محمد زاهر يكتب: محمد الشرنوبي يغني بلسان المرأة.. «زي الغجر» تكسر القاعدة وتكسب الجمهور

محمد زاهر - صورة
محمد زاهر - صورة أرشيفية

- «زي الغجر» أغنية خفيفة تحولت إلى ترند وأثبتت أن ما يصل إلى الناس هو الذي يبقى

- الشرنوبي غامر خارج المألوف.. وأغنية «زي الغجر» أثبتت أن الإحساس أقوى من جنس الضمير

- الأغنيات لا تعرف المذكر والمؤنث والاحساس ينتصر على القواعد

من ألبوم "بعد الليل" انطلقت أغنية الصيف الأكثر حضوراً على منصات الاستماع ومواقع التواصل "زي الغجر" لمحمد الشرنوبي وعمرو البنا، كلمات فلبينو، وألحان محمد الشرنوبي.

ولم تشق الأغنية طريقها إلى الجمهور ببلاغة لغوية مصقولة، بل بصدق أداء كسر الحاجز الفاصل بين ما تجيزه القواعد اللغوية وما تطلبه الوجدان.

ومنذ الساعات الأولى لصدورها تكرر التعليق ذاته: "هذه كلمات بصيغة تليق بلسان مؤنث لا تليق بصوت رجل"وهي حجة قديمة سقطت هذه المرة أمام معيار واحد وحاسم هو أن الجمهور لا يفتش في دفاتر النحو، الجمهور يبحث عن إحساس يمسه.

محمد الشرنوبي

واعتبر بعض النقاد ان "زي الغجر" محملة بدلال وعتاب وخطاب مباشر يقترب من لغة المرأة إلى الرجل وكأن هناك ميثاقاً غير مكتوب يمنع الصوت الرجالي من عبور هذه المنطقة .. فهل يقاس نجاح الأغنية بجنس الضمير؟ 

الأغنية رسالة إما أن تصل أو لا تصل وقد وصلت "زي الغجر" حيث فهمها الناس كموقف ساخر خفيف، رددوها، رقصوا عليها في الأفراح، وحولوها إلى ترند وهنا اكتملت وظيفتها الفنية الترفيهية.

محمد الشرنوبي

والواقع يقول إن جرأة الكلمات قد تربك مطربة وتدفعها إلى التردد والخوف من المجازفة لذلك احتاجت أغانٍ كثيرة إلى صوت رجالي خشن يحمل تمردها بلا اعتذار ويحول "الضعف" إلى مزاح واثق.

وهنا يعود بنا التاريخ إلى مواقف مشابهة كشفت أن الحرج من الكلمات لم يكن حكراً على جيل بعينه.

من أبرزها ما حدث مع فيروز وأغنية "ضي القناديل"حيث أعجبها اللحن الذي وقعه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ووصفته بأنه "رائع ويعبر تماماً عن مضمون الكلمات" لكنها توقفت عند النص الذي كتبه زوجها عاصي الرحباني و قالت لعبد الوهاب إن بعض العبارات جريئة وإن جملة "شارع الضباب" توحي بما لا يليق بصورة الفنانة التي اختارتها لنفسها، فاعتذرت عن تقديمها مشيرة الى أن البعض قد يصف امرأة بشارع الضباب كأنها فتاة ليل.

وبعد عامين وعندما لم تفلح محاولات الإقناع عرض عبد الوهاب الأغنية على العندليب عبد الحليم حافظ الذي قدمها  في حفل عام 1964، وتحولت إلى واحدة من علامات التعاون الخالد بينه وبين عبد الوهاب .. وما رفضته "الصبية" حمتله خشونة "الولد"، فنجح.

وتاريخ الأغنية العربية يشهد على هذا التبادل فالرجل غنى بلسان المرأة، والمرأة غنت ما كتبه الرجال عن وجعها ومشاعرها ونجح الاثنان حين حضر الصدق.

فنزار قباني كتب وجع الأنثى، وقدمته ماجدة الرومي في واحدة من أروع أغنياتها "كلمات" ولم يكن النجاح بسبب الصيغة المؤنثة وحدها بل لأن النص لامس منطقة صدق صاغها شاعر رجل.

ويطرح البعض سؤالاً مشروعاً .. ألم يكن الأجدر أن تقدمها مطربة أولاً ثم يعيدها الشرنوبي لاحقاً كما حدث مع "شيء من بعيد ناداني" و"عاشقة وغلبانة"؟

فأغنية "شيء من بعيد ناداني": غنتها ليلى جمال أولاً في فيلم "النداهة" عام 1975، ثم أعادها محمد منير عام 2001 في ألبوم "أنا قلبي مساكن شعبية".

الكلمات واحدة، والإحساس المختلف منحها عمراً جديداً.

ووكذلك لحن بليغ حمدي وروح صباح صنعتا أيقونة "عاشقة وغلبانة" ومن فرط قوتها تجرأ عليها لاحقاً رجال كثيرون منهم جورج وسوف، وائل جسار، فضل شاكر، مروان خوري .. حيث لم يمنعهم الكلمات المؤنثه واحتفظوا بالروح فنجحت واستمرت.

محمد الشرنوبي

القضية إذن ليست من يغني، القضية كيف يغني.

من الظلم حبس محمد الشرنوبي في خانة "الوجه الجديد" هو محترف وامتداد لمدرسة موسيقية راسخة والده الملحن الكبير فاروق الشرنوبي، وعمه الموسيقار صلاح الشرنوبي. اسمان صاغا وجدان الموسيقى العربية لعقود.

وفي هذا البيت ترسخت قاعدة واحدة "الأغنية التي تعيش هي التي تكسر القالب".

الشرنوبي لم يختر "زي الغجر يا مه" للاستفزاز اختارها لأن اللحن يخدم الكلمة، والكلمة تخدم الحالةوالحالة خفيفة بإيقاع شرقي وروح "غجرية" متمردة، تحتاج صوتاً يحمل جرأتها دون تردد.

الأغنية ليست بياناً رسمياً ملتزماً بصيغة المذكر هي لحظة،

وضحكة، وخفة دم تشغل في السيارة، ويرقص عليها في الفرح، وتتحول إلى مادة يومية على تيك توك .. وعندها يصبح سؤال "تليق بمن؟" سؤالاً نظرياً فقد مشروعيته.

اليوم للنجاح ثلاثة معايير: الانتشار، والحفظ، والتفاعل و"زي الغجر" حققتها جميعاً.

ختاماً .. نقد الشرنوبي بحجة "الكلمات بتاعة ستات" ينتمي إلى زمن أغلق .. زمن حبس الفنان داخل صندوق .. الجمهور اليوم أكثر ذكاءً وانفتاحاً ..يريد أغنية تعيش معه، لا أغنية تشرح له قواعد اللغة.

محمد الشرنوبي قدم عملاً خفيفاً وناجحاً ومختلفاً وهو من بيت موسيقي يعرف أن العظمة تبدأ حين نجرؤ على غناء ما يريد الناس سماعه، لا ما اعتادوا عليه.

وفي النهاية، كما قال الجمهور ببساطته: "لو وصلت فقد نجحت" ..ورسالة الأغنية وصلت.

تم نسخ الرابط