صابر سالم يكتب : رؤية جديدة للسياحة في مصر
تمتلك مصر واحدة من أقدم وأغنى التجارب السياحية في العالم، لكنها اليوم تقف أمام لحظة فارقة تفرض إعادة التفكير في شكل السياحة ومضمونها وأدواتها.
فالسياحة لم تعد مجرد زيارة للآثار أو الاستمتاع بالشواطئ، بل أصبحت صناعة متكاملة تعتمد على الابتكار، والاستدامة، وتجربة السائح الشاملة.
من هنا تبرز الحاجة إلى رؤية جديدة للسياحة في مصر، رؤية تتجاوز الصورة التقليدية، وتعيد تقديم الدولة كوجهة عصرية قادرة على المنافسة عالميًا.
الرؤية الجديدة تبدأ من تنويع المنتج السياحي.
فمصر لا تملك فقط السياحة الثقافية المرتبطة بالأهرامات والمعابد، بل تمتلك أيضًا مقومات هائلة للسياحة البيئية، وسياحة المغامرات، والسياحة العلاجية، وسياحة المؤتمرات، وحتى السياحة الريفية.
الصحراء المصرية، على سبيل المثال، كنز غير مستغل بالشكل الكافي، بما تحمله من واحات طبيعية وتجارب فريدة يمكن أن تجذب نوعًا مختلفًا من السائحين الباحثين عن الهدوء والطبيعة والتجارب غير التقليدية.
كما تعتمد الرؤية الجديدة على تطوير تجربة السائح من لحظة وصوله إلى لحظة مغادرته.
فالسياحة الحديثة لم تعد تقاس بعدد الزوار فقط، بل بجودة الخدمات، وسهولة التنقل، ومستوى التنظيم، والتفاعل الثقافي الحقيقي مع المجتمع المحلي.
تحسين البنية التحتية، وتحديث وسائل النقل، وتبسيط الإجراءات، عوامل أساسية تترك انطباعًا مباشرًا لدى السائح وتؤثر على قراره بالعودة أو التوصية بالزيارة.
ولا يمكن الحديث عن رؤية جديدة دون التركيز على العنصر البشري، فالعاملون في قطاع السياحة هم الواجهة الحقيقية للدولة.
الاستثمار في تدريب الكوادر السياحية، ورفع كفاءتها، وتعزيز ثقافة الاحتراف، والاهتمام باللغات والتكنولوجيا، عناصر لا تقل أهمية عن بناء الفنادق أو تطوير المواقع الأثرية.
السائح اليوم يبحث عن تجربة إنسانية قبل أي شيء، وعن شعور بالترحيب والاحترام والفهم.
التكنولوجيا أيضًا تلعب دورًا محوريًا في هذه الرؤية. التحول الرقمي في الترويج السياحي، واستخدام المنصات الذكية، والتطبيقات التفاعلية، والجولات الافتراضية، كلها أدوات تفتح آفاقًا جديدة للتسويق، وتساعد على الوصول إلى شرائح أوسع من السائحين حول العالم.
كما أن الاعتماد على البيانات والتحليل يمكن أن يساعد في فهم اتجاهات السوق وتوقع احتياجات السائحين بشكل أدق.
ومن أهم ركائز الرؤية الجديدة مفهوم الاستدامة.
السياحة المستدامة لم تعد رفاهية، بل ضرورة للحفاظ على الموارد الطبيعية والأثرية للأجيال القادمة.
حماية الشواطئ، والحفاظ على الشعاب المرجانية، وتنظيم الزيارات للمواقع الأثرية، وتشجيع السياحة المسؤولة، كلها خطوات تعزز صورة مصر كدولة تحترم بيئتها وتاريخها.
كما تتطلب الرؤية الجديدة شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي.
نجاح السياحة لا يتحقق بالقرارات فقط، بل بالتكامل بين التخطيط الحكومي، والاستثمار الخاص، ومشاركة المواطنين في تقديم صورة إيجابية عن بلدهم.
إشراك المجتمعات المحلية في الأنشطة السياحية يخلق فرص عمل، ويعزز الشعور بالانتماء، ويجعل السياحة أداة للتنمية وليس مجرد مصدر دخل.
في النهاية، رؤية جديدة للسياحة في مصر تعني الانتقال من منطق "ما نملك" إلى منطق "كيف نقدم ما نملك".
تعني أن تُروى قصة مصر بطريقة مختلفة، تحترم تاريخها العريق، وتواكب حاضرها، وتفتح أبواب المستقبل أمامها.
فمصر قادرة، بإمكاناتها وتنوعها، على أن تكون وجهة عالمية متجددة، إذا ما أُحسن استثمار هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع ملموس.




