رقص على جراح الحاجزين وسرطان العقود التعسفية:

كيف تحولت "تطوير مصر" من حلم الساحل الخلاب إلى كابوس "المونت جلالة" وحفلات البذخ في رأس الحكمة؟

شركة تطوير مصر
شركة تطوير مصر

- السجادة الحمراء في رأس الحكمة.. وشوك الانتظار في العين السخنة.

- أحلام الساحل المنهوبة: كيف تحولت "تطوير مصر" من بريق "المونت جلالة" إلى رقص على جراح الحاجزين؟

- حفلات البذخ وسجادة "الفاشون الأحمر": من يغسل عار التأخير في مشاريع رأس الحكمة والعين السخنة؟

- عقود الاستعباد وسرطان الوعود الكاذبة: هل فقدت "تطوير مصر" مصداقيتها بعد 8 سنوات من الانتظار؟

- أسرى التسليم القسري: هل أصبحت أموال الملايين في "المونت جلالة" تمويلاً لحفلات الصخب بدلاً من جدران الوحدات؟ 

على بعد خطوات من مياه البحر الأحمر الساحرة، وتحت سفوح جبال العين السخنة الشامخة، وُلد مشروع "المونت جلالة" ليكون درة مشاريع شركة "تطوير مصر".

هناك، وُعد المئات من راغبي الاستثمار والباحثين عن هدوء الطبيعة بمنتجع عالمي متكامل يجمع بين رفاهية العمارة وجاذبية الموقع.

هذا البريق الخلاب دفع المشترين للتزاحم وسداد ملايين الجنيهات، واضعين ثقتهم العمياء في اسم تجاري براق.

لكن، خلف واجهات الدعاية الرنانة والبروشورات الملونة، تتكشف اليوم صورة أخرى قاتمة تضج بالشكاوى، وتفوح منها رائحة الوعود العرقوبية والتأخيرات الفادحة التي تجاوزت سنوات طويلة وصلت في بعض المراحل إلى نحو ثماني سنوات من الانتظار بلا جدران ولا إنشاءات حقيقية.

يرافق ذلك بروز عقود تعسفية ذات إرادة منفردة تُحكم الخناق على رقاب المشترين، لتضعهم بين خيارين أحلاهما علقم: إما التوقيع على شروط تهدر كامل الحقوق، أو خسارة شقاء العمر والمقدمات المدفوعة.

وفي مشهد عبثي يجسد أبشع صور انفصام الإدارة المؤسسية عن الواقع، تتهافت نفس الكيانات على حشد أضواء الشهرة واستيراد النجوم من عواصم العالم.

طالعنا مؤخراً ذلك الحدث الأسطوري الذي أقامته الشركة بالتعاون مع مجلة "فوغ" (Vogue) العالمية في قلب منطقة رأس الحكمة الساحلية.

حفلة أنفقت فيها ميزانيات فلكية وملايين الجنيهات الطائلة، وجيء فيها بأساطير الفن والمجتمع على طائرات خاصة، في مقدمتهم عارضة الأزياء العالمية "ناعومي كامبل"، فضلاً عن حضور غفير من نجوم الفن والمجتمع المحلي - من بينهم الراقصة "بدرة" - وكأن مصر بأسرها قد حطت رحالها هناك للاحتفال في مهرجان صاخب مغرق في الترف.

هذا التباين الصارخ بين بهرجة الأضواء وصخب السجاد الأحمر وبين واقع الرمال والصمت الرهيب في مشروعات التسليم المعطلة، يضعنا أمام تحقيق صحفي استقصائي يكشف خفايا أزمة تهز ثقة السوق العقاري المصري من أساساته.

"المونت جلالة".. مقبرة الأحلام وثماني سنوات من الرمال الصامتة

حين أقدم أحد المستثمرين على شراء وحدته في مشروع "المونت جلالة" منذ عام 2018، كان يمني نفسه بقضاء عطلات صيفية هادئة خلال بضع سنوات معدودة. لكن الواقع جاء صادماً وقاسياً بعد مرور نحو ثماني سنوات كاملة على تاريخ التعاقد دون وجود سوى الرمال والصمت الرهيب وغياب شبه تام لأي معدات إنشاءات حقيقية، لا سيما في مرحلة الـ (D Zone).

هذا شعور عام يغلف مجتمع الملاك؛ إذ تحول التأخير إلى نمط مأسوي متكرر أربك الخطط المالية والمعيشية لأسر بأكملها وضعت مدخراتها في أصول عقارية تحولت فجأة إلى أصول جامدة ومصدر للقلق المستمر.

ويروي ضحايا الطرح الأخير للمشروع تفاصيل تجاربهم المريرة منذ اليوم الأول، بدءاً من وعود موظفي المبيعات المعسولة بأن مدة التسليم لا تتجاوز أربعة سنوات وبدون مهلة تأخير، وصولاً إلى مفاجأة "يوم الونش" بتسكينهم في وحدات باهظة الثمن ودفع مقدمات ضخمة بنسبة خمسة بالمائة بشيكات بنكية.

لتنطلق بعدها رحلة السقوط الحقيقي في فخ الواقع التعسفي مع تحرير العقود النهائية.

عقود الاستعباد.. شروط تعسفية تذبح المشتري بقانون الإرادة المنفردة

عند كتابة العقود النهائية، اصطدم المشترون بصدمة كبرى تمثلت في عقود صيغت بإرادة منفردة من جانب الشركة وحدها، ودون أي مراجعة قانونية متوازنة.

وتضمنت هذه العقود بنوداً تعسفية صارخة تمنح الشركة الحق في التسليم خلال أربعة سنوات ونصف مضافاً إليها ثمانية عشر شهراً كمهلة سماح!

وما يزيد الطين بلة هو إقرار غرامة تأخير زهيدة لا تتجاوز واحد ونصف بالمائة سنوياً لا تعوض الضرر الحقيقي للمشتري، بينما تملك الشركة حرية التأخر بالسنة والاثنين والثلاثين دون رادع مالي حقيقي أو عقوبة رادعة.

وإلى جانب ذلك، تفرض العقود على العملاء سداد مبالغ وديعة الصيانة بالكامل فور تحرير العقد وقبل بدء تنفيذ المشروع أصلاً على أرض الواقع.

وعلى الجانب المقابل، تفرض الشركة شروطاً صارمة لا تعرف الرحمة على المشتري؛ بغرامات يومية باهظة بنسبة واحد بالمائة في حال تأخر العميل عن سداد قسط واحد ولو ليوم واحد ولسبب قهري.

فضلاً عن حرمان المشتري من أبسط حقوقه القانونية الأصيلة المتمثلة في "الدفع بعدم التنفيذ"، ومنح الشركة الحق المُطلق في فسخ العقد بإرادة منفردة ودون الحاجة للجوء للقضاء أو إنذار مسبق، لإعادة بيع الوحدة مرة أخرى مع الاستيلاء على أموال المشتري السابقة بالكامل تحت مسمى تعويضات أو شروط جزائية مجحفة، إلى جانب إجبار العملاء على التوقيع بما يفيد اطلاعهم وموافقتهم على تفاصيل التشطيب مسبقاً قبل رؤيتها على أرض الواقع.

مايسترو الخداع.. قطاع المبيعات وفخ الهروب إلى القسم القانوني

يلعب قطاع المبيعات دوراً محورياً ومضضلاً في هذه المنظومة من خلال وعود كاذبة ومواصفات ذهبية ومدة تسليم قصيرة لإقناع العملاء بدفع مقدمات الحجز.

وما إن يوقع العميل ويقع الفأس في الرأس، حتى يُقال له ببرود شديد إن دور المبيعات قد انتهى وأنه بات لزاماً عليه التعامل مع القسم القانوني للشركة.

وحين يحاول العملاء المتضررون التوجه لإدارة الشركة لتعديل هذه البنود المجحفة أو استرداد أموالهم ومقدمات الحجز، يصطدمون برفض قاطع وتعنت شديد واستخدام أساليب تخويف نفسي تدفع من يطلب إلغاء الحجز وسحب وحدته لسماع جملة مرعبة: "ضياع كافة الأموال المدفوعة".

هذا التعسف أدى إلى تزايد أعداد العملاء الذين يرفضون التوقيع على هذه العقود التعسفية من الأساس، مفضلين التنازل عن مقدماتهم مبكراً هرباً من جحيم التورط.

وتشير تقارير من داخل السوق العقاري إلى أن أعداد الوحدات المرتجعة باتت تتجاوز في بعض الفترات أعداد الوحدات المستمرة في التعاقد، نتيجة انعدام الشفافية وضياع المصداقية المهنية.

حفلات رأس الحكمة وعروض "الموضة".. الرقص على نغمات أوجاع العملاء

في خضم هذه المعاناة المستمرة، طالعنا ذلك الحدث الأسطوري الذي نظمته الشركة بالتعاون مع مجلة "بوك" (Vogue) العالمية المتخصصة في الموضة والأزياء في قلب منطقة رأس الحكمة الساحلية.

حفلة لم تقم فقط لتدشن شراكة أو تحتفل بمنتج، بل أُنفقت فيها ميزانيات فلكية صُرفت عليها ملايين الجنيهات الطائلة، وجيء فيها بأساطير الفن والمجتمع من كل حدب وصوب، وامتطت طائرات خاصة لجلب أسماء عالمية وازنة في مقدمتها عارضة الأزياء الشهيرة ناعومي كامبل، فضلاً عن حضور غفير لقطيف واسع من نجوم الفن والمجتمع المحلي - من بينهم الراقصة بدرة - وكأن مصر بأسرها قد حطت رحالها هناك للاحتفال في مهرجان صاخب استعراضي مغرق في الترف.

غير أن هذا الصخب الباذخ لم يكن سوى ستار غليظ تحاول الشركة من ورائه حجب حقيقة أشد مرارة وأكثر إيلاماً لجمهورها وعملائها الحقيقيين؛ ألا وهي أزمة تأخير التسليمات الفادحة والمستمرة التي يعاني منها هؤلاء العملاء منذ فترة طويلة.

إن هذا التباين الصارخ بين واقع الحال على أرض الواقع وبين بهرجة الأضواء يكشف عن خلل بنيوي عميق في أولويات الإدارة العليا.

فالعملاء الذين وضعوا مدخراتهم وثقتهم في هذه الشركة ينتظرون منذ شهور، وربما سنوات، وعوداً متكررة بالتسليم والوفاء بالالتزامات التعاقدية، لتأتي هذه الحفلة وتوجه صفعة قوية لوجوههم، وكأن إدارة الشركة تقول لهم ضمناً: إن رفاهية استضافة المشاهير واستعراض الفساتين والبريق الإعلامي أهم بكثير من توفير مستلزمات البناء أو الإسراع في إنهاء المشروعات المعطلة.

إن التحليل العميق لهذه الظاهرة يضعنا أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة مالية أو إدارية؛ فالشركات التي تُبنى أمجادها على أموال الموعودين بالوحدات السكنية والاستثمارية لا تملك ترف العبث بهذه الأموال في حفلات صاخبة ودعاية استعراضية فارغة المعنى والمضمون.

إن ضخ ملايين الجنيهات على عارضي الأزياء والنقاد الدوليين والفرق التنظيمية الكبرى بينما تتراكم شكاوى التأخير وتتأزم المواقف الهندسية والإنشائية، يعد استخفافاً غير مقبول بعقول السوق وبحقوق المستهلكين الأساسية، وينذر بفقدان كامل للثقة بين الكيانات الكبرى وقاعدتها الجماهيرية والاستثمارية.

وحين نتأمل تفاصيل هذا الانفصام، نجد أن ظاهرة الاعتماد المفرط على "الشو الإعلامي" باتت سلاحاً ذا حدين؛ بل إنها تحولت إلى دليل إدانة على الواقفين وراء هذه الفعاليات.

بات واضحاً أن الإنفاق البذخي يُستعمل كأداة لإلهاء الرأي العام وصرف أنظار الصحافة والمهتمين عن القصور الإداري والفني المستشري في قطاعات التسليم. إن المشروعات الكبرى في رأس الحكمة وغيرها لا تُدار بالأزياء الراقية ولا بالصور المبهرة على غلاف المجلات، بل تُدار بالالتزام بالجدول الزمني، وباحترام عقود العقارات، وبإدراك واعٍ بأن كل جنيه يُصرف على ترف الحفلات كان من الأجدر أن يوجه لدعم الموقف المالي أو إنهاء الأعمال الإنشائية المتعطلة.

إن ما يحدث في مشروع "المونت جلالة" وما يوازيه من استعراضات في رأس الحكمة ليس مجرد أزمة تأخير تجاري عابرة، بل هو نموذج متكرر لخلل هيكلي في ممارسات بعض المطورين العقاريين بالسوق المصري، حيث تُستغل رغبة المواطنين الملحة في الاستثمار وحاجة السوق للوحدات الساحلية لفرض عقود مجحفة تضرب بعرض الحائط القوانين المنظمة للعلاقة ومبدأ "العقد شريعة المتعاقدين".

إن استمرار هذه السياسات العشوائية  في إدارة الشركات الكبرى لن يقود إلا إلى هاوية فقدان المصداقية وهدم الثقة التي استُهلكت سنوات في بنائها؛ فالتاريخ الاقتصادي والإعلامي لا يرحم الكيانات التي تبيع الوهم لعملائها بينما تبذر أموالهم على السجادة الحمراء وأضواء الشهرة الزائفة.

إن ملايين رأس الحكمة التي ذهبت أدراج الرياح في حفلات الموضة والصخب لن تغسل عار التأخير، ولن تعوض العملاء عن ساعات الانتظار والقلق المستمر على مدخراتهم.

وحريّ بإدارة "تطوير مصر" ومن يقف خلفها أن يدركوا قبل فوات الأوان أن قيمة الشركات الحقيقية تقاس بمدى التزامها بوعودها وباحترامها لمن آمنوا بها، لا بعدد النجوم الذين تحشدهم في ليلة صاخبة سينطفئ بريقها سريعاً، بينما تبقى التزاماتهم المؤجلة شاهداً صارخاً على سوء الإدارة وغياب الضمير المهني.

ويستوجب هذا الوضع تدخلاً عاجلاً وحاسماً من الجهات الرقابية وجهاز حماية المستهلك ووزارة الإسكان لإعادة مراجعة كافة العقود المفروضة على عملاء المشروع وإلغاء بنودها التعسفية، وإلزام المطور العقاري بتقديم جدول زمني حقيقي ومراقب هندسياً لسرعة إنجاز المراحل المتأخرة وتحديد مواعيد تسليم قطعية لا تقبل التلاعب.

كما يتطلب الأمر إنصاف المتضررين الذين دفعوا مقدماتهم وتم التعنت معهم، لتوفير آليات عادلة تضمن حقوقهم المالية وتنقذ ثقة السوق العقاري من الانهيار الوشيك تحت أقدام عارضات الأزياء ونجوم السجادة الحمراء.

تم نسخ الرابط