مصر تزرع أمنها.. والغذاء أصبح قضية أمن قومي

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- 173.2 مليار جنيه للاستثمارات في أنشطة الزراعة والري خلال 2026/2027

- استثمارات في الأرض والمياه والطرق والطاقة وشبكات الري والتخزين والنقل

- مشروع الدلتا الجديدة يستهدف مساحة تبلغ نحو 2.2 مليون فدان مع إمكانية زيادة المساحة إلى 2.8 مليون فدان

- وصلت المساحات المستصلحة ضمن مشروع تنمية شمال ووسط سيناء إلى نحو 516 ألف فدان

- التحدي الأكبر يتمثل في مقدار الإنتاج الذي نحصل عليه من كل فدان وحجم المياه التي نستهلكها لإنتاج كل طن من المحاصيل

- مصر تحتاج إلى أصناف من المحاصيل تحقق إنتاجية أعلى وتتحمل الحرارة والملوحة والجفاف وتستهلك كميات أقل من المياه

حين أتابع ما يجري في قطاع الزراعة المصري خلال السنوات الأخيرة، أرى أننا أمام ملف يستحق قراءة مختلفة. القضية لا تتعلق بمساحات جديدة من الأراضي أو أرقام كبيرة عن الإنتاج والاستثمارات فقط.

نحن نتحدث عن قدرة الدولة على توفير الغذاء لمواطنيها، وتقليل تعرضها لتقلبات الأسواق الخارجية، وحماية اقتصادها من أزمات أصبحت تتكرر بوتيرة سريعة.

أثبتت السنوات الأخيرة أن الغذاء يرتبط مباشرة بالأمن القومي. الحرب الروسية - الأوكرانية أثرت في تجارة القمح والحبوب والزيوت.

اضطرابات البحر الأحمر رفعت تكاليف النقل. التغيرات المناخية أثرت في إنتاج عدد من الدول.

وكل أزمة خارجية انعكست بدرجات مختلفة على الأسعار وتكاليف الاستيراد.

لهذا أرى أن زيادة الإنتاج المحلي لم تعد خيارًا اقتصاديًا فقط، بل ضرورة تفرضها الظروف الدولية.

ومن هنا أقرأ مستهدفات خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027.

تستهدف الخطة وصول قيمة الإنتاج الزراعي بالأسعار الجارية إلى نحو 5.6 تريليون جنيه، مقابل 4.96 تريليون جنيه مستهدفة في العام السابق، ثم الوصول إلى نحو 6.9 تريليون جنيه بنهاية الخطة متوسطة المدى في 2029/2030.

هذه الأرقام تعكس حجم النشاط المتوقع داخل القطاع، لكنها تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تتحول إلى محاصيل وفرص عمل وصادرات وتراجع في فاتورة استيراد بعض السلع.

وتخصص الخطة نحو 173.2 مليار جنيه للاستثمارات في أنشطة الزراعة والري خلال 2026/2027، مقابل نحو 156.3 مليار جنيه في العام السابق، بزيادة تقترب من 11%.

وهذا الرقم مهم لأن زيادة الإنتاج الزراعي تحتاج إلى استثمارات في الأرض والمياه والطرق والطاقة وشبكات الري والتخزين والنقل.

لذلك يجب أن نقيس العائد من هذه الاستثمارات بحجم الإنتاج وفرص العمل وتأثيرها في الواردات والصادرات والأسعار.

كما يظل القطاع الزراعي واحدًا من أكبر القطاعات التي توفر فرص العمل في مصر.

وتشير المستهدفات إلى وصول عدد العاملين فيه إلى نحو 7.6 مليون شخص خلال عام الخطة.

وهذا العدد يوضح حجم التأثير الاجتماعي للزراعة.

فكل زيادة في النشاط الزراعي تحرك معها أنشطة أخرى ترتبط بالنقل والتعبئة والتخزين والتجارة والتصنيع الغذائي والخدمات.

وأرى أن مشروعات استصلاح الأراضي تمثل أحد أهم مكونات هذه السياسة.

مشروع الدلتا الجديدة يستهدف مساحة تبلغ نحو 2.2 مليون فدان، مع إمكانية زيادة المساحة إلى 2.8 مليون فدان.

