«رئيس يجبر الجميع على احترام وطنه ».. ماذا فعل السيسي في منتدى الكبار؟
- الرئيس في قلب دوائر القرار بالعالم.. إعادة ضبط إيقاع الشرق الأوسط
- ما الذي سيحدث في القمة المرتقبة مع ترامب؟.. لقاء ترتيب أوضاع المنطقة
في عالمٍ لا تُدار فيه السياسة بالخطابات وحدها، ولا تُحسم فيه الملفات بالتصريحات العلنية، تأتي لحظات بعينها يُعاد خلالها ترتيب موازين النفوذ، وتُكتب على هامشها سطور غير مرئية من تاريخ المنطقة.
حين يظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي في منتدى دافوس، لا يكون الأمر زيارة بروتوكولية أو مشاركة شكلية في تجمع اقتصادي عالمي، بل رسالة محسوبة بدقة، مفادها أن مصر حاضرة في قلب دوائر القرار الكبرى، وأن ما يُناقش خلف الأبواب المغلقة لا يقل أهمية عما يُقال على المنصات المفتوحة.
دافوس، بالنسبة للقادة الكبار، ليس مكانًا للاستماع فقط، بل ساحة لاختبار الأفكار، وبناء التفاهمات، وإعادة ضبط البوصلة في عالم شديد الاضطراب، تتسارع فيه الأزمات وتتشابك فيه المصالح على نحو غير مسبوق.
وجود الرئيس المصري في منتدى الكبار يطرح سؤالًا مشروعًا: ماذا يفعل السيسي في هذا المحفل الذي يجمع رؤساء دول، ومديري أكبر الشركات العالمية، وصناع القرار في الاقتصاد والسياسة والأمن؟ الإجابة لا تنفصل عن طبيعة المرحلة الراهنة، التي تشهد تداخلًا عميقًا بين الاقتصاد والسياسة، وبين الأمن والتنمية، وبين الاستقرار الداخلي والشرعية الدولية.
مصر اليوم ليست مجرد دولة تبحث عن استثمارات أو شراكات اقتصادية، بل لاعبا إقليميا يسعى إلى تثبيت الاستقرار في منطقة تموج بالصراعات، ويقدم نفسه باعتباره نقطة ارتكاز لا غنى عنها لأي ترتيبات مستقبلية تخص الشرق الأوسط وشرق المتوسط وإفريقيا.
الرئيس السيسي يدرك أن الاقتصاد لم يعد ملفًا منفصلًا عن السياسة، وأن جذب الاستثمارات لا يتحقق بالأرقام فقط، بل بالثقة في استقرار الدولة وقدرتها على الصمود وسط الأزمات العالمية المتلاحقة، من تضخم وركود محتمل، إلى أزمات طاقة وغذاء.
من هنا، يصبح دافوس منصة لعرض الرواية المصرية كاملة: دولة واجهت تحديات أمنية جسيمة، وخاضت إصلاحات اقتصادية قاسية تحملها المجتمع، وتسعى اليوم إلى تثبيت مكتسباتها وتعزيز شراكاتها مع القوى الكبرى والمؤسسات الدولية.
الرسالة التي يحملها الرئيس ليست دعوة للاستثمار فحسب، بل تأكيدا على أن مصر جزء من الحل في عالم يعاني اختناقات في سلاسل الإمداد، وتوترات جيوسياسية، وحاجة متزايدة إلى شركاء موثوقين.
الذهاب إلى دافوس لا يتم فقط من أجل الجلسات العلنية أو الصور التذكارية، بل من أجل اللقاءات الجانبية التي تُعقد بعيدًا عن الكاميرات، حيث تُدار السياسة الحقيقية بلغة المصالح الصريحة.
هناك، تُناقش التفاصيل الدقيقة، وتُطرح المخاوف، وتُستكشف الفرص، وتُقاس المواقف.
في تلك الكواليس، تُبنى تفاهمات حول ملفات حساسة، بدءًا من الطاقة والتحول الأخضر، مرورًا بالاستثمار في البنية التحتية، وصولًا إلى القضايا الإقليمية الساخنة.
مصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والتاريخي، تمتلك أوراقًا تجعلها محط اهتمام كبار اللاعبين، وهو ما يمنح رئيسها مساحة أوسع للتأثير وصياغة الرسائل.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن القمة المرتقبة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أهمية خاصة، لأنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية.
فالعلاقة بين القاهرة وواشنطن لطالما كانت أحد أعمدة التوازن في المنطقة، لكنها تمر دائمًا بمراحل مد وجزر تبعًا للتحولات في السياسة الأمريكية وتبدل الأولويات.
اللقاء المنتظر لا يمكن اختزاله في كونه لقاء مجاملات أو إعادة تأكيد للعلاقات الثنائية، بل هو، في جوهره، اجتماع لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة في ظل متغيرات معقدة ومتسارعة.
الشرق الأوسط يقف اليوم على مفترق طرق، مع استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوترات في البحر الأحمر، وملف إيران الذي لم يُغلق بعد، إلى جانب أزمات ليبيا والسودان وسوريا التي تلقي بظلالها على الأمن الإقليمي.
القمة المحتملة مع ترامب تفتح الباب أمام نقاشات عميقة حول دور مصر في المرحلة المقبلة.
القاهرة تنظر إلى نفسها باعتبارها حجر زاوية في أي معادلة استقرار، وتحرص على إيصال هذه الرؤية إلى واشنطن بوضوح، خاصة في ظل إدراك متزايد بأن غياب الدولة الوطنية القوية يفتح الباب للفوضى.
من جانب آخر، يدرك ترامب، المعروف ببراجماتيته وتركيزه على النتائج، أن التعامل مع ملفات المنطقة يتطلب شريكًا قادرًا على التنفيذ على الأرض، وليس مجرد حليف يكتفي بالتصريحات.
هنا، تلتقي المصالح في مساحة مشتركة، عنوانها إعادة ضبط الإيقاع بما يخدم مصالح الطرفين ويحد من انفجار الأزمات.
الحديث عن "ترتيب أوضاع المنطقة" لا يعني بالضرورة التوصل إلى حلول سحرية وفورية، بل وضع أطر عامة لإدارة الصراعات ومنع تفاقمها، وخلق مساحات للحوار بدلًا من المواجهة المفتوحة.
مصر، التي خاضت تجربة قاسية مع الفوضى والإرهاب، تقدم نفسها كنموذج لدولة اختارت طريق الدولة الوطنية والمؤسسات، وترفض سيناريوهات التفكيك والانهيار.
هذه الرسالة تجد صدى لدى دوائر صنع القرار الأمريكية والغربية، خاصة في ظل مراجعة الكثير من السياسات التي أثبتت فشلها خلال العقد الماضي.
في دافوس، تتقاطع هذه الملفات السياسية مع البعد الاقتصادي بشكل واضح. فإعادة ترتيب المنطقة لا ينفصل عن مشاريع إعادة الإعمار، وخطط التنمية، وتأمين طرق التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
مصر، بموقعها الإستراتيجي على قناة السويس، تلعب دورًا محوريًا في هذا المشهد، خصوصًا مع التهديدات التي تواجه الملاحة الدولية.
حضور الرئيس في منتدى عالمي يُعني بالاقتصاد يتيح له الربط بين الأمن والتنمية، وإقناع الشركاء الدوليين بأن الاستثمار في الاستقرار المصري هو استثمار في استقرار المنطقة بأسرها.
اللافت أن السيسي لا يذهب إلى هذه المحافل بخطاب انفعالي أو شعاراتي، بل بلغة هادئة تعتمد على الأرقام والوقائع، وعلى سرد تجربة دولة واجهت تحديات وجودية ونجحت في الحفاظ على تماسكها.
هذا الأسلوب يعكس رؤية سياسية تسعى إلى ترسيخ صورة مصر كفاعل عقلاني، لا يغامر بمصالحه، لكنه أيضًا لا يقف على الهامش.
في عالم تسوده الاستقطابات الحادة، تصبح هذه المقاربة ميزة نسبية، تمنح القاهرة قدرة على التحرك بين الأطراف المختلفة، وبناء جسور حيث يختار آخرون حرقها.
المنتديات الكبرى مثل دافوس تمنح القادة فرصة لالتقاط نبض العالم، ومعرفة اتجاهات التفكير لدى النخب المؤثرة اقتصاديًا وسياسيًا.
بالنسبة للرئيس المصري، هذه المعرفة ليست ترفًا، بل أداة ضرورية لصياغة سياسات داخلية وخارجية أكثر واقعية، تتجنب الصدمات وتستعد للتحولات.
ما يُقال في دافوس اليوم قد يتحول إلى سياسات عالمية غدًا، ومصر حريصة على أن تكون جزءًا من هذا النقاش منذ بدايته، لا متلقية نتائجه فقط.
في النهاية، يمكن القول إن مشاركة السيسي في منتدى الكبار، والاستعداد لقمة مرتقبة مع ترامب، يعكسان إدراكًا عميقًا لطبيعة اللحظة التاريخية.
العالم يعاد تشكيله، والتحالفات تخضع للاختبار، ومن يملك القدرة على الحضور والتأثير في مراكز القرار يضمن لنفسه موقعًا أفضل في خريطة المستقبل.
مصر، عبر رئيسها، ترسل إشارة واضحة بأنها ليست مجرد ساحة تتأثر بما يجري، بل لاعب يسعى لأن يكون جزءًا من صناعة الحدث، وترتيب الأوضاع، ورسم ملامح مرحلة جديدة، عنوانها الواقعية السياسية، والشراكات المتوازنة، والسعي الدائم إلى الاستقرار في عالم لا يعرف السكون.

- الاستثمار
- صلاح
- شاب
- التنمية
- اليوم
- محمود الشويخ يكتب
- شرق المتوسط
- ترامب
- واشنطن
- قنا
- غلق
- انفجار
- محمود الشويخ
- اقتصاد
- التجارة
- ضبط
- الاقتصاد
- العالم
- غزة
- زيارة
- منع
- مشروع
- كلية
- الشرع
- قرار
- مقالات محمود الشويخ
- ملفات
- حكم
- قناة
- الشرق الأوسط
- المرحلة
- اجتماع
- رئيس
- ساحات
- داخل
- حملة
- منطقة
- محور
- استقرار
- راب
- ملك
- المصري
- تصريح
- يوم
- السيسي
- درة
- الدول
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- عامل
- السودان
- مصر
- مصر في قلب القوى العظمى
- رئيس يجبر الجميع على احترام وطنه



