«الجواهرجي».. كوميديا ثقيلة تفتقد البريق
- محمد هنيدي.. انتبه أنت تعود للخلف واختياراتك الأخيرة لا تليق بتاريخك
- الجمهور تغير.. والكوميديا تحتاج إلى مواكبة التطور وتغيير أدوات صناعة الضحك
- «الجواهرجي».. حالة سينمائية أفسدها الترهل وضعف السيناريو
- بعد 3 سنوات من الغياب عن السينما.. عودة هنيدي جاءت مخيبة للآمال
كنت أتمنى أن تكون عودة النجم محمد هنيدي إلى السينما بعد غياب امتد نحو ثلاث سنوات عودة تليق باسم صنع واحدة من أهم التجارب الكوميدية في تاريخ السينما المصرية، لكن للأسف جاءت العودة من خلال فيلم «الجواهرجي» مخيبة للآمال، ليس لأن الفيلم فشل في تقديم تجربة استثنائية فقط، وإنما لأنه يكشف بوضوح عن أزمة أكبر تتعلق باختيارات هنيدي في السنوات الأخيرة، وكأن النجم الذي كان يعرف جيدا كيف يصنع الضحكة ويختار الشخصية والموقف أصبح بحاجة إلى إعادة النظر في الطريقة التي يدير بها حضوره السينمائي.
ومنذ آخر أفلامه «مرعي البريمو» كان من الطبيعي أن يكون هناك قدر من الترقب لعودة محمد هنيدي، خصوصا أن الغياب الطويل نسبيا عن الشاشة الكبيرة يمنح النجم فرصة للتفكير وإعادة ترتيب الأوراق واختيار مشروع يستحق العودة، لكن «الجواهرجي» لم يستطع استثمار هذا الغياب بالشكل المطلوب، وجاء أقرب إلى محاولة للعودة بأي عمل، بدلا من أن يكون عودة حقيقية بفيلم قادر على استعادة مكانة هنيدي في المشهد الكوميدي، فالفيلم في الأساس يقوم على فكرة بسيطة تدور حول زوجين هما سيف الجواهرجي وياسمين، يمران بأزمة زوجية متكررة بعد طلاقين سابقين، ويحاولان إنقاذ زواجهما قبل الوصول إلى الطلاق الثالث، لذلك يلجآن إلى مستشار للعلاقات الزوجية، ومن هنا تتوالى مجموعة من المواقف التي يفترض أن تكشف الاختلافات بين الرجل والمرأة والمفارقات اليومية داخل الحياة الزوجية.
وللحق أن فكرة الفيلم في حد ذاتها ليست سيئة، بل ربما تكون من الأفكار التي يمكن البناء عليها بسهولة لصناعة كوميديا اجتماعية لطيفة، لأن العلاقة الزوجية المضطربة وحدها تملك من التفاصيل والمواقف ما يكفي لصناعة عشرات المشاهد الكوميدية، خصوصا عندما يكون لدينا ثنائي بحجم محمد هنيدي ومنى زكي، إلى جانب حضور اسم كبير مثل لبلبة، لكن المشكلة أن الفكرة الجيدة لا تصنع فيلما جيدا وحدها، والنجوم الكبار لا يستطيعون دائما إنقاذ سيناريو ضعيف أو معالجة مرتبكة، وهذا تحديدا ما حدث في «الجواهرجي»، فالفيلم يمتلك عناصر كان يمكن أن تمنحه فرصة حقيقية للنجاح، لكنه لم يعرف كيف يستفيد منها، والأهم أنه لم يقدم الكوميديا التي ينتظرها الجمهور من محمد هنيدي، وهنا أصل إلى المشكلة الأكبر في الفيلم، وهي أن الكوميديا نفسها ليست مضحكة بالقدر الكافي، وهذا في رأيي أمر لا يمكن تجاهله في فيلم يقوم من الأساس على الكوميديا، لأن الجمهور عندما يدخل فيلما لمحمد هنيدي لا يبحث فقط عن قصة اجتماعية أو مجموعة من المواقف، وإنما ينتظر تلك اللحظة التي يفاجئه فيها النجم بإفيه أو أداء أو موقف يجعله يضحك من قلبه، وهو الأمر الذي لم يحدث بالقدر المنتظر في «الجواهرجي».
الكوميديا في الفيلم تبدو في أوقات كثيرة ثقيلة ومصنوعة أكثر مما ينبغي، وكأن بعض المواقف جرى تصميمها بهدف انتزاع الضحكة بدلا من أن تنبع الضحكة تلقائيا من تطور الأحداث والشخصيات، ولذلك تفقد المشاهد الكوميدية تأثيرها سريعا، ويصبح المتفرج في حالة انتظار مستمر لموقف أفضل، أو إفيه أكثر ذكاء، أو مفاجأة تستطيع تغيير إيقاع الفيلم، الأزمة لا تتوقف عند حدود الكوميديا، فالقصة نفسها تعاني من حالة واضحة من الترهل، ولا تمتلك خطا دراميا قويا يستطيع حمل الفيلم حتى نهايته، إذ يبدأ العمل من منطقة العلاقات الزوجية والخلافات اليومية ومحاولة إصلاح الزواج، وهي منطقة كانت كفيلة وحدها بصناعة فيلم كامل، لكن بدلا من تطوير هذه الفكرة والتعمق في تفاصيلها، ينحرف السيناريو في مرحلة لاحقة إلى خط السرقة، وهنا تحديدا يصبح خط السرقة واحدا من أكثر عناصر الفيلم افتعالا، لأنه لا يبدو امتدادا طبيعيا لما سبق، وإنما أقرب إلى إضافة اضطر صناع العمل إلى إدخالها من أجل تحريك الأحداث والوصول إلى النهاية، ولذلك لا يشعر المشاهد بأن هذا الخط الدرامي يخدم الحكاية الأساسية أو يضيف إليها، بل على العكس يشتت الانتباه عن الفكرة الأصلية ويزيد حالة الترهل التي يعاني منها الفيلم.
كنت أفضل أن يظل «الجواهرجي» وفيا لفكرته الأولى، وأن يذهب بعيدا في عالم العلاقات الزوجية، وأن يستثمر التناقض بين سيف وياسمين لصناعة مواقف أكثر ذكاء، لأن هذه المساحة كانت قادرة على تقديم كوميديا اجتماعية حقيقية، خاصة أن محمد هنيدي ومنى زكي يمتلكان أدوات الأداء التي تسمح لهما بصناعة كيمياء كوميدية مميزة إذا كان السيناريو يمنحهما المساحة المناسبة، لكن المشكلة أن وجود هنيدي ومنى زكي ولبلبة يرفع سقف التوقعات، وعندما يكون الفيلم أقل من مستوى هذه الأسماء يصبح الأمر أكثر وضوحا، لأن المشاهد لا يستطيع أن يتعامل معه باعتباره تجربة عادية، فهو أمام أسماء كبيرة كان يفترض أن تقود إلى نتيجة أكبر بكثير من تلك التي شاهدناها، وأنا هنا لا أرى أن المشكلة في محمد هنيدي نفسه بقدر ما أراها في اختياراته خلال الفترة الأخيرة، فهنيدي يمتلك تاريخا كبيرا وجمهورا عريضا وشخصية فنية صنعت حضورا لا يمكن إنكاره، لكنه في حاجة حقيقية إلى التوقف قليلا وإعادة النظر في نوعية الأعمال التي يختارها، لأن الاستمرار في تقديم أعمال لا تضيف إلى رصيده لن يؤدي إلا إلى مزيد من التراجع.
المشكلة الحقيقية في «الجواهرجي» أن الفيلم يضعنا أمام سؤال أكبر من مجرد هل نجح العمل في إضحاك الجمهور أم لا؟ وهو سؤال يتعلق بحال الكوميديا المصرية نفسها وبقدرة نجومها على مواكبة ذائقة جمهور تغيرت كثيرا خلال السنوات الماضية، فالكوميديا لم تعد تعتمد فقط على الإفيه أو الموقف التقليدي أو المبالغة في ردود الأفعال، وإنما أصبحت تحتاج إلى فكرة أكثر ذكاء وشخصيات أكثر عمقا وإيقاع أسرع وحوار قادر على صناعة الضحكة دون افتعال، وهذا تحديدا ما كان ينقص «الجواهرجي» في مساحات كثيرة، والأمر يصبح أكثر إلحاحا عندما يكون بطل الفيلم هو محمد هنيدي، لأن الجمهور لا يقارن تجربته الحالية بأي فيلم كوميدي عادي، وإنما يقارنها بصورة النجم الذي كان في وقت من الأوقات أحد أهم صناع الضحكة في السينما المصرية، ولذلك فإن سقف التوقعات يكون مرتفعا بطبيعته، وكلما ابتعد العمل عن هذا المستوى بدت الفجوة أكبر، وربما يكون المطلوب من هنيدي في المرحلة المقبلة ألا يبحث فقط عن فيلم كوميدي يضمن له العودة، وإنما عن تجربة تعيد اكتشاف موهبته وتمنحه شخصية جديدة تليق بعمره الفني وتاريخه، فالنجاح الذي حققه في بداياته لم يكن قائما على مجرد خفة الظل، وإنما على امتلاكه شخصية فنية واضحة وقدرته على تقديم الكوميديا من خلال الموقف والشخصية والاختلاف، وهذه العناصر تحديدا هي التي تحتاج إلى استعادتها اليوم، لأن الجمهور الذي أحب هنيدي وتعلق بأعماله القديمة لا يريد بالضرورة نسخة مكررة من النجم الذي عرفه، وإنما يريد أن يرى كيف يمكن لهذه الموهبة أن تتطور مع الزمن، وكيف يستطيع الفنان صاحب التاريخ الطويل أن يقدم كوميديا معاصرة دون أن يفقد روحه الخاصة، وربما تكون هذه هي الفرصة الحقيقية أمام محمد هنيدي الآن، أن يتعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة إعادة تموضع فني وليس مجرد استمرار في تقديم الأفلام، لأن الفنان الكبير لا تقاس قيمته بعدد الأعمال التي يقدمها وإنما بقدرته على اختيار العمل الذي يضيف إلى رصيده ويعيد الجمهور إلى صالات السينما من أجله، وهنيدي تحديدا لا يزال يمتلك هذه القدرة، لكنه يحتاج إلى نص قوي وإدارة واعية لاختياراته وشجاعة أكبر في الخروج من المناطق الآمنة، وإلا فإن الفارق بين صورته الراسخة في ذاكرة الجمهور وحضوره الحالي سيظل يتسع في كل تجربة جديدة.
محمد هنيدي لا يحتاج إلى إثبات أنه نجم، فهذا أمر حسمه منذ سنوات طويلة، لكنه يحتاج الآن إلى مشروع يعيد تقديمه بصورة مختلفة أو يستعيد من خلاله الطاقة التي عرفناها عنه في بداياته، وليس مجرد فيلم جديد يحمل اسمه ويعتمد على حضوره وشعبيته، المشكلة في «الجواهرجي» أن الفيلم كان يمتلك فرصة كبيرة، فالغياب لثلاث سنوات كان يمكن أن يجعل العودة أكثر قوة، والاجتماع مع منى زكي كان يمكن أن يصنع ثنائيا كوميديا لافتا، ووجود لبلبة كان يمكن أن يضيف كثيرا إلى التجربة، لكن كل هذه العناصر لم تتحول إلى فيلم بالثقل الذي تستحقه، والأصعب من ذلك أن «الجواهرجي» يجعلني أتساءل عن المرحلة التي يمر بها محمد هنيدي حاليا، فالتراجع المستمر لا يأتي دائما من ضعف الموهبة، وإنما قد يكون سببه سوء الاختيار أو عدم وجود النص الذي يخرج أفضل ما لدى الفنان، وربما يكون هذا هو التفسير الأقرب لما يحدث مع هنيدي، لأن الموهبة لا تختفي فجأة، لكن طريقة استثمارها يمكن أن تتغير، لهذا أعتقد أن الوقت قد حان أمام محمد هنيدي لإعادة النظر في اختياراته، والبحث عن سيناريو قوي قبل البحث عن أسماء كبيرة تشاركه البطولة، وعن مخرج يستطيع أن يستثمر حضوره بشكل مختلف، وعن شخصية جديدة تخرجه من القوالب التي اعتاد الجمهور رؤيته فيها.
هنيدي الذي عرفناه في «صعيدي في الجامعة الأمريكية» و«همام في أمستردام» و«فول الصين العظيم» وغيرها من الأعمال التي صنعت اسمه، كان دائما يمتلك قدرة على تحويل أبسط المواقف إلى لحظات لا تنسى، أما اليوم فأصبح من حق جمهوره أن ينتظر منه أكثر من مجرد حضور على الشاشة، «الجواهرجي» ليس نهاية محمد هنيدي بالتأكيد، ولا يمكن لفيلم واحد أن يمحو تاريخا طويلا من النجاح، لكنه بالتأكيد جرس إنذار يستحق التوقف أمامه، لأن استمرار التراجع ليس في مصلحة نجم كبير بحجم هنيدي، والعودة الحقيقية لا تقاس بعدد السنوات التي يغيبها الفنان عن السينما، وإنما بقوة العمل الذي يختار أن يعود به.




