عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يستعيد للقاهرة خضرتها

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- توجيه رئاسي يعيد الاعتبار لجمال المدينة وحق سكانها في بيئة أفضل

- تحويل المساحات المخلاة إلى مسطحات خضراء.. رؤية رئاسية تتجاوز تجميل العاصمة لتصنع بيئة أكثر إنسانية

- تخضير القاهرة يكمل مشروعات التطوير ويمنح المدينة وجها يليق بتاريخها

على الرغم من كل ما تملكه القاهرة من تاريخ وحضور وروح، فإنها تحتاج إلى مساحة أكبر للتنفس، إذ أن جمال المدن لا تصنعه المباني والطرق وحدها، وإنما تصنعه أيضا الأشجار والحدائق والمساحات المفتوحة التي تمنح الإنسان فرصة للهدوء وسط صخب الحياة، ومن هنا أرى أن توجيه الرئيس السيسي بتخضير القاهرة يتجاوز فكرة التجميل إلى رؤية أكثر إنسانية لعاصمة تستحق أن تستعيد خضرتها، فتوجيه الرئيس بتبني مشروع لتخضير القاهرة وتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مسطحات خضراء يحمل دلالة تتجاوز حدود القرار التنفيذي المباشر، فهو يعبر عن رؤية أكثر اتساعا للعاصمة، تقوم على أن تطوير المدن لا يقاس فقط بما تشهده من طرق ومحاور ومبانٍ ومشروعات عمرانية، وإنما يقاس أيضا بما توفره من هواء أفضل ومساحات للراحة ومشهد بصري يليق بسكانها وتاريخها الطويل، وما تمنحه للإنسان من إحساس بأن المدينة ليست مجرد مكان للحركة والعمل، بل مساحة للحياة نفسها، وهذا ما يجعل مشروع تخضير القاهرة واحدا من الملفات التي تستحق اهتماما خاصا، ليس باعتباره إضافة تجميلية إلى المشهد العام، ولكن باعتباره جزءا من تصور متكامل لتحسين جودة الحياة داخل واحدة من أكثر عواصم العالم كثافة وحركة.

واللافت في التوجيه الرئاسي أنه لا يتحدث عن زراعة مساحات محددة فحسب، وإنما يضع قاعدة واضحة للتعامل مع أي مساحة يتم إخلاؤها، بحيث تتحول إلى مسطح أخضر بدلا من أن تعود إلى دائرة العشوائية أو الاستخدامات التي قد تزيد من أعباء المدينة، وهذه الفكرة في حد ذاتها تحمل أهمية كبيرة، لأنها تنقل التعامل مع الفراغات العمرانية من مجرد معالجة مؤقتة إلى رؤية مستدامة، تجعل كل مساحة جديدة فرصة لإضافة قيمة حقيقية إلى القاهرة، فالمكان الذي كان يشغل وظيفة قديمة يمكن أن يستعيد دوره بصورة مختلفة، والموقع الذي كان يمثل عبئا على المنطقة المحيطة به يمكن أن يتحول إلى متنفس يخدم السكان، والمساحة التي كانت غائبة عن المشهد يمكن أن تصبح نقطة جمال وحركة وراحة، وهي معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها قادرة على إحداث تغيير واسع إذا جرى تنفيذها وفق تصور واضح وإدارة مستمرة.

ومن وجهة نظري، فإن أهمية تخضير القاهرة ترتبط أيضا بطبيعة العاصمة نفسها، فالقاهرة ليست مدينة عادية يمكن النظر إلى تطويرها من زاوية واحدة، إنها مدينة تتداخل فيها طبقات التاريخ مع احتياجات الحاضر، وتتحرك داخلها أعداد ضخمة من المواطنين يوميا، وتجمع بين المناطق التاريخية والأحياء السكنية والمراكز التجارية والإدارية، ولذلك فإن أي مشروع لتحسين بيئتها يجب أن يضع الإنسان في قلبه، وأن يراعي أن المساحات الخضراء ليست رفاهية مؤجلة، بل عنصرا أساسيا في تكوين المدينة الحديثة، لأنها تمنح السكان أماكن للتنفس والجلوس والحركة، وتخفف من قسوة المشهد العمراني، وتضيف إلى الشوارع والأحياء ملمحا أكثر هدوءا واتزانا، كما أن وجودها بالقرب من المناطق السكنية والخدمية يمكن أن يجعلها جزءا من الحياة اليومية، لا مجرد مشاهد موسمية أو مساحات بعيدة عن احتياجات الناس.

وهنا تتضح قيمة الربط بين تخضير القاهرة ومشروعات إحياء المناطق التاريخية والتراثية، فالعاصمة التي تستعيد مساجدها وأضرحتها ومعالمها الإسلامية والخديوية، وتعمل على تطوير المناطق المحيطة بها، تحتاج في الوقت نفسه إلى مشهد عمراني يليق بهذه القيمة التاريخية، ومن الصعب أن تكتمل صورة القاهرة القديمة باعتبارها مزارا مفتوحا إذا ظلت المساحات المحيطة بها تفتقر إلى التنظيم والجمال، ولذلك فإن تحويل المساحات المخلاة إلى مسطحات خضراء يمكن أن يكون جزءا من عملية أوسع لإعادة تقديم القاهرة بصورة أكثر توازنا، تجمع بين الحفاظ على الذاكرة العمرانية وتحسين البيئة المحيطة بها، وتمنح الزائر والمواطن معا تجربة أكثر راحة وارتباطا بالمكان، وقد أشارت التغطيات إلى أن أعمال إحياء المعالم التاريخية تترافق مع تطوير المناطق المحيطة وفتح مسارات سياحية تربط بين المواقع التراثية المختلفة، وهو ما يجعل التخضير مكملا طبيعيا لهذه الرؤية.

