المشاهير تحت جحيم الحصار
- فوضى «التلصص» تطيح بالخصوصية وتحول الحياة الشخصية إلى "فرجة عامة"
- تجارة المشاهدات على حساب كرامة الشخصيات العامة.. جريمة لا يجوز السكوت عنها
- تجاوز الحدود واستباحة الحياة الخاصة.. أمر مرفوض لا يبرره ظهور النجوم في الأماكن العامة
- النجومية ليست ملكية عامة.. شهرة المشاهير لا تمنح أحدا حق استباحة حياتهم الخاصة
- اقتحام الخصوصية.. سلوك متدنٍ يستوجب التصدي له فورا
لا أعتقد أن الشهرة كانت في أي وقت مضى مجرد أضواء وكاميرات وتصفيق، فكل من اختار أن يعيش في دائرة الضوء يعرف أن جزءا من حياته سيصبح محل اهتمام الجمهور، لكن ما يحدث اليوم تجاوز كثيرا فكرة الاهتمام الطبيعي بالمشاهير، وأصبحنا أمام ظاهرة مختلفة تماما، فيها يتحول كل ظهور للنجم إلى مناسبة للتصوير، وكل لحظة شخصية إلى مادة قابلة للنشر، وكل حركة في مكان عام إلى قصة يمكن أن تنتشر خلال دقائق، حتى أصبح المشهور في بعض الأحيان يعيش وكأن حوله كاميرات لا تتوقف عن العمل، فقط لأن أحدهم استطاع أن يلتقطه بهاتفه المحمول.
والمشكلة في رأيي ليست أن الجمهور يحب المشاهير أو يرغب في رؤيتهم، فهذا جزء طبيعي من صناعة النجومية، وليست أيضا في أن يطلب شخص من فنان يحبه صورة تذكارية، فهذه لحظة جميلة يفترض أن تقوم على المودة والاحترام، لكن المقلق هو أن المسافة بين الإعجاب والمراقبة بدأت تضيق بصورة واضحة، وأصبح ظهور المشهور في مطعم أو مطار أو مركز تجاري أو على أحد الشواطئ كافيا لفتح كاميرات الهواتف نحوه، وكأن مجرد وجوده في مكان عام يعني تلقائيا أن حياته أصبحت مباحة للتوثيق والنشر والتعليق.
وللحق ففي زمن مضى كانت حياة المشاهير تصل إلى الجمهور من خلال وسائل الإعلام، وكان هناك وسيط واضح بين الطرفين، صحفي يكتب ومصور يلتقط ومجلة أو صحيفة تنشر، وكانت هناك مساحة زمنية تسمح أحيانا بمراجعة الصورة أو الخبر قبل أن يصل إلى الناس، أما اليوم فقد اختفت هذه المسافة تقريبا، وأصبح كل شخص يحمل هاتفا قادرا في لحظة واحدة على أن يكون مصورا ومحررا وناشرا، وما إن تظهر شخصية مشهورة أمامه حتى يتحول الهاتف إلى كاميرا مفتوحة، وقد تتحول الصورة خلال دقائق إلى مادة تتداولها عشرات الصفحات والحسابات.
وهنا تغيرت قواعد اللعبة بالكامل، فالمشهور لم يعد يملك وحده قرار الظهور، ولم يعد هو الذي يحدد دائما متى يراه الجمهور وكيف يراه، فقد يخرج من منزله في لحظة عادية، أو يجلس مع أسرته في مكان عام، أو يسافر لقضاء إجازة، ثم يجد صورته منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن يكون قد اختار هذه الصورة أو المناسبة أو حتى اللحظة التي ظهر فيها، والأخطر أن الصورة لا تبقى صورة، وإنما تصبح بداية لسلسلة من التكهنات والتعليقات والتحليلات التي قد تصنع من لحظة عادية قصة كاملة.
ولعل أكثر ما يلفتني في هذه الظاهرة أن التفاصيل الصغيرة أصبحت أحيانا أكثر جذبا من الأعمال نفسها، فلم يعد السؤال دائما عن الفيلم الجديد أو الأغنية أو المسلسل أو المباراة، وإنما أصبح الفضول يتجه إلى أين ذهب النجم، ومع من ظهر، وماذا ارتدى، وهل كان سعيدا أم غاضبا، وهل تغير شكله، ومن كان يجلس إلى جواره، وما المكان الذي اختاره لقضاء إجازته؟ وهي أسئلة قد تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تكشف عن تحول أعمق في علاقة الجمهور بالمشاهير، لقد أصبحت الحياة اليومية للنجم نفسها مادة جماهيرية، ولم يعد الجمهور يكتفي بالصورة التي يقدمها المشهور عن نفسه، بل يريد أن يرى ما يحدث خلف الصورة، وربما لهذا السبب تحقق الصور العفوية التي تلتقط من بعيد أحيانا انتشارا أكبر من الصور الرسمية التي يشاركها أصحابها بأنفسهم، لأن الجمهور يشعر بأنه حصل على شيء لم يكن معدا له، وكأنه دخل بالصدفة إلى غرفة مغلقة أو اقترب من حياة النجم الحقيقية، وهنا تحديدا تبدأ المشكلة، لأن الفضول الذي يمنح الجمهور شعورا بالقرب قد يكون في الوقت نفسه انتهاكا للمساحة التي لم يختر المشهور عرضها.
أحيانا أشعر بأن هناك خلطا واضحا بين معنى أن تكون شخصية عامة وبين أن تكون حياتك كلها متاحة للعامة، فالممثل شخصية عامة عندما يقدم عملا، والمغني شخصية عامة عندما يطرح أغنية، ولاعب الكرة شخصية عامة عندما يشارك في مباراة، لكن هذا لا يعني أن الشخص يفقد حقه في أن يعيش لحظة عادية بعيدا عن متطلبات المهنة، فالمشهور عندما يجلس مع أسرته أو يتناول الطعام أو يسافر أو يتجول في مكان عام لا يتحول تلقائيا إلى ملكية عامة، نعم، الشهرة لها ثمن، ومن الطبيعي أن يدرك صاحبها أنه سيكون أكثر عرضة للانتباه من غيره، لكن هناك فرقا كبيرا بين أن يعرف الناس أنك موجود وبين أن يشعروا بأن من حقهم تسجيل كل لحظة من حياتك، وهناك فارق أكبر بين أن يقترب منك شخص ليطلب صورة باحترام وبين أن يراقبك من بعيد ويصورك دون علمك ثم ينشر ما التقطه باعتباره مادة للتداول، فالأولى علاقة إنسانية طبيعية بين نجم وجمهوره، أما الثانية فهي انتقال من الإعجاب إلى المراقبة.
ربما يكون أحد أسباب انتشار هذه الظاهرة أن الجمهور لم يعد يريد الصورة الرسمية للمشاهير فقط، بل أصبح يبحث عن الصورة التي لا يتم إعدادها مسبقا، يريد أن يرى الفنان عندما لا يكون على المسرح، واللاعب عندما لا يكون في الملعب، والنجم عندما لا يكون مستعدا للكاميرا، ولذلك أصبحت اللحظة العفوية أكثر قيمة في عالم السوشيال ميديا من الصورة المصنوعة بعناية، وهذه مفارقة شديدة الدلالة، فالجمهور الذي اعتاد أن يرى النجم أمام الكاميرا أصبح يريد أن يراه خارجها، وعندما يجده خارجها يعيد إدخاله إليها من خلال كاميرا الهاتف، وكأن المشهور لم يعد يملك لحظة لا تكون قابلة للعرض، حتى تلك اللحظات التي لم يختر هو أن تكون جزءا من صورته أمام الناس، وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد صورة التقطت في مكان عام، لأننا أمام تغير في مفهوم الخصوصية نفسه.
إنني لا أرى مشكلة في حب الجمهور للمشاهير، بل أعتقد أن أجمل ما في النجومية هو هذه العلاقة التي تنشأ بين الفنان والناس، حين يشعر الجمهور بأن هناك شخصية يحبها ويتابع أعمالها ويفرح بنجاحها، لكن هذه العلاقة تفقد معناها الجميل عندما يتحول الحب إلى رغبة في امتلاك تفاصيل حياة النجم، وعندما يصبح كل ظهور فرصة لتسجيل مقطع جديد وكل حركة سببا للتعليق وكل لحظة خاصة مادة للتداول، المشكلة أيضا أن السوشيال ميديا صنعت سوقا حقيقية للفضول، فالمحتوى الذي يثير الدهشة أو الجدل أو الفضول يحقق مشاهدات أعلى، والمشاهدات أصبحت قيمة في حد ذاتها، ولذلك لم يعد بعض الناس يصورون المشهور لمجرد الاحتفاظ بصورة أو مشاركتها مع الأصدقاء، وإنما لأنهم يعرفون أن صورة لنجم معروف قد تحقق انتشارا كبيرا، وهكذا تحول الإنسان نفسه إلى محتوى، وتحولت لحظته العادية إلى فرصة لتحقيق التفاعل.
أعتقد أننا بحاجة إلى إعادة النظر في الفكرة التي تقول إن المشهور بمجرد أن اختار الشهرة فقد حقه في الخصوصية، لأن هذا المنطق يحمل قدرا كبيرا من الظلم، فالمشاهير اختاروا أن يقدموا أعمالهم للجمهور، ولم يوقعوا عقدا بالتنازل عن حياتهم بالكامل، ومن حق الفنان أن يشارك الناس ما يريد مشاركته، ومن حقه أيضا أن يحتفظ بمساحات أخرى لا يريد عرضها، وفي المقابل، لا يمكن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذه الظاهرة، فالمشاهير أنفسهم ساهم بعضهم في تغيير قواعد اللعبة عندما أصبحت حياتهم الشخصية جزءا من حضورهم على مواقع التواصل، لكن حتى هنا يجب أن نميز بين ما يختار الشخص نشره وبين ما يلتقطه الآخرون عنه دون علمه، فالمشاركة قرار، أما الاقتحام فشيء آخر تماما، ربما لا نحتاج إلى فلسفة معقدة حتى نفهم أين يجب أن تتوقف المسألة، فالسؤال البسيط الذي يمكن أن يطرحه أي شخص على نفسه قبل أن يوجه هاتفه نحو أحد المشاهير هو: هل أنا ألتقط هذه الصورة لأن صاحبها وافق على أن أكون جزءا من لحظته، أم لأنني أريد أن أمتلك لحظة من حياته دون إذنه؟ قد يبدو الفارق صغيرا، لكنه في الحقيقة فارق بين الإعجاب والاقتحام، وبين الاحتفاء بالنجم وتحويله إلى مادة للفرجة، وبين أن تكون الشهرة جسرا بين الفنان والجمهور وبين أن تتحول إلى حصار دائم.
لقد أصبحت كاميرا الهاتف اليوم أقرب إلى المشاهير من أي وقت مضى، وأصبح النجم قد يخرج من بيته فيجد نفسه تحت المراقبة، وقد يجلس في مطعم فيتحول إلى صورة، وقد يسافر فيصبح سفره خبرا، وقد يعيش لحظة عادية تماما فتتحول خلال دقائق إلى حديث الآلاف، وهذه ليست مجرد تفاصيل عابرة في عصر السوشيال ميديا، وإنما ظاهرة تكشف كيف تغيرت علاقتنا بالشهرة وبالخصوصية وبالآخرين.
والأكثر إثارة في هذه الظاهرة أن المشهور لم يعد مطالبا فقط بأن يظهر، بل أصبح مطالبا أيضا بأن يفسر غيابه، وكأن الجمهور لم يعد يكتفي بمتابعة ما يقدمه النجم، وإنما يريد أن يعرف أين كان عندما لم يظهر، ومع من قضى وقته، ولماذا اختفى، وماذا يفعل بعيدا عن الكاميرات، وهنا تتحول المسألة من مجرد متابعة إلى نوع من التواجد الدائم داخل حياة الآخر، فحتى الصمت أصبح قابلا للتأويل، والغياب أصبح مادة للتساؤل، والابتعاد عن مواقع التواصل قد يثير من التكهنات أكثر مما تثيره الصورة نفسها، وكأن المشهور فقد حقه في أن يكون بعيدا عن المشهد لبعض الوقت، وهذا في رأيي أحد أخطر آثار السوشيال ميديا، لأنها لم تعد تكتفي بأن تجعل الشخص مرئيا، وإنما جعلته مطالبا بأن يظل مرئيا باستمرار، وفي حالة المشاهير تحديدا أصبح الحضور المتواصل جزءا من توقعات الجمهور، حتى صار بعض الناس يشعرون بأن من حقهم معرفة كل جديد في حياة النجم لحظة بلحظة، وهو ما يخلق دائرة لا تنتهي، فالمشهور يظهر حتى يحافظ على حضوره، والجمهور يعتاد على هذا الظهور، ثم يطلب المزيد، وكلما زادت التفاصيل ارتفع سقف الفضول، وكلما ارتفع الفضول ضاقت المساحة الخاصة، حتى يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها المشهور مطالبا بأن يدافع عن حقه في الاختفاء، وهذه مفارقة قاسية، لأن الإنسان الطبيعي لا يحتاج إلى تبرير اختياره أن يعيش يوما عاديا بعيدا عن أعين الآخرين، فلماذا أصبح المشهور مطالبا بهذا التبرير لمجرد أنه معروف؟
ولا أعتقد أن المطلوب هو أن يتوقف الجمهور عن متابعة المشاهير أو أن تختفي الصور العفوية من الحياة العامة، فهذه الأشياء جزء من طبيعة العصر، لكن المطلوب هو أن نستعيد شيئا بسيطا اسمه الحدود، وأن نتذكر أن الشهرة لا تلغي الإنسانية، وأن وجود الشخص في مكان عام لا يعني أن كل لحظة من حياته أصبحت مشاعا للجميع، المشهور من حقه أن يعيش لحظة لا يراه فيها أحد، حتى لو كان يعرف أن الجميع يعرفه، ومن حقه أن يختار صورته أمام الناس، حتى لو كان قد اختار يوما أن يعيش تحت الأضواء، لأن الشهرة تمنح صاحبها حضورا أكبر، لكنها لا تمنح الجمهور حق امتلاك حياته، وربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه الآن، ليس فقط أين تنتهي شهرة النجم، وإنما أين يجب أن تبدأ خصوصيته، لأننا إذا لم نعرف الإجابة، فقد نكتشف بعد وقت أن كاميرا الهاتف لم تعد تلاحق المشاهير فقط، وإنما أصبحت تعيد تعريف معنى الحياة الخاصة نفسها.




