نار تخدم قوى متربصة بالمنطقة .. ماذا يحدث بين السعودية والإمارات في اليمن؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- لماذا قصفت المملكة سفنا عسكرية قادمة من اليمن؟.. وما سر التحركات المفاجئة؟

- هل تتدخل مصر لوقف الصراع.. وماذا يفعل السيسي في خلاف الأصدقاء؟

في كل مرة يقترب فيها اليمن من التقاط أنفاسه، تعود رياح الفتنة لتصفع وجهه المثقل بالجراح، كأن هذا البلد المنهك كُتب عليه أن يكون ساحة مفتوحة لتقاطعات المصالح والصراعات الإقليمية.

وما يجري اليوم في اليمن لا يمكن اختزاله في اشتباك عابر أو تحرك عسكري محدود، بل هو تطور خطير يهدد بتحويل الخلاف السياسي إلى فتنة شاملة، لا رابح فيها سوى الفوضى، ولا خاسر أكبر من الشعب اليمني.

التصعيد الأخير، الذي وضع السعودية والإمارات - وهما ركيزتان أساسيتان في التحالف العربي - على طرفي مشهد مرتبك، فتح الباب أمام أسئلة ثقيلة:

هل نحن أمام خلاف عابر في التكتيك أم أمام تصدع إستراتيجي أعمق؟

لماذا قصفت المملكة سفنًا عسكرية قادمة من اليمن؟

وما سر التوقيت المفاجئ للتحركات؟

وهل يمكن لمصر أن تلعب دور "العاقل" في خلاف الأصدقاء قبل أن يتحول إلى صراع مفتوح؟

أولاً: من التحالف إلى التباين ..كيف بدأ الخلاف؟

منذ انطلاق العمليات العسكرية في اليمن قبل سنوات، بدت السعودية والإمارات في خندق واحد، تحت عنوان "دعم الشرعية اليمنية ومواجهة التهديدات التي تمثلها جماعة الحوثي" غير أن وحدة الهدف لم تلبث أن بدأت في التآكل مع مرور الوقت، بعدما تباينت أولويات الطرفين واختلفت مقارباتهما لمستقبل اليمن.

السعودية، التي تنظر إلى اليمن بوصفه عمقًا إستراتيجيًا مباشرًا، ظلّ همّها الرئيسي هو أمن حدودها الجنوبية ووحدة الدولة اليمنية، انطلاقًا من قناعة بأن تفكك اليمن أو تقسيمه سيشكل خطرًا دائمًا عليها وعلى استقرار المنطقة ككل.

في المقابل، اتجهت الإمارات تدريجيًا إلى التركيز على الجنوب اليمني والموانئ الإستراتيجية، ودعم قوى محلية ترى فيها شريكًا قادرًا على فرض نفوذ ميداني سريع، حتى لو تعارض ذلك مع رؤية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أو مع حسابات الرياض.

هذا التباين ظل مكبوتًا لفترة، لكنه انفجر إلى السطح مع توسع نفوذ قوى جنوبية مسلحة، وفرضها وقائع جديدة على الأرض دون تنسيق كامل مع بقية أطراف التحالف.

ثانيًا: المجلس الانتقالي الجنوبي… عقدة الصراع

لا يمكن فهم ما يجري اليوم دون التوقف أمام الدور المتنامي للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي بات لاعبًا رئيسيًا في المشهد اليمني، ويمثل مشروعًا سياسيًا وعسكريًا يقوم على فكرة الانفصال أو الحكم الذاتي للجنوب.

التقدم الميداني للمجلس في محافظات جنوبية وشرقية، وسيطرته على مواقع 

إستراتيجية، وضع السعودية أمام معضلة حقيقية:

فمن جهة، لا تريد الرياض صدامًا مباشرًا مع حليف إقليمي بحجم الإمارات،

ومن جهة أخرى، ترى أن دعم أي مشروع تقسيمي يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي السعودي، ونسف لأي تسوية سياسية شاملة في اليمن.

هنا بدأ التوتر يتحول من خلاف سياسي إلى صراع إرادات، خاصة مع شعور الرياض بأن هناك محاولات لفرض أمر واقع جديد على الأرض، يتجاوز سقف التفاهمات السابقة داخل التحالف.

ثالثًا: لماذا قصفت السعودية سفنًا عسكرية قادمة من اليمن؟

الضربة السعودية التي استهدفت سفنًا عسكرية قادمة من اليمن شكّلت نقطة تحول حادة في مسار الأزمة، لأنها حملت رسالة سياسية بقدر ما كانت عملية عسكرية.

القراءة السعودية لهذا التحرك تقوم على عدة اعتبارات:

• أن هذه السفن كانت تحمل معدات عسكرية لقوى لا تعمل ضمن الإطار المتفق عليه داخل التحالف.

• أن وصول هذه الأسلحة كان سيعزز ميزان قوة طرف بعينه في الجنوب، على حساب الحكومة اليمنية الشرعية.

 • أن السماح بتمرير هذا الدعم يعني عمليًا القبول بتغيير خريطة النفوذ داخل اليمن دون توافق إقليمي.

الرسالة كانت واضحة:

الأمن القومي السعودي خط أحمر، وأي تحركات عسكرية غير منسقة تُعد تجاوزًا لا يمكن التغاضي عنه، حتى لو صدرت من حلفاء.

رابعًا: سر التوقيت… لماذا الآن؟

التوقيت لم يكن عشوائيًا.

فالتحركات العسكرية جاءت في لحظة شديدة الحساسية، تشهد:

• جمودًا في المسار السياسي اليمني.

• تصاعدًا في تحركات القوى المحلية جنوبًا.

• مخاوف إقليمية من أن يتحