الدولة تضع أفكار الشباب على طاولة المستقبل

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- من «أمل الوطن» إلى شريك في صناعة المستقبل.. المنصة الوطنية تفتح أمام الشباب المصري بابًا حقيقيًا لطرح الأفكار وتحويلها إلى مشروعات وحلول

- الثقة في الشباب تتحول من كلمات إلى مسار عمل عبر اكتشاف الأفكار المصرية الواعدة ودعمها وتحويلها من مجرد مقترحات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ

- لا يكفي أن نستمع إلى الشباب.. التمكين الحقيقي يبدأ بتحويل أفكارهم إلى واقع من خلال منصة وطنية تضمن التقييم والتمويل والمتابعة وتحمي حقوق أصحاب الابتكارات

- من شاشة الهاتف إلى أرض الواقع.. تحويل آلاف الأفكار الشبابية إلى مشروعات وحلول تدعم الاقتصاد والتنمية وتخلق فرص عمل جديدة

- المستقبل لا يُصنع في الغرف المغلقة.. أفكار الشباب أمام الدولة والبرلمان والجامعات والقطاع الخاص لفتح مسارات جديدة للمشاركة والتنمية

- رسالة جديدة إلى شباب مصر: لا تنتظروا الوصول إلى مواقع المسؤولية.. المنصة الوطنية المقترحة تمنحكم فرصة اليوم لعرض أفكاركم والمشاركة في صناعة مستقبل الوطن

لا يحتاج الشاب إلى كلمات تخبره بأنه أمل الوطن بقدر ما يحتاج إلى باب حقيقي يطرقه، وأذن جادة تستمع إليه، وفرصة عادلة تسمح لفكرته بأن ترى النور.

فالكلمات الجميلة عن الشباب كثيرة، والمؤتمرات التي تتحدث عن قدراتهم لا تتوقف، لكن الفارق الحقيقي يظهر عندما تتحول الثقة فيهم من شعار يتردد إلى مسار واضح يمنحهم حق المشاركة في صناعة مستقبل بلدهم.

لهذا توقفت باهتمام أمام التوجيهات الرئاسية بإطلاق منصة وطنية تفتح الطريق أمام الشباب لطرح أفكارهم ومبادراتهم، وتتيح لهم المشاركة الفاعلة في بناء مستقبل مصر.

وأرى أن أهمية هذه الخطوة لا تكمن في إنشاء منصة رقمية جديدة، وإنما في الفلسفة التي تقف وراءها، وهي أن الشاب المصري لم يعد مجرد متلقٍّ لقرارات الحاضر، بل أصبح شريكًا في رسم ملامح المستقبل.

الدول القوية لا تخشى أفكار شبابها، ولا تضع بينها وبينهم جدرانًا من البيروقراطية، ولا تطلب منهم الانتظار حتى يصلوا إلى مواقع المسؤولية لكي يتحدثوا.

الدولة الواثقة من نفسها تفتح النوافذ أمام الأجيال الجديدة، وتسمح لها بتقديم الحلول، والتجربة، والتعلم، وتحمل جانب من المسؤولية.

فالشباب ليسوا فئة نخصص لها بعض الفعاليات، وإنما هم القوة البشرية الأكثر قدرة على فهم لغة العصر والتعامل مع أدواته.

العالم من حولنا يشهد سباقًا على العقول الشابة، بعد أن أصبحت الثروة الحقيقية لا تقتصر على الموارد الموجودة في باطن الأرض، بل تشمل عقلًا يستطيع تحويل مشكلة يومية إلى مشروع، وفكرة صغيرة إلى شركة، وتطبيق رقمي إلى خدمة يستفيد منها الملايين.

وكثير من الشركات العالمية الكبرى بدأت بأفكار طرحها شباب لم يمتلكوا المال أو النفوذ، لكنهم وجدوا بيئة تسمح لهم بالتجربة وتتعامل مع أحلامهم بوصفها موردًا اقتصاديًا وتنمويًا.

من هنا تأتي قيمة المنصة الوطنية المقترحة، لأنها تستطيع، إذا أُحسن تصميمها وإدارتها، أن تصبح جسرًا مباشرًا بين أفكار الشباب ومؤسسات الدولة.

فنحن نمتلك آلاف الشباب الذين يحملون أفكارًا جادة في مجالات الصناعة والزراعة والتعليم والصحة والتكنولوجيا والطاقة والسياحة، لكن عددًا كبيرًا منهم لا يعرف إلى أي جهة يتوجه، أو كيف يعرض فكرته، أو من يملك القدرة على تقييمها.

وقد يكون أحد أخطر أشكال الإحباط أن يمتلك الإنسان فكرة يؤمن بأنها قادرة على حل مشكلة، ثم يكتشف أنه عاجز عن إيصالها إلى المكان الصحيح.

عندها يشعر بأن المسافة بينه وبين الدولة أكبر من قدرته على عبورها، وقد يتراجع عن المحاولة أو يبحث عن فرصة خارج وطنه.

لذلك فإن فتح قناة واضحة لاستقبال الأفكار يحمل رسالة ثقة تقول لكل شاب إن عقلك محل اهتمام، وإن الوطن لا يريدك متفرجًا، بل شريكًا في العمل.

لكنني أرى أن نجاح المنصة لن يُقاس بعدد المسجلين عليها، ولا بعدد الأفكار التي تصل إليها في الأسابيع الأولى، ولا بحجم التغطية الإعلامية المصاحبة لإطلاقها.

النجاح الحقيقي سيُقاس بعدد الأفكار التي انتقلت من شاشة الهاتف إلى أرض الواقع، وعدد المبادرات التي جرى احتضانها، والمشروعات التي حصلت على الدعم، والمشكلات التي ساهم الشباب في تقديم حلول عملية لها.

فالمنصات الرقمية لا تصنع التغيير بمجرد وجودها، وإنما بما يحدث خلفها من عمل مؤسسي.

نحن في حاجة إلى منظومة تستقبل الفكرة، وتفرزها بشفافية، وتوجهها إلى الجهة المختصة، ثم تتواصل مع صاحبها وتخبره بما وصلت إليه.

ولا يجوز أن تتحول المنصة إلى صندوق إلكتروني مغلق تتراكم داخله المقترحات بدون رد، لأن تجاهل الفكرة بعد استقبالها قد يكون أكثر إحباطًا من عدم وجود المنصة نفسها.

ومن حق صاحب الفكرة أن يتابع مسارها، وأن يعرف الجهة التي تراجعها والوقت المتوقع للرد عليها وأسباب قبولها أو رفضها.

كما يجب أن يحصل على ملاحظات تساعده على تطويرها، لأن رفض الفكرة لا يعني بالضرورة أنها سيئة، فقد تكون بحاجة إلى تعديل أو دراسة أعمق أو شريك يمتلك الخبرة اللازمة لتنفيذها.

وأعتقد أن تقييم الأفكار يجب ألا يقتصر على الموظفين أو المسؤولين، بل يشارك فيه خبراء من الجامعات ومراكز البحوث والقطاع الخاص والمجتمع المدني ورواد الأعمال.

فالفكرة المبتكرة قد تبدو غير واقعية لمن اعتاد الحلول التقليدية، بينما يراها خبير آخر فرصة تستحق التجربة. وتنوع لجان التقييم يحمي الأفكار من الأحكام السريعة، ويمنح أصحابها فرصة أكثر عدلًا.

كما يجب ألا تقتصر المنصة على شباب المدن الكبرى أو أصحاب التعليم المتميز. مصر ليست القاهرة والإسكندرية وحدهما، والإبداع لا يرتبط بعنوان السكن أو نوع الجامعة.

قد تخرج فكرة شديدة الأهمية من قرية صغيرة في الصعيد، أو من إحدى المحافظات الحدودية، أو من فتاة تواجه مشكلة يومية في مجتمعها المحلي وتعرف تفاصيلها أكثر من أي خبير بعيد عنها.

لذلك أتمنى أن تكون المنصة سهلة الاستخدام، وألا تشترط على الشاب إعداد دراسة معقدة لعرض فكرته.

يكفي في البداية أن يشرح المشكلة والحل المقترح والفئة المستفيدة، ثم يتولى المتخصصون مساعدته في تطوير الفكرة وتحويلها إلى نموذج قابل للتنفيذ.

فالهدف ليس اختبار قدرة الشباب على كتابة الأوراق الرسمية، وإنما اكتشاف الحلول الموجودة في عقولهم.

ومن الضروري تنظيم حملات تعريفية داخل الجامعات والمدارس الفنية ومراكز الشباب والقرى والمناطق الصناعية، لأن إطلاق المنصة على الإنترنت وحده لن يكون كافيًا.

كما يمكن السماح بتقديم الأفكار من خلال تسجيل صوتي أو مقطع فيديو أو رسم توضيحي، لأن بعض الشباب يمتلكون أفكارًا متميزة، لكنهم لا يجيدون صياغتها في نصوص مكتوبة.

ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن رؤية أوسع تبناها الرئيس عبد الفتاح السيسي لفتح المجال أمام الشباب وتأهيلهم للقيادة والمشاركة في العمل العام.

وقد شاهدنا خلال السنوات الماضية مؤتمرات الشباب، والبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، والأكاديمية الوطنية للتدريب، ونماذج المحاكاة، والحوار الوطني، وغيرها من المسارات التي أعادت تقديم الشباب باعتبارهم شركاء في الدولة.

والمنصة الوطنية يمكن أن تكون امتدادًا عمليًا لهذا التوجه، لأنها لن ترتبط بموعد مؤتمر أو بعدد محدود من الحضور، بل ستسمح لأي شاب، من أي محافظة، بعرض فكرته في الوقت المناسب له.

وهنا تتحول الرقمنة إلى وسيلة لتحقيق قدر أكبر من العدالة في الوصول إلى فرص المشاركة.

وأتفق مع البرلمانيين الذين وصفوا الخطوة بأنها مهمة لتمكين الأجيال الجديدة، لكن التمكين لا يعني الاستماع إلى الشباب ثم الاستمرار في العمل من دونهم.

التمكين الحقيقي يعني أن يكون لرأيهم أثر يمكن رؤيته وقياسه.

فهو ليس صورة جماعية في نهاية مؤتمر، بل مشاركة ومسؤولية وتدريبا وفرصة للوصول إلى الموارد اللازمة لتحويل الفكرة إلى مشروع.

ويمكن لمجلسي النواب والشيوخ القيام بدور مهم في متابعة نتائج المنصة ودراسة الأفكار المرتبطة بالتشريعات والسياسات العامة.

كما يستطيع القطاع الخاص دعم المشروعات القابلة للتنفيذ، وتوفير التمويل والتدريب ومساحات العمل.

وإذا نجحنا في الربط بين المنصة والجامعات والبرلمان والشركات ومصادر التمويل، فقد نفتح الباب أمام جيل جديد من رواد الأعمال وصانعي فرص العمل.

ولا بد كذلك من حماية حقوق الملكية الفكرية لأصحاب الأفكار.

فالشاب لن يقدم فكرته إذا كان يخشى أن تُنسب إلى غيره أو تُستخدم من دون موافقته.

يجب وضع قواعد معلنة لتوثيق المقترحات، وحماية بيانات أصحابها، وتحديد طرق الاستفادة منها، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي منصة وطنية.

ولا يعني ذلك أن كل فكرة سيتم تنفيذها، فبعض المقترحات قد لا يكون مناسبًا أو قابلًا للتطبيق.

لكن حتى الفكرة غير المكتملة يمكن أن تكشف عن مشكلة أو تفتح الباب أمام حل آخر. المهم أن يشعر صاحبها بأن هناك من قرأها وناقشها ورد عليه باحترام.

إن الاستثمار في أفكار الشباب ليس رفاهية، بل استثمارا مباشرا في التنمية والاستقرار.

فالشاب الذي يشعر بأن وطنه يسمعه ويفتح أمامه أبواب الأمل يصبح أكثر ارتباطًا به واستعدادًا للعمل من أجله.

أما الشعور بالتجاهل فيصنع مساحات خطيرة للإحباط والانغلاق والهجرة.

وأرى أن المنصة تمثل فرصة لبناء علاقة جديدة بين الدولة والشباب، تقوم على الثقة والمسؤولية المتبادلة.

الدولة تفتح الباب وتوفر الأدوات وتضمن الشفافية، والشباب يقدمون أفكارًا جادة ويتحملون مسؤولية المشاركة في تنفيذها.

ومن المهم نشر تقارير دورية توضح عدد الأفكار المقدمة وما جرى تنفيذه منها، حتى يرى المجتمع أثر المشاركة بوضوح.

إن وضع أفكار الشباب على طاولة الدولة يعني أن المستقبل لا يُصنع في الغرف المغلقة، ولا تحتكره مجموعة بعينها، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة.

فإذا نجحت المنصة في تحويل أفكار الشباب إلى مشروعات وسياسات وحلول، فلن نكون أمام موقع إلكتروني جديد، بل أمام مسار دائم لتجديد دماء المجتمع، ورسالة واضحة لكل شاب مصري تقول له: لا تنتظر المستقبل، فقد حان الوقت لكي تشارك في صناعته.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 476 الصادر بتاريخ 20 أغسطس 2026
تم نسخ الرابط