن يثبت شيئا أو يشرح شيئا أو يرضي أحدا، يكفيه أن يجلس مع نفسه في هدوء، وأن يسألها بصدق عما تريد، وما يؤلمها، وما الذي تتمنى أن تتركه خلفها، وما الذي لا تزال تحلم به.
وربما تكون أجمل علاقة يمكن أن يصل إليها الإنسان في حياته هي تلك العلاقة التي يصنعها مع نفسه، لأنه حين يتصالح معها لن تعود الوحدة سجنا، ولن يصبح الصمت فراغا، ولن يكون الابتعاد عن الآخرين هروبا، بل مساحة يستعيد فيها الإنسان صوته، ويعرف طريقه، ثم يعود إلى العالم بقلب أكثر هدوءا، ونظرة أكثر وضوحا، وقدرة أكبر على أن يحب دون أن يفقد نفسه.