لكن القيمة الحقيقية للمشروع ستظل مرتبطة بطريقة التنفيذ، لأن زراعة المساحات وحدها لا تكفي لصناعة بيئة حضرية ناجحة، فالمطلوب هو اختيار مناسب لأنواع الأشجار والنباتات، ومراعاة طبيعة كل منطقة واحتياجاتها، وتوفير نظم ري وصيانة تضمن استدامة المساحات الخضراء، إلى جانب تصميمها بما يسمح باستخدامها بصورة آمنة ومريحة، فالمسطح الأخضر الناجح ليس مجرد مساحة مزروعة، وإنما مساحة حية لها وظيفة واضحة داخل محيطها، ويمكن أن تصبح مكانا للجلوس أو المشي أو ممارسة الأنشطة البسيطة، أو نقطة اتصال بين الأحياء والشوارع والمناطق التاريخية، ولذلك فإن التخطيط الجيد والمتابعة المستمرة سيكونان عاملين حاسمين في تحويل التوجيه إلى نتيجة ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وأعتقد أن المشروع يفتح أيضا بابا مهما أمام تطوير مفهوم العلاقة بين الدولة والمجتمع في إدارة المساحات العامة، فالمسطحات الخضراء التي يتم إنشاؤها تحتاج إلى وعي بأهميتها، وإلى مشاركة مجتمعية تحافظ عليها، وإلى ثقافة تعتبر الأشجار والمناطق المفتوحة جزءا من الملكية العامة التي يجب صونها، لا مساحات يمكن إهدارها أو الاعتداء عليها، ومن هنا فإن تخضير القاهرة يمكن أن يصبح فرصة لتعزيز السلوك الحضاري بقدر ما هو فرصة لتحسين المشهد العمراني، لأن نجاح أي مشروع بيئي لا يتوقف على ما تنفذه الجهات المعنية، وإنما يتوقف أيضا على قدرة المجتمع على حماية ما يتم إنجازه، وتحويله إلى قيمة مستمرة للأجيال المقبلة.

وفي تقديري، فإن القاهرة تحتاج إلى هذا النوع من المشروعات التي لا تكتفي بإضافة مبانٍ جديدة، وإنما تعمل على تحسين ما بين المباني، فالمساحات المفتوحة والحدائق والأشجار والممرات المنظمة هي التي تمنح المدينة شخصيتها اليومية، وهي التي تجعل الانتقال بين الأماكن أكثر راحة، وتخفف من الإحساس بالازدحام، وتضيف إلى المناطق السكنية والتاريخية بعدا جماليا وإنسانيا، ولذلك فإن تحويل المساحات المخلاة إلى مسطحات خضراء يجب أن ينظر إليه باعتباره استثمارا في جودة الحياة، وليس مجرد بند من بنود التجميل، لأن العائد الحقيقي يظهر في تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة، في شارع أكثر هدوءا، ومنطقة أكثر نظافة، ومكان يجد فيه المواطن مساحة للراحة، ومشهد يشعر معه بأن مدينته تتغير لصالحه.

والأهم أن هذا التوجه يضع تخضير القاهرة ضمن مسار أوسع لتطوير العاصمة، مسار يجمع بين البنية الأساسية والحفاظ على التراث وتحسين البيئة والارتقاء بالمظهر الحضاري، وهو ما يعكس فهما أكثر نضجا لمعنى التنمية العمرانية، فالتنمية ليست فقط أن نبني ونوسع، وإنما أن نعيد تنظيم العلاقة بين الإنسان والمكان، وأن نمنح المدن القدرة على الاستمرار بصورة أكثر توازنا، وأن نضمن أن المشروعات الجديدة لا تضيف أعباء إلى الحياة اليومية، بل تسهم في تحسينها، ومن هنا فإن مشروع تخضير القاهرة يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو عاصمة أكثر إنسانية، إذا تحولت فكرته إلى خطة واضحة، وتوزعت أدواره بين الجهات المعنية، وارتبط التنفيذ بمعايير دقيقة للزراعة والصيانة والاستدامة.

إن توجيه الرئيس السيسي بتخضير القاهرة يحمل رسالة واضحة، مفادها أن العاصمة لا تحتاج فقط إلى مشروعات تعيد إليها قوتها العمرانية، وإنما تحتاج أيضا إلى مساحات تستعيد بها جمالها وهدوءها وقدرتها على منح سكانها حياة أفضل، وأن كل مساحة يتم إخلاؤها يمكن أن تكون فرصة لإضافة شيء نافع إلى المدينة، بدلا من أن تظل فراغا بلا وظيفة أو عبئا على محيطها، وإذا جرى تنفيذ هذه الرؤية بالصورة التي تستحقها القاهرة، فإننا قد نكون أمام تحول مهم في شكل العاصمة، تحول لا يقوم على إزالة القديم أو استبداله فقط، وإنما على إعادة توظيف المساحات بما يخدم الإنسان، ويحافظ على هوية المكان، ويمنح القاهرة وجها أكثر خضرة وجمالا، ويؤكد أن المدينة التي تحمل تاريخا بهذا الحجم تستحق أن يكون مستقبلها أكثر رحابة وراحة وجمالا.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 479 الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط