عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يحمي مصر من مخاطر الحروب.. ويقود جهودا حثيثة لصون أمن المنطقة
- تحركات مصرية متواصلة لخفض التصعيد ووقف اتساع دائرة الصراع حفاظا على أمن المنطقة واستقرار شعوبها
- دعم العراق رسالة مصرية واضحة برفض جر الدول العربية إلى صراعات جديدة
- حماية الشعوب أولوية مصرية.. والحوار سبيل لحماية المنطقة من ويلات الحروب
أحيانا لا تكون المعركة الحقيقية هي تلك التي تدور في ميادين القتال، وإنما تلك التي تخوضها الدول بعيدا عن أصوات المدافع من أجل منع الحرب قبل أن تبدأ، وحماية الشعوب قبل أن تدفع ثمنها، والحفاظ على استقرار الأوطان قبل أن يصبح استعادته مهمة شاقة ومكلفة، وفي منطقة عرفت خلال السنوات الماضية كيف تبدأ الأزمات صغيرة ثم تكبر حتى تبتلع دولا بأكملها، تصبح قيمة التحرك المبكر لوقف التصعيد أكبر كثيرا من أي مكاسب مؤقتة قد يحققها الانتصار في معركة، ومن هنا أرى أن التحركات التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي لخفض التصعيد في المنطقة تستحق أن تُقرأ من زاوية أوسع من مجرد كونها تحركات سياسية أو اتصالات دبلوماسية، لأن القضية في جوهرها تتعلق بحماية مصر أولا، وحماية مصالح شعبها، والحفاظ على أمنها القومي، وفي الوقت نفسه حماية الشعوب العربية من الدخول في دوامة جديدة من الحروب التي لا يعرف أحد أين تبدأ وأين تنتهي.
الرئيس السيسي يتحرك في توقيت بالغ الحساسية، والمنطقة تقف أمام احتمالات مفتوحة للتصعيد، ولذلك فإن مصر لا تنتظر حتى تتسع دائرة النار ثم تبدأ البحث عن حلول، وإنما تتحرك منذ البداية للدفع نحو التهدئة والحوار والحلول السياسية، لأن منع اتساع الحرب يظل دائما أقل كلفة من التعامل مع نتائجها بعد وقوعها، وحماية الإنسان قبل أن يصبح ضحية للصراع أكثر مسؤولية من البحث عن إنقاذه بعد أن تدمر حياته، وهنا تحديدا أجد أن الموقف المصري يحمل قدرا كبيرا من المسؤولية، فمصر لا تنظر إلى أمنها القومي باعتباره حدودا جغرافية فقط، وإنما تدرك أن ما يحدث في الإقليم يمكن أن يصل تأثيره إلى الداخل بأشكال مختلفة، أمنيا واقتصاديا وسياسيا وإنسانيا، ولذلك فإن العمل على تهدئة المنطقة ليس رفاهية دبلوماسية، وإنما جزء أصيل من حماية الدولة المصرية ومصالح مواطنيها.
الحرب في عالمنا اليوم لم تعد شأنا يخص أطرافها وحدها، فكل صراع كبير يمكن أن ينعكس على حركة التجارة والطاقة والملاحة والاستثمار والأسواق، ويمكن أن يفتح أبوابا جديدة للهجرة والنزوح ويزيد الضغوط الاقتصادية على دول لم تكن طرفا في الحرب من الأساس، ولذلك فإن الدولة التي تتحرك لمنع اتساع الصراع إنما تحمي شعبها من تداعيات قد تصل إليه حتى لو ظل بعيدا عن ميادين القتال، وهذا ما يجعل التحركات المصرية الحالية شديدة الأهمية، فالقاهرة لا تتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق الانتظار، وإنما تحاول أن تستخدم ما تملكه من علاقات واتصالات ومكانة إقليمية من أجل فتح أبواب للحوار، وتقليل مساحة التوتر، والحفاظ على فرص الوصول إلى حلول سياسية يمكن أن تجنب المنطقة جولات جديدة من العنف، وفي تقديري، فإن هذه الرؤية تعكس فهما واضحا لطبيعة المرحلة، لأن المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما تحتاج إلى عقلاء يعملون على إطفاء الحرائق قبل أن تمتد إلى دول وشعوب أخرى، ومصر بحكم تاريخها وموقعها وعلاقاتها العربية والإقليمية تملك مسؤولية خاصة في هذا المسار، والرئيس السيسي يتحرك في هذا الاتجاه بصورة مستمرة.
ولعل اللقاء الأخير بين الرئيس السيسي وعمار الحكيم رئيس تيار الحكمة العراقي يقدم نموذجا واضحا لهذه الرؤية، فقد جدد الرئيس خلال اللقاء حرص مصر الدائم على أمن واستقرار العراق، ومساندتها للإجراءات التي تتخذها الدولة العراقية للحفاظ على سيادتها ووحدتها وسلامة أراضيها، كما تناول اللقاء المشهد الإقليمي وتداعياته على دول وشعوب المنطقة، واستعرض الرئيس الرؤية المصرية القائمة على تغليب الحلول السلمية للأزمات والنزاعات ودعم المؤسسات الشرعية ومفهوم الدولة الوطنية الجامعة، وأهمية هذا الموقف بالنسبة لي أنه لا يتعامل مع العراق باعتباره ملفا سياسيا منفصلا، وإنما ينظر إلى أمن العراق باعتباره جزءا من أمن المنطقة العربية، فالعراق دولة عربية كبيرة، واستقرارها ليس شأنا عراقيا فقط، وإنما يمثل مصلحة عربية عامة، وكلما نجحت الدول العربية في حماية سيادتها ووحدة أراضيها ومؤسساتها كانت فرص الاستقرار الإقليمي أكبر.
وهذا الموقف لم يكن وليد لقاء واحد، فقبل ذلك بأيام، وخلال لقاء الرئيس السيسي بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على هامش قمة بريكس في نيودلهي، شدد الرئيس على موقف مصر الداعم جهود استعادة الاستقرار في المنطقة، ودعا إلى وقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة، بما يحفظ سيادة دول المنطقة ويحمي مقدرات شعوبها، كما شدد على ضرورة وقف الاعتداءات على الدول العربية، وهنا تظهر إحدى أهم سمات التحرك المصري، وهي أن القاهرة لا تكتفي بالتعبير عن القلق من تطورات المنطقة، وإنما تطرح بوضوح طريقا للتعامل معها يقوم على الحوار والدبلوماسية والحلول السياسية واحترام سيادة الدول، وهي مبادئ تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في منطقة تعيش على حافة التصعيد تمثل أهمية كبيرة.
وقد رأينا ذلك أيضا في لقاء الرئيس السيسي مع الرئيس الصيني في القاهرة، حيث توافق الجانبان على ضرورة تغليب الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى تسويات شاملة ومستدامة للأزمات والنزاعات، كما أكد الرئيس أولوية خفض التصعيد واحترام سيادة وأمن دول مجلس التعاون الخليجي والأردن وسلامة أراضيها، وتجنيب الشعوب التبعات السلبية للأزمة، وهذه النقطة تحديدا تستوقفني كثيرا، لأن الرئيس السيسي لا يتحدث فقط عن حماية الدول، وإنما يربط دائما بين أمن الدول وحماية الشعوب، وكأن الرسالة الأساسية التي تتحرك بها مصر تقول إن الدولة ليست مجرد حدود ومؤسسات، وإنما هي في النهاية بيت يعيش داخله ملايين البشر، وأي تهديد لاستقرارها ينعكس مباشرة على حياة هؤلاء الناس ومستقبلهم، ومن هنا فإن حماية الشعوب العربية من مخاطر الحروب ليست عبارة إنشائية، وإنما قضية ترتبط بأمن المواطن ومعيشته ومستقبل أبنائه، فالحرب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها تنتهي دائما عند المواطن الذي يفقد الأمان أو العمل أو المنزل، وقد يجد نفسه أمام ظروف لم يخترها ولم يكن له أي دور في صناعتها، وأرى أن هذه الرؤية هي التي تفسر كثافة التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة، فالرئيس السيسي يشارك في القمم الدولية ويلتقي قادة الدول ويتواصل مع الأطراف الإقليمية، وفي كل هذه المساحات تظل الرسالة المصرية مرتبطة باستعادة الاستقرار وخفض التصعيد واحترام سيادة الدول وحماية الشعوب من تداعيات الحروب.
وللحق فإن الرئيس السيسي يتحرك من أجل حماية مصر قبل أن تصل مخاطر الحروب إلى أبوابها، وفي الوقت نفسه يعمل على حماية الشعوب العربية من أن تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات، وهي مسؤولية كبيرة لا يمكن اختزالها في تصريح أو لقاء أو موقف دبلوماسي واحد، فالسلام لا يصنع نفسه، والاستقرار لا يأتي من تلقاء ذاته، وإنما يحتاج إلى دول تتحرك وعقول تدرك خطورة اللحظة وقادة يعرفون أن منع الحرب أفضل كثيرا من الانتصار فيها بعد أن يسقط الضحايا وتتدمر المدن وتنهار الاقتصادات.