وتشير التقديرات إلى أن المشروع يوفر نحو 250 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

نحن هنا أمام مشروع يضيف إنتاجًا زراعيًا ويوفر وظائف ويسهم في إقامة تجمعات عمرانية وإنتاجية جديدة.

وتوشكى تقدم نموذجًا آخر لهذا التوجه.

تستهدف التوسعات استصلاح نحو 1.4 مليون فدان، مع التركيز على عدد من المحاصيل الإستراتيجية، ومنها القمح والشعير والفول.

وتستهدف خطط المشروع زيادة المساحة المزروعة بالقمح في المرحلتين الثانية والثالثة بنحو 530 ألف فدان، لتصل المساحة الإجمالية المزروعة بالقمح إلى 750 ألف فدان، بإنتاج مستهدف يبلغ نحو مليوني طن.

وهنا تظهر قيمة التوسع الزراعي بصورة مباشرة.

مصر من أكبر مستوردي القمح بسبب حجم الاستهلاك وعدد السكان.

وكل زيادة في إنتاج القمح المحلي تقلل جزءًا من الاحتياج إلى الاستيراد.

لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى إدارة متكاملة تبدأ من اختيار التقاوي ورفع إنتاجية الفدان، وتمر بتوفير المياه والأسمدة والإرشاد الزراعي، وتنتهي بالتخزين الجيد وتقليل الفاقد.

وفي سيناء، وصلت المساحات المستصلحة ضمن مشروع تنمية شمال ووسط سيناء إلى نحو 516 ألف فدان.

وتواصل الدولة تنفيذ مشروعات نقل المياه والآبار ومحطات الرفع والبنية الأساسية اللازمة لخدمة هذه الأراضي.

وأرى أن الزراعة في سيناء تحمل قيمة اقتصادية وتنموية واضحة، لأنها تربط استصلاح الأرض بإقامة مجتمعات منتجة وتوفير فرص عمل واستقرار سكاني.

وعندما تجمع هذه المشروعات، ستجد أن الخريطة الزراعية المصرية تتغير.

وصلت المساحة المنزرعة إلى نحو 10 ملايين فدان في 2024/2025، ومن المتوقع أن تبلغ 10.5 مليون فدان في 2025/2026، ثم ترتفع إلى نحو 11 مليون فدان في 2026/2027.

وتستهدف الدولة الوصول إلى نحو 13 مليون فدان بحلول 2030.

نحن نتحدث عن إضافة ملايين الأفدنة إلى القاعدة الزراعية خلال فترة زمنية محددة.

لكنني أرى أن زيادة المساحة وحدها لن تحقق الهدف.

التحدي الأكبر يتمثل في مقدار الإنتاج الذي نحصل عليه من كل فدان، وحجم المياه التي نستهلكها لإنتاج كل طن من المحاصيل.

ولهذا تستهدف الخطة زيادة إنتاجية الفدان بنسب تتراوح بين 5% و15%، بمتوسط عام يبلغ نحو 10%.

وهذا الاتجاه يجب أن يسير بالتوازي مع استصلاح الأراضي الجديدة.

وهنا يأتي دور البحث العلمي.

مصر تحتاج إلى أصناف من المحاصيل تحقق إنتاجية أعلى وتتحمل الحرارة والملوحة والجفاف وتستهلك كميات أقل من المياه.

وتستهدف الخطة رفع نسبة الاكتفاء من التقاوي المحلية إلى ما يتراوح بين 60% و65% خلال 2026/2027.

وكل تقدم في إنتاج التقاوي محليًا يمنح القطاع الزراعي قدرة أكبر على التخطيط والإنتاج وفق احتياجاته.

وأعتقد أن التكنولوجيا يجب أن تحصل على مساحة أكبر في السياسة الزراعية خلال السنوات المقبلة.

بدأت الدولة خطوات مهمة من خلال كارت الفلاح وربط الحيازات بالخريطة الرقمية وإنشاء قواعد بيانات للمساحات والمحاصيل.

والخطوة التالية يجب أن تركز على تحويل البيانات إلى قرارات تساعد المزارع والدولة في الوقت نفسه.

وهنا أرى فرصة واضحة أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

تستطيع هذه التطبيقات تحليل بيانات التربة، ومتابعة حالة المحاصيل، ورصد الأمراض الزراعية مبكرًا، وتقدير الاحتياجات المائية، والتنبؤ بالإنتاج، وتحليل بيانات الطقس، وتحديد مواعيد الزراعة والحصاد.

