تجارة النجومية الزائفة

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- الضجيج على السوشيال ميديا أصبح معيارا للنجومية.. والصخب أقوى من الإبداع

- المشهد الفني يدفع ثمن سباق الترند.. وإثارة الجدل تتحول إلى طريق مختصر نحو الشهرة

- ذائقة الجمهور تتأثر بثقافة المحتوى السريع.. والأعمال الهادئة تواجه صعوبة في فرض حضورها

- الانتشار يمنح بعض الأسماء مساحة أكبر من موهبتها.. والحضور الطاغي لا يعوض غياب القيمة

- الشهرة السريعة لا تصنع مكانة.. وما يبقى في ذاكرة الجمهور هو الإبداع الحقيقي

لطالما آمنت بأن الفن الحقيقي لا يحتاج إلى أن يرفع صوته حتى يصل إلى الناس، وأن العمل الجيد يستطيع أن يجد طريقه إلى الجمهور حتى لو لم تصاحبه ضجة كبيرة، وأن الفنان الذي يملك موهبة حقيقية لا يحتاج إلى أن يطارد الأنظار في كل لحظة، لأن ما يقدمه هو الذي يمنحه مكانته، وما يتركه في وجدان الناس هو الذي يحدد عمره الحقيقي، لكنني في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ تغيرا واضحا في هذه المعادلة، حتى أصبح الصخب في أحيان كثيرة أكثر تأثيرا من الإبداع، وأصبح لفت الانتباه إنجازا قائما بذاته، بصرف النظر عما إذا كان وراءه موهبة حقيقية أو عمل يستحق كل هذه المساحة.

إن ما يزعجني في هذا التحول أن الأمر لم يعد مقتصرا على السوشيال ميديا، وإنما امتد تأثيره إلى طريقة استقبالنا للفن والحكم على الفنانين والأعمال، أصبحنا نعيش في زمن يكفي فيه أن يثير شخص ما الجدل حتى يحصل على مساحة واسعة من الحديث، بينما قد يقدم فنان آخر عملا جيدا ومحترما ولا يجد القدر نفسه من الاهتمام، ليس لأنه أقل موهبة، وإنما لأنه أكثر هدوءا وأقل رغبة في الدخول في سباق مستمر لجذب الأنظار، وهنا يصبح السؤال الذي أراه ضروريا هو: هل تغيرت معايير النجاح بالفعل، وهل أصبح الفنان مطالبا بأن يكون صاخبا حتى يظل حاضرا؟

المشكلة في رأيي ليست أن الفنان يتحدث أو يظهر أو يستخدم المنصات الحديثة، فهذا أصبح جزءا طبيعيا من الحياة الفنية، كما أن التواصل مع الجمهور ليس عيبا في حد ذاته، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحضور إلى غاية، وعندما يصبح مجرد الحديث عن الفنان أهم من الحديث عن فنه، وعندما يصبح الجدل حول شخصه أكثر جذبا من العمل الذي يقدمه، في هذه اللحظة تبدأ القيمة الفنية  التراجع لحساب شيء آخر لا علاقة له بالموهبة بقدر علاقته بالقدرة على إثارة الانتباه.

لقد أصبح من السهل أن نرى كيف يمكن لتصريح عابر أن يحتل مساحة أكبر من فيلم كامل، وكيف يمكن لخلاف شخصي أن يشغل الجمهور أكثر من عمل فني استغرق شهورا وربما سنوات من التحضير، وكيف يمكن لصورة أو مقطع قصير أن يصنع حالة واسعة من الجدل بينما يمر عمل فني مهم دون أن يحصل على الاهتمام نفسه، وهذا لا يعني بالضرورة أن الجمهور فقد ذائقته، وإنما يعني أن طبيعة المشهد أصبحت تدفع الجميع إلى البحث عن الأسرع والأكثر إثارة والأقدر على جذب العين في اللحظة نفسها.

وربما يكون الأمر الأكثر إثارة للقلق أن الصخب لا يكتفي بتغيير طريقة ظهور الفنان، وإنما يبدأ تدريجيا تغيير ذائقة الجمهور نفسه، فعندما نتعرض كل يوم لكم هائل من الأصوات العالية والصور السريعة والخلافات والتصريحات المثيرة، يصبح الهدوء أقل قدرة على جذب الانتباه، ويصبح العمل الذي يحتاج إلى تركيز وتأمل أقل حظا في المنافسة، فنحن نتعود شيئا فشيئا على أن يأتي كل شيء بسرعة وأن يقدم لنا الفنان نفسه بصورة مستمرة وأن تحمل كل إطلالة حكاية وكل ظهور قضية وكل تصريح مادة جديدة للحديث، حتى يصبح العمل الفني في بعض الأحيان مجرد مناسبة لفتح باب آخر من الجدل، وهنا أخشى أن نفقد القدرة على منح الإبداع فرصته الطبيعية، فالفن لا يعمل دائما بمنطق الصدمة الأولى ولا يمكن اختزاله في مقطع ينتشر خلال ساعات، بعض الأعمال تحتاج إلى وقت حتى نفهمها وبعض المواهب تحتاج إلى فرصة حتى نكتشفها وبعض الفنانين يحتاجون إلى الهدوء حتى يقدموا أفضل ما لديهم، لكن ثقافة الصخب لا تمنح أحدا هذا الوقت، فهي تريد نتيجة فورية وحضورا دائما وموضوعا جديدا كل يوم، ومع الوقت يصبح الفنان الذي يرفض المشاركة في هذا السباق وكأنه غير موجود، بينما يحصل الأكثر قدرة على إثارة الجدل على اهتمام يفوق أحيانا ما يستحقه، وهنا لا تصبح المشكلة في شخص بعينه وإنما في منظومة كاملة بدأت تخلط بين أن تكون مشهورا وأن تكون مؤثرا، وبين أن تكون حاضرا وأن تكون صاحب قيمة، وبين أن يتحدث الناس عنك وأن يكون لديك ما يستحق أن يقال، وهذا في رأيي واحد من أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب المشهد الفني لأن الفن عندما يفقد قدرته على منح الناس لحظة تأمل ويتحول كله إلى سباق مستمر على لفت النظر، فإننا لا نخسر فقط بعض الأعمال الجيدة، وإنما نخسر جزءا من قدرتنا على تذوق الفن نفسه.

وأخشى أن يتحول هذا الوضع مع الوقت إلى ضغط حقيقي على الفنان نفسه، لأن الفنان عندما يرى أن الضجة تمنح صاحبها مساحة أكبر من العمل الجيد قد يجد نفسه مضطرا إلى الدخول في اللعبة، فيتحدث أكثر مما ينبغي، ويعلق على كل شيء، ويكشف تفاصيل لا ضرورة لها، ويشارك في معارك لا تخص فنه، ليس لأنه يريد ذلك دائما، وإنما لأنه يخشى أن يختفي إذا ظل هادئا، وهنا نصل إلى مفارقة مؤلمة، الفنان الذي كان في الماضي يحافظ على حضوره من خلال أعماله أصبح مطالبا اليوم بالحفاظ على حضوره بالكلام المستمر، وهذا في رأيي يهدد معنى النجومية نفسه، لأن النجومية الحقيقية كانت دائما مرتبطة بفكرة الاختيار، أن يعرف الفنان متى يظهر ومتى يبتعد، ماذا يقول وماذا يحتفظ به لنفسه، وما الذي يليق بمكانته وما الذي لا يليق بها، أما أن يصبح الفنان موجودا طوال الوقت وفي كل مناسبة وتحت كل منشور وفي كل أزمة، فإن كثرة الحضور قد تفقد الحضور معناه، وتصبح النجومية مجرد حالة من الظهور المستمر بلا وزن حقيقي، والأمر نفسه ينطبق على الأعمال الفنية، فقد أصبح من الممكن أن يتعامل البعض مع نجاح العمل باعتباره حجم الضجة التي أحدثها، لا حجم القيمة التي قدمها، فإذا تصدر الحديث أصبح ناجحا، وإذا أثار جدلا أصبح مؤثرا، وإذا انقسم الناس حوله اعتبرناه حالة مهمة، وكأن الجدل أصبح دليلا على الجودة، مع أن التاريخ الفني يخبرنا بعكس ذلك تماما، فهناك أعمال عظيمة لم تبدأ بضجيج، وأسماء كبيرة لم تحتج إلى معارك يومية حتى تثبت وجودها، وأفلام ومسلسلات وأغانٍ ظلت في الذاكرة لأن الناس وجدت فيها شيئا حقيقيا، وليس لأنها كانت الأكثر صراخا وقت ظهورها.

والأخطر من ذلك أن الصخب قد يمنح بعض أصحاب الحضور المحدود مساحة أكبر من قدرتهم الحقيقية، فيصبح الشخص معروفا لأنه حاضر باستمرار، لا لأنه يقدم ما يستحق المعرفة، ومع تكرار ظهوره يبدأ الجمهور  التعامل معه باعتباره نجما بحكم الانتشار، بينما تختلط الشهرة بالموهبة، ويصبح من الصعب أحيانا التفرقة بين من نجح لأنه يملك شيئا حقيقيا، ومن نجح لأنه أتقن فقط قواعد لفت الانتباه.

لا أعتقد أن الحل يكمن في العودة إلى الماضي أو تجاهل العصر الجديد، فهذا غير ممكن ولا مطلوب، لكنني أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة التفرقة بين الشهرة والقيمة، وبين الانتشار والنجاح، وبين أن يتحدث الناس عن الفنان وبين أن يحترموا ما يقدمه، فليس كل من تصدر المشهد يستحق أن يكون في مقدمته، وليس كل من أثار الجدل أصبح صاحب تأثير حقيقي، وليس كل ما يشاهده ملايين الأشخاص يصبح بالضرورة فنا يستحق أن يبقى، وأظن أن المسؤولية هنا لا تقع على الفنان وحده، فالجمهور له دور، والإعلام له دور، والمنصات لها تأثير، وعندما نمنح المساحة الأكبر دائما لمن يثير الضجيج فإننا نشارك بطريقة أو بأخرى في صناعة هذا الواقع، وعندما يصبح الخلاف أكثر جذبا من الإنجاز، والتصريح أكثر أهمية من العمل، والصورة أكثر حضورا من الموهبة، فإننا لا نستطيع بعد ذلك أن نلوم المشهد على النتائج التي وصل إليها، إن ما أتمناه هو أن نستعيد شيئا من احترامنا للفن الهادئ، ذلك الفن الذي لا يطلب من الناس أن يصفقوا له كل يوم، ولا يحتاج إلى معركة مستمرة حتى يثبت أنه موجود، الفن الذي يمنح الفنان فرصة لأن يختفي قليلا ثم يعود بعمل يستحق الانتظار، وأعتقد أن هذه المساحة تحديدا هي التي صنعت عبر التاريخ كثيرا من النجوم الذين لم يكونوا في حاجة إلى أن يشرحوا قيمتهم في كل ظهور، لأن أعمالهم كانت تقوم بهذه المهمة عنهم.

لقد أصبح الصخب اليوم وسيلة سهلة للوصول إلى الجمهور، لكن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة القدرة على البقاء، فالضجة يمكن أن تصنع حضورا سريعا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع تاريخا، ويمكن لمقطع قصير أن يجعل اسم شخص ما حديث الناس ليوم أو أسبوع، لكن ما يبقى في النهاية هو العمل، وما يستقر في الذاكرة هو الأثر، وما يمنح الفنان مكانته الحقيقية هو ما قدمه حين كانت الكاميرات مغلقة ولم يكن هناك جمهور يصفق أو منصة تمنحه رقما جديدا، لهذا أجدني منحازا دائما إلى الموهبة التي لا تصرخ، وإلى الفنان الذي يعرف أن قيمته أكبر من حجم الحديث عنه، وإلى العمل الذي لا يحتاج إلى حملة من الضجيج حتى يقنعني بأنه جيد، فنحن لا نعاني من نقص في الأصوات العالية، وإنما نعاني أحيانا من نقص في الأشياء التي تستحق أن نصغي إليها، وربما تكون أخطر خسارة في زمن الصخب هي أن نتعود عليه إلى الدرجة التي يصبح معها الهدوء دليلا على الغياب، بينما الحقيقة أن بعض أهم الأشياء في الفن لا تأتي بصوت مرتفع، وأن الإبداع في جوهره لا يحتاج إلى أن يزاحم أحدا، يكفيه أن يكون صادقا حتى يجد مكانه، ويكفي الفنان الحقيقي أن يقدم ما يستحق حتى يبقى، فالشهرة قد تصنعها الضجة، لكن المكانة يصنعها الزمن، والترند قد يمنح صاحبه لحظة، لكن الإبداع وحده يستطيع أن يمنحه ذاكرة، وبين الاثنين أرى أن الفن الحقيقي لا يزال يعرف طريقه، حتى لو تأخر قليلا، لأن الصخب قد يخطف العين، لكنه في النهاية لا يستطيع أن يحل محل الموهبة.

الصفحة السابعة من العدد رقم 479 الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط