«شفرة المناورة الأخيرة».. كيف تكتب مصر سلام المنطقة بدبلوماسية القوة والردع؟
- ماذا قال السيسي لصهر ترامب؟.. وماذا فعل الوزير حسن رشاد مع رجال حماس؟
لم تعد مدينة العلمين مجرد مساحة صيفية تستقبل لقاءات المسؤولين بعيدًا عن صخب العواصم، بعدما تحولت في توقيت بالغ الحساسية إلى نقطة ارتكاز في حركة مصرية أوسع لإدارة واحدة من أكثر لحظات الشرق الأوسط تعقيدًا.
ففي الوقت الذي تتشابك فيه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والفلسطينية والعربية حول مستقبل قطاع غزة، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما كان الوزير حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة، يستقبل في القاهرة وفدًا قياديًا من حركة حماس برئاسة خليل الحية.
وبين اللقاءين، تحركت القاهرة على خط دبلوماسي آخر مع سبع دول عربية وإسلامية، في محاولة لتثبيت مسار سياسي يضع وقف الحرب وإعادة الإعمار وتنفيذ خطة ترامب أمام اختبار جديد.
المشهد، بهذا المعنى، لا يبدو سلسلة من اللقاءات المنفصلة، وإنما أقرب إلى غرفة عمليات سياسية ودبلوماسية تتحرك فيها مصر على أكثر من مسار في الوقت نفسه الرئيس يفتح القناة المباشرة مع واشنطن، ورئيس المخابرات يدير الاتصالات مع حماس، والدبلوماسية المصرية تتحرك ضمن إطار عربي وإسلامي للضغط باتجاه تنفيذ الترتيبات القائمة، فيما يجري التواصل مع الوسطاء بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي.
إنها شبكة اتصالات متعددة المستويات، تكشف طبيعة الدور المصري في ملف لا يمكن التعامل معه من خلال قناة واحدة أو طرف واحد.
لقاء السيسي مع كوشنر يحمل في حد ذاته دلالة سياسية تتجاوز الشكل البروتوكولي.
فالرجل الذي نقل إلى الرئيس المصري تحيات ترامب لم يأتِ إلى القاهرة في لحظة عادية، بل في ظل محاولة دفع خطة أمريكية لإنهاء الحرب في غزة إلى مرحلة أكثر تقدمًا، وسط مخاوف من أن تؤدي الخلافات بين الأطراف إلى تعطيل ما تحقق.
ولذلك جاءت الرسائل المتبادلة بين السيسي وترامب محملة بمعنى سياسي واضح: القاهرة وواشنطن لا تتعاملان مع غزة باعتبارها أزمة إنسانية فقط، وإنما باعتبارها عقدة مركزية في أمن الشرق الأوسط ومستقبل الاستقرار الإقليمي.
السيسي، وفق ما نقلته الرئاسة، أكد محورية العلاقات الإستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وطلب نقل تحياته إلى ترامب، مع التعبير عن تقديره لمستوى التنسيق بين البلدين.
لكن الأهم أن الحديث لم يتوقف عند العلاقات الثنائية، بل انتقل مباشرة إلى التحديات الإقليمية وضرورة تسوية أزمات المنطقة والحفاظ على الاستقرار.
وهنا تظهر قيمة اللقاء؛ فمصر لا تدخل إلى النقاش من موقع الطرف الذي يبحث عن مكسب منفرد، وإنما من موقع الدولة التي تربط أمنها الوطني باستقرار الإقليم، وتتعامل مع غزة باعتبارها ملفًا تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والسياسة والحدود والاقتصاد والقضية الفلسطينية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الإشادة الأمريكية بالدور المصري، ووصف القاهرة بأنها شريك محوري لواشنطن في الشرق الأوسط. فهذه المكانة لم تأتِ من فراغ، وإنما من قدرة مصر على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع أطراف لا تتحدث عادةً مع بعضها بالدرجة نفسها من الثقة.
واشنطن تحتاج إلى القاهرة لأنها قادرة على التواصل مع الأطراف الفلسطينية، والقاهرة تحتاج إلى واشنطن لأن الولايات المتحدة تملك أدوات تأثير حاسمة على إسرائيل وعلى المسار الدولي للخطة الأمريكية.
وبين الطرفين تتشكل معادلة مصالح لا تقوم على التبعية، وإنما على إدراك متبادل بأن نجاح أي ترتيبات إقليمية كبرى يحتاج إلى الدور المصري.