وإذا ساعدت هذه التقنيات على توفير المياه أو زيادة إنتاجية الفدان أو خفض نسبة الفاقد، فإنها تحقق عائدًا اقتصاديًا مباشرًا.

والأمر يحتاج إلى نقل هذه التقنيات إلى المزارع نفسه.

لا يكفي أن تمتلك وزارة أو مركز بحثي نظامًا حديثًا بينما يظل المزارع بعيدًا عنه.

نحتاج إلى خدمات رقمية بسيطة تقدم للمزارع معلومات عن الطقس والري والأمراض والأسعار ومواعيد الزراعة. ونحتاج إلى تطوير الإرشاد الزراعي حتى يستفيد من البيانات والتكنولوجيا في تقديم خدمة أسرع وأكثر دقة.

الصادرات الزراعية تقدم مؤشرًا آخر على تطور القطاع.

بلغت الصادرات الزراعية المصرية نحو 8.6 مليون طن خلال 2024، بزيادة 11.8% عن العام السابق.

وتستهدف الخطة الوصول إلى 9 ملايين طن، ثم نحو 9.5 مليون طن خلال 2026/2027.

زيادة الصادرات تعني دخول عملة أجنبية وزيادة الطلب على المنتج المصري وتشغيل المزيد من الأنشطة المرتبطة بالفرز والتعبئة والنقل.

لكنني أرى ضرورة الحفاظ على التوازن بين التصدير واحتياجات السوق المحلية.

المواطن يجب أن يحصل على احتياجاته بأسعار تتناسب مع دخله، والمزارع يحتاج في الوقت نفسه إلى سعر يضمن استمرار نشاطه وتحقيق عائد مناسب.

إدارة هذه المعادلة تحتاج إلى معلومات دقيقة عن الإنتاج والاستهلاك والمخزون وحجم الصادرات.

كما يجب أن نهتم بالتصنيع الزراعي.

القيمة الاقتصادية للطماطم أو البرتقال أو البطاطس لا تتوقف عند بيع المحصول في صورته الأولية.

التصنيع والتعبئة والتجفيف والتجميد تضيف قيمة للمنتج، وتخلق وظائف، وتقلل الفاقد، وتزيد فرص التصدير.

ولهذا أرى أن المناطق الزراعية الجديدة تحتاج إلى مصانع ومراكز تعبئة وتخزين بالقرب من مناطق الإنتاج.

ولا نستطيع الحديث عن الأمن الغذائي دون التوقف أمام الفاقد.

زيادة الإنتاج تكلف الدولة والمزارع استثمارات ومياهًا وطاقة وعملًا.

وإذا فقدنا جزءًا من المحصول أثناء الحصاد أو النقل أو التخزين، فنحن نهدر جزءًا من هذه الموارد.

لذلك يجب أن تسير مشروعات الصوامع ومراكز التجميع وسلاسل التبريد والنقل المتخصص مع خطط زيادة الإنتاج.

ويمتد الأمن الغذائي إلى الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي.

تستهدف الخطة زيادة نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء إلى نحو 63%، مع دعم المشروع القومي للبتلو وتمويل صغار المربين وشباب الخريجين.

وأرى أن دعم صغار المزارعين والمربين يمثل عنصرًا ضروريًا في هذه السياسة، لأنهم يشكلون جزءًا كبيرًا من قاعدة الإنتاج الغذائي في مصر.

ويجب أن يشعر الفلاح بنتائج خطط التنمية الزراعية في عمله ودخله.

يحتاج المزارع إلى تقاوي جيدة وأسمدة في مواعيدها وإرشاد فعال وتمويل مناسب وسوق واضحة لتصريف إنتاجه. ويحتاج أيضًا إلى معلومات دقيقة تساعده على اتخاذ القرار.

إذا حقق المزارع عائدًا مناسبًا، سيستمر في الإنتاج ويطور أرضه.

وإذا ارتفعت تكاليفه دون عائد مناسب، ستظهر مشكلات تؤثر في القطاع كله.

كما أن إدارة المياه ستحدد جانبًا كبيرًا من مستقبل الزراعة المصرية.

مصر تعمل في ظل موارد مائية محدودة، بينما ترتفع احتياجات السكان والزراعة والصناعة.

لذلك يجب أن يرتبط أي توسع أفقي بتحسين كفاءة الري.

نظم الري الحديثة، وتسوية الأراضي، واختيار المحاصيل المناسبة، وإعادة معالجة المياه، كلها أدوات تساعد على زيادة العائد من الموارد المتاحة.

وأنا لا أتعامل مع فكرة الأمن الغذائي باعتبارها دعوة إلى إنتاج كل ما نستهلكه محليًا.

هذا هدف لا يتفق دائمًا مع طبيعة الموارد والمناخ والجدوى الاقتصادية.

المطلوب هو زيادة نسبة الإنتاج المحلي في السلع التي نملك فيها فرصة حقيقية، وتقليل الفجوة في المحاصيل الإستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد للسلع التي نحتاج إلى شرائها من الخارج.

القمح والذرة والمحاصيل الزيتية والأعلاف تستحق اهتمامًا خاصًا بسبب حجم الاستيراد وتأثيرها في أسعار عدد كبير من السلع.

وكل تقدم في إنتاج هذه المحاصيل يخفف الضغط على العملة الأجنبية ويقلل تعرض السوق المحلية لتقلبات الأسعار الدولية.

وعندما أضع أمامي مستهدف إنتاج زراعي بقيمة 5.6 تريليون جنيه، واستثمارات تبلغ 173.2 مليار جنيه، ونحو 7.6 مليون عامل، وصادرات مستهدفة تصل إلى 9.5 مليون طن، أرى أمامي خطة تحتاج إلى متابعة مستمرة للنتائج.

الأرقام المستهدفة مهمة، لكن الأهم هو ما يتحقق منها على الأرض وما يشعر به المواطن في الأسواق.

المرحلة المقبلة تحتاج إلى ربط واضح بين استصلاح الأراضي ورفع الإنتاجية وتطوير الري والتصنيع الزراعي وتقليل الفاقد ودعم المزارع.

كما تحتاج إلى قياس دوري للنتائج ونشر البيانات حتى تعرف الدولة والمزارع والمستثمر أين تحقق التقدم وأين توجد المشكلات.

مصر تواجه زيادة سكانية وضغوطًا مائية وتقلبات في الأسواق الدولية.

وهذه الظروف تفرض علينا التعامل مع الزراعة كقطاع إنتاجي يرتبط مباشرة بالاقتصاد والأمن القومي.

كل طن نضيفه إلى إنتاجنا من محصول إستراتيجي يقلل جزءًا من تعرضنا للخارج.

وكل فدان ترتفع إنتاجيته يحقق عائدًا أفضل من الأرض والمياه والاستثمارات.

وأرى أن النجاح الحقيقي لن يظهر في عدد الأفدنة التي أضفناها وحده، بل في حجم ما تنتجه هذه الأفدنة، وكمية المياه التي تستهلكها، وعدد الوظائف التي توفرها، وقيمة المنتجات التي تدخل المصانع، وحجم الصادرات التي تصل إلى الأسواق الخارجية، ونسبة ما نوفره من احتياجات المواطن.

هذا هو المعيار الذي يجب أن نقيس به مسار الزراعة المصرية خلال السنوات المقبلة.

إذا نجحنا في تحويل الاستثمارات والمشروعات الجديدة إلى إنتاج مستدام، ورفعنا كفاءة الأرض والمياه، ودعمنا المزارع بالعلم والتكنولوجيا والتمويل، فسوف نخفض جزءًا من فاتورة الاستيراد ونرفع قيمة الصادرات ونوفر فرص عمل جديدة.

بالنسبة لي، هذا هو المعنى الحقيقي للأمن الغذائي. أن تمتلك مصر أكبر قدر من السيطرة على احتياجاتها الأساسية، وأن تعرف ماذا تنتج، وكيف تنتجه، وكيف تحافظ عليه حتى يصل إلى المواطن.

وفي زمن أصبحت فيه أسواق الغذاء تتأثر بالحروب والمناخ وأسعار الطاقة والنقل، فإن كل خطوة تزيد إنتاجنا المحلي تستحق أن نتعامل معها باعتبارها استثمارًا مباشرًا في أمن مصر ومستقبل أبنائها.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 479 الصادر بتاريخ 10 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط