الأمن الغذائي.. خط الدفاع الأول للدولة في مواجهة التحديات العالمية

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- استخدام كل الآليات المتاحة لضبط الأسواق ومنع المضاربات.

- استهداف توريد خمسة ملايين طن من القمح خلال موسم الحصاد الحالي.. وزيادة سعر التوريد إلى 2500 جنيه للأردب.

- الاعتماد على الاستيراد يحمي الاقتصاد من تقلبات أسعار الحبوب العالمية.

- منظومة الخبز المدعم تضمن أن يحصل المواطن البسيط على رغيف خبز بجودة عالية وسعر مناسب حتى في أصعب الظروف.

- «شفرة الدولة المصرية» تكمن في قدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص.

- مصر وشعبها يستحقان أن يعيشا في أمان غذائي واستقرار اقتصادي وكرامة إنسانية.

في زمن تتسارع فيه الأزمات العالمية، وتتشابك فيه خيوط الاقتصاد والسياسة والمناخ، يظل الأمن الغذائي الركيزة الأساسية التي لا يمكن لأي دولة أن تتجاهلها إن أرادت البقاء والازدهار.

واللافت للنظر أن الأمن الغذائي يحتل صدارة أولويات الدولة المصرية لأن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي باستخدام كل الآليات المتاحة لضبط الأسواق ومنع المضاربات، مع استهداف توريد خمسة ملايين طن من القمح خلال موسم الحصاد الحالي، وزيادة سعر التوريد إلى 2500 جنيه للأردب، ليست مجرد قرارات إدارية روتينية، بل هي جزء من رؤية إستراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز السيادة الوطنية على الموارد الغذائية، وحماية المواطن المصري من تقلبات الأسعار العالمية، ودعم الفلاح المصري الذي يظل حجر الزاوية في بناء الاقتصاد الوطني.

لقد أصبحت قضية الأمن الغذائي، في السنوات الأخيرة، أكثر من مجرد مطلب اقتصادي؛ إنها أصبحت قضية أمن قومي بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ.

فالعالم اليوم يشهد حروبًا وصراعات تؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد للحبوب، وتغيرات مناخية تهدد الإنتاج الزراعي، وأزمات مالية عالمية ترفع أسعار الاستيراد إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي ظل هذه التحديات، تثبت الدولة المصرية، تحت قيادة الرئيس السيسي، أنها قادرة على رسم طريقها الخاص، مستندة إلى إرادة سياسية واضحة وخطط علمية مدروسة.

فالتوجيه الرئاسي بضبط الأسواق ومنع المضاربات يعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار الأسعار ليس رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وضمان أن يصل الغذاء إلى كل بيت مصري بأسعار معقولة ومناسبة.

دعونا ننظر إلى التفاصيل التي كشف عنها التقرير، والتي تستحق التأمل والتحليل.

أعلن وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، خلال الاجتماع الذي ترأسه مؤخراً رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، أن الدولة تستهدف تحقيق نحو خمسة ملايين طن من القمح المحلي خلال الموسم الحالي. ويبدأ توريد القمح من المزارعين والموردين ، مع صرف فوري للمستحقات المالية للمزارعين.

ويأتي رفع سعر التوريد إلى 2500 جنيه للأردب ليكون حافزًا حقيقيًا يشجع على زيادة الإنتاج ويضمن عدالة في توزيع العائد بين تكلفة الإنتاج والعائد المتوقع.

هذا القرار ليس مجرد تعديل سعري؛ إنه اعتراف رسمي بأن الفلاح المصري يستحق أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء الجمهورية الجديدة، لا مجرد منتج يواجه تقلبات السوق دون دعم.

إن أهمية هذا الاستهداف تتجاوز الأرقام إلى الدلالات الإستراتيجية.

فمصر، كما نعلم جميعًا، تعتمد تاريخيًا على نهر النيل كمصدر حياة، وقد حققت فى السنوات الماضية قفزات نوعية في المساحات المزروعة بالقمح.

ووفقًا للبيانات الرسمية، بلغت المساحة المزروعة هذا العام نحو 3.7 مليون فدان، ومن المتوقع أن يصل الإنتاج المحلي الإجمالي إلى نحو 10 ملايين طن.

وهذا يعني أن الدولة تسعى إلى تغطية نحو 60% من احتياجات إنتاج الخبز المدعم (الذي يبلغ 8.5 مليون طن سنويًا) من الإنتاج المحلي.

بهذا، تقلل الفجوة الاستيرادية تدريجيًا، وتوفر العملة الصعبة التي كانت تذهب إلى استيراد القمح، لتوجيهها نحو مشروعات التنمية الأخرى كالصناعة والتعليم والصحة.

لكن الأمر لا يقف عند حدود الإنتاج وحده.

فتوجيهات الرئيس السيسي باستخدام «كل الآليات» لضبط الأسواق تشمل آليات الرقابة الإدارية والقانونية والتكنولوجية.

إن منع المضاربات ليس شعارًا، بل خطة عملية تتضمن مراقبة دقيقة لسلاسل التوزيع، وتفعيل دور الجهات الرقابية مثل وزارة التموين والتجارة الداخلية، وهيئة الرقابة الإدارية، وجهاز حماية المستهلك.

كما أن الاحتياطي الإستراتيجي من السلع الأساسية – الذي يصل إلى ستة أشهر أو أكثر لبعض السلع – يشكل مخزونًا آمنًا يحمي المواطن من أي صدمات خارجية.

هذا الاحتياطي ليس مجرد أرقام على الورق؛ إنه ضمانة حقيقية للاستقرار في ظل الأحداث الإقليمية التي تشهدها المنطقة، سواء في البحر الأحمر أو غزة أو أوكرانيا، والتي أثرت سلبًا على سلاسل الإمداد العالمية.

من منظور أوسع، يندرج هذا التوجه ضمن رؤية الرئيس السيسي الشاملة للتنمية المستدامة، التي أطلقها منذ توليه المسؤولية.

فمصر لم تكن يومًا دولة تعتمد على الاستيراد فقط؛ بل كانت دائمًا أرض الزراعة والفلاحة، منذ عصر الفراعنة وحتى اليوم.

وقد أدرك الرئيس أن تحقيق الأمن الغذائي يتطلب ثلاثة محاور مترابطة: زيادة الإنتاج، وتحسين الإدارة، وتعزيز الوعي المجتمعي.

ولهذا، جاءت المبادرات الرئاسية السابقة – مثل مشروعات استصلاح الأراضي في سيناء والوادي الجديد، وبرنامج «حياة كريمة» الذي يركز على تطوير الريف – لتكمل بعضها بعضًا.

فالفلاح اليوم لم يعد يواجه الجفاف أو نقص المياه فقط؛ بل يجد دعمًا فنيًا من خلال الإرشاد الزراعي، وبذور محسنة، وآلات حديثة، وتمويل ميسر.

وفي هذا الإطار، يبرز دور المزارعين كشركاء أساسيين.

إن رفع سعر التوريد إلى 2500 جنيه ليس مجرد رقم؛ إنه رسالة تقدير لجهد الفلاح الذي يواجه تكاليف الري والأسمدة والعمالة المتزايدة.

وقد أكد وزير الزراعة أن هذا الحافز سيؤدي إلى زيادة التوريد المحلي، مما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويحمي الاقتصاد من تقلبات أسعار الحبوب العالمية.

وهنا يجب أن نشيد بجهود الحكومة في تفعيل منظومة الخبز المدعم، التي تضمن أن يحصل المواطن البسيط على رغيف خبز بجودة عالية وسعر مناسب، حتى في أصعب الظروف.

لكن التحديات لا تزال قائمة، ويجب أن نواجهها بصراحة.

فالتغير المناخي يهدد بعض المناطق بالجفاف أو السيول، والزيادة السكانية ترفع الطلب على الغذاء، والأزمات العالمية تؤثر على أسعار المدخلات الزراعية.

لذا، فإن الرؤية الرئاسية تتطلب منا جميعًا – حكومة وشعبًا ومؤسسات – العمل الجماعي.

يجب على الإعلام أن يبرز قصص النجاح في الريف، وعلى الجامعات والمراكز البحثية أن تطور أصنافًا جديدة مقاومة للملوحة والحرارة، وعلى القطاع الخاص أن يستثمر في الصناعات الغذائية التحويلية.

إن «شفرة الدولة المصرية»، كما أشرت في كتابي «أفكار لبلادي»، تكمن في قدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص، وفي إيماننا الراسخ بأن مصر باقية رغم كل المؤامرات والصعاب.

وفي الختام، إن قرارات استهداف خمسة ملايين طن، وضبط الأسواق، ودعم الفلاح ، تمثل خطوة متقدمة على طريق تحقيق الأمن الغذائي الكامل.

إنها ليست مجرد إجراءات موسمية، بل لبنة في بناء مصر القوية، المستقلة، القادرة على مواجهة المستقبل بثقة.

وكما قال الرئيس السيسي مرارًا: «الأمن الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي».

فدعونا نعمل جميعًا، كل في موقعه، لنحول هذه الرؤية إلى واقع ملموس.

فمصر، وشعبها يستحقان، أن يعيشا في أمان غذائي واستقرار اقتصادي وكرامة إنسانية.

إنها ليست مجرد أولوية حكومية؛ إنها واجب وطني يجمعنا جميعًا تحت راية واحدة: مصر أولًا.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 459 الصادر بتاريخ  16 أبريل 2026
تم نسخ الرابط