وهنا تحديدًا تظهر فكرة «دبلوماسية القوة والمراوغة» بمعناها السياسي، لا باعتبارها مناورة سرية أو لعبة غامضة، وإنما باعتبارها قدرة على التحرك بين أطراف متعارضة دون خسارة أي من قنوات الاتصال.
مصر لا تختار أن تكون طرفًا في معسكر مغلق، بل تحاول أن تكون الطرف الذي يستطيع الحديث مع الجميع، وأن ينقل الرسائل، ويختبر المواقف، ويضغط حينًا، ويهدئ حينًا آخر، ويمنع في الوقت نفسه انهيار المسار الذي يجري بناؤه خطوة بعد أخرى.
وفي الجهة الأخرى من المشهد، يأتي لقاء الوزير حسن رشاد مع وفد حماس بقيادة خليل الحية ليكشف أن ما جرى في العلمين لم يكن منفصلًا عن حركة الاتصالات الأمنية والسياسية التي تجريها القاهرة.
فالاجتماع بحث استكمال مقررات قمة شرم الشيخ وخطة ترامب، بينما أعلنت الحركة تقديرها للجهود المصرية لتثبيت الاستقرار في قطاع غزة والحفاظ على مقدرات الشعب الفلسطيني، وأكدت التزامها باستكمال الخطة الأمريكية لإنهاء معاناة المواطنين والبدء في إعادة الإعمار.
وهذه النقطة بالغة الأهمية؛ لأن أي خطة لإنهاء الحرب لا يمكن أن تنتقل من الورق إلى الأرض دون التعامل مع الطرف الفلسطيني الموجود داخل غزة والقادر على التأثير في مسار الأحداث.
ولذلك فإن القاهرة لا تكتفي بنقل التصورات الأمريكية إلى حماس، ولا تكتفي بإيصال المطالب الفلسطينية إلى واشنطن، وإنما تعمل على بناء مساحة مشتركة تسمح باستمرار الاتفاق.
وهذا بالضبط أحد أهم أسباب أهمية جهاز المخابرات العامة في إدارة الملف؛ فهو يتحرك في منطقة تحتاج إلى قدر كبير من السرية والمرونة وسرعة الاتصال، حيث لا تكفي البيانات الرسمية وحدها لإنجاز التفاهمات المعقدة.
وفي الوقت نفسه، لم تترك مصر المسار الدبلوماسي الإقليمي جانبًا.
البيان الصادر عن وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات وقطر وإندونيسيا والسعودية وتركيا وباكستان يمثل ضغطًا جماعيًا باتجاه عدم السماح بانهيار الجهود المبذولة لإنهاء الحرب.
والرسالة الأساسية في البيان كانت أن رفض إسرائيل خطة ترامب يمكن أن يعرقل جهود السلام، وأن المطلوب هو استمرار الانخراط الأمريكي الفاعل لضمان تنفيذ الالتزامات والترتيبات الواردة في الخطة وخارطة الطريق التابعة لها.
وهنا تظهر براعة أخرى في الحركة المصرية: القاهرة لا تضع نفسها وحدها في مواجهة التعقيدات السياسية، وإنما تبني إطارًا إقليميًا يمكنه التحدث بصوت جماعي.
عندما تتحدث مصر وحدها، يمكن تفسير موقفها باعتباره موقف دولة لها مصالح مباشرة وحدود وأمن قومي مرتبطان بغزة.
لكن عندما يأتي الموقف في بيان مشترك يضم قوى عربية وإسلامية متعددة، فإن الرسالة تتحول إلى موقف إقليمي أوسع، يضع واشنطن أمام مسؤولية استخدام نفوذها، ويضع إسرائيل أمام حقيقة أن تعطيل المسار لا يواجه اعتراضًا مصريًا منفردًا، وإنما تحفظات إقليمية متسعة.
وفي خلفية كل ذلك، يقف الهدف الأكبر: الانتقال من وقف الحرب إلى اليوم التالي في غزة.
فوقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يمثل نهاية الأزمة وحده.
هناك أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بإعادة الإعمار، وترتيبات الأمن، وإدارة القطاع، وضمان استمرار الهدوء، ومنع العودة إلى دورة جديدة من الحرب.
ولهذا فإن الحديث عن المرحلة الثانية من خطة ترامب يمثل الاختبار الحقيقي؛ لأن الانتقال إلى هذه المرحلة يعني أن الأطراف لم تعد تناقش فقط كيفية إسكات المدافع، وإنما كيفية بناء ترتيبات قابلة للحياة بعد الحرب.
ومن هنا تكتسب تحركات كوشنر مع الوسطاء مصر وتركيا وقطر أهمية إضافية.
فلقاؤه مع الوسطاء، بحضور الممثل الأعلى لغزة نيكولاي ميلادينوف، جاء لبحث الإجراءات اللازمة لتسريع بدء المرحلة الثانية من خطة ترامب، بينما أكد الوسطاء دعمهم للجهود الأمريكية الرامية إلى إرساء الاستقرار والهدوء في القطاع، وحذروا من أي محاولات لتقويض ما تحقق في تنفيذ قرارات اتفاق شرم الشيخ.
المعنى السياسي الأوسع أن واشنطن نفسها أصبحت بحاجة إلى شبكة الوسطاء التي تقودها مصر.
فحتى إذا امتلكت الإدارة الأمريكية الرؤية السياسية والخطة، فإن تحويل هذه الرؤية إلى ترتيبات ميدانية يحتاج إلى أطراف تستطيع التواصل مع اللاعبين المحليين والإقليميين، وفهم حساسياتهم، وإدارة التفاصيل التي لا تظهر في البيانات الكبرى.
وهذه هي المنطقة التي تمتلك فيها مصر خبرة متراكمة لا يمكن تعويضها بسهولة.
ولهذا فإن لقاء كوشنر في العلمين، ولقاء حسن رشاد مع حماس، والبيان العربي الإسلامي، واجتماع الوسطاء مع كوشنر، تبدو عند جمعها في صورة واحدة كأنها أجزاء من مسار واحد: واشنطن تريد دفع خطتها، وحماس تعلن استعدادها لاستكمالها، ومصر تتحرك لضمان استمرار قنوات الاتصال، والدول العربية والإسلامية تضغط لمنع تعطيلها، بينما يبقى التحدي الأكبر متعلقًا بقدرة إسرائيل على الالتزام بالترتيبات والوصول إلى المرحلة التالية.
وفي قلب هذه المعادلة تتحرك القاهرة بأسلوب مختلف عن فكرة «الوساطة التقليدية». الوسيط التقليدي ينتظر أن يطلب منه الأطراف التدخل، ثم يحاول تقريب وجهات النظر.
أما مصر، في هذا الملف، فتبدو أقرب إلى دولة تدير شبكة كاملة من المصالح والاتصالات؛ فهي معنية مباشرة بأمن حدودها، وباستقرار غزة، وبالقضية الفلسطينية، وبالعلاقات مع الولايات المتحدة، وبالتوازنات العربية، ولذلك فإن نجاح المسار ليس بالنسبة إليها إنجازًا دبلوماسيًا فقط، بل جزءا من معادلة أمن قومي أوسع.
واللافت أن القاهرة لا تستخدم ورقة واحدة في هذه المعركة.
هناك الرئاسة والعلاقات المباشرة مع الإدارة الأمريكية، وهناك الخارجية والتحرك العربي والدولي، وهناك المخابرات العامة وقنوات الاتصال مع حماس، وهناك موقع مصر داخل منظومة الوسطاء.
تعدد الأدوات هو في حد ذاته مصدر قوة؛ لأنه يسمح للدولة بالتحرك وفق طبيعة اللحظة.
فإذا احتاج المسار إلى رسالة سياسية، حضرت الرئاسة.
وإذا احتاج إلى تفاوض هادئ، تحركت قنوات المخابرات.
وإذا احتاج إلى ضغط إقليمي، تحركت الدبلوماسية.
وإذا احتاج إلى تنسيق دولي، أصبحت القاهرة جزءًا من منظومة أوسع.
وهذه هي «دبلوماسية القوة» في صورتها الأكثر هدوءًا: ليست استعراضًا للقوة، ولا رفعًا لسقف الخطاب، وإنما امتلاك أوراق متعددة واستخدام كل ورقة في اللحظة المناسبة.
أما «المراوغة» هنا، بمعناها السياسي المشروع، فهي القدرة على المناورة بين المصالح المتناقضة دون قطع الخيوط مع أي طرف، وإبقاء الباب مفتوحًا أمام التسوية حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا.
لكن النجاح النهائي لهذا التحرك سيظل مرهونًا بما هو أبعد من قدرة مصر على الوساطة.
فالقاهرة تستطيع أن تقرب المسافات، وأن تضغط، وأن تنقل الرسائل، وأن توفر منصة للتفاوض، لكنها لا تستطيع وحدها فرض إرادة السلام على جميع الأطراف.
ولذلك تبدو المعركة المقبلة أكثر صعوبة من مجرد تثبيت وقف إطلاق النار؛ لأنها تتعلق بإقناع الأطراف بأن استمرار المسار أقل تكلفة من العودة إلى الحرب، وأن إعادة إعمار غزة ليست مشروعًا مؤجلًا، وأن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق دون ترتيبات سياسية وأمنية قابلة للاستمرار.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تحولت العلمين في هذه اللحظة إلى عنوان للمشهد.
المكان ليس هو القصة، وإنما ما جرى من خلاله ومن حوله.
رئيس مصر يستقبل أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بالرئيس الأمريكي، وفي الوقت نفسه تتحرك المخابرات العامة مع قيادة حماس، وتصدر القاهرة مع عواصم عربية وإسلامية رسالة جماعية، ثم يجتمع كوشنر مع الوسطاء لمناقشة المرحلة الثانية.
إنها حركة سياسية متزامنة، تكشف أن مصر لا تنتظر نتائج التحولات في المنطقة، بل تحاول أن تكون من بين الدول التي تصوغ اتجاهها.
وفي النهاية، فإن الرسالة الأهم من «غرفة عمليات العلمين» ليست أن مصر تمتلك حلًا سحريًا لأزمة غزة، وإنما أنها تمتلك ما هو أصعب: القدرة على إبقاء الحل ممكنًا.
في منطقة تنهار فيها التفاهمات سريعًا، تصبح المحافظة على خطوط الاتصال إنجازًا في حد ذاتها.
وفي ملف تتضارب فيه المصالح الأمريكية والإسرائيلية والفلسطينية والعربية، يصبح امتلاك القدرة على الحديث مع الجميع ورقة إستراتيجية.
لذلك لا يمكن قراءة لقاء السيسي وكوشنر بمعزل عن لقاء حسن رشاد وحماس، ولا قراءة تحرك القاهرة العربي بمعزل عن اجتماعات الوسطاء، ولا فهم خطة ترامب دون إدراك الدور الذي تلعبه مصر في محاولة تحويلها من مبادرة أمريكية إلى مسار إقليمي قابل للتنفيذ.
القاهرة تتحرك في المساحة الفاصلة بين السياسة والأمن والدبلوماسية، وتستخدم علاقاتها وأدواتها المختلفة لصناعة مساحة للحل.
وقد يكون هذا هو جوهر الدور المصري في المرحلة المقبلة: ليس أن تفرض القاهرة السلام على الآخرين، وإنما أن تمنع الحرب من ابتلاع فرص السلام، وأن تستخدم كل ما لديها من نفوذ واتصالات وخبرة لإجبار الأطراف على البقاء داخل المسار السياسي.
وبين العلمين والقاهرة وغزة وواشنطن، تبدو مصر وهي تدير معركة شديدة التعقيد بأدوات متعددة، عنوانها الأساسي أن السلام في الشرق الأوسط لا يُكتب بالبيانات وحدها، ولا بالقوة وحدها، وإنما بمزيج محسوب من الضغط والتفاوض والوساطة والقدرة على المناورة.

- تنفي
- غلق
- محمود الشويخ
- ترامب
- واشنطن
- درة
- ضبط
- الاقتصاد
- قنا
- اقتصاد
- محمود الشويخ يكتب
- خلاف
- النار
- امن
- العلاقات
- الاتفاق
- قائمة
- الدول
- استقرار
- الاتصالات
- الحدود
- فلسطين
- غزة
- المخابرات
- ملك
- النجاح
- باكستان
- حماس
- قناة
- قطر
- الاتصال
- شاب
- مبادرة
- الشرق الأوسط
- المخابرات العامة
- السيسي
- تنقل
- شبكة
- القاهرة
- عامل
- رجال
- طالب
- المرحلة
- قرار
- توفر
- اجتماع
- تنفيذ
- منع
- مصر
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- كرة
- ادا
- مقر
- اول
- وفد
- التزام
- شخص
- تصعيد
- حركة
- رئيس
- مطالب
- مدينة
- الحرب
- حملة
- مركز
- منطقة
- محور
- الوزير حسن رشاد رئيس المخابرات
- محملة
- داخل
- ارض
- مشروع
- تعلن
- شفرة المناورة الأخيرة
- دبلوماسية القوة والمراوغة
- محافظ
- نقل
- المحافظة
- خرائط المناورة الأخيرة
- مقالات محمود الشويخ
- رئيس المخابرات
- صهر ترامب
- أخبار محمود الشويخ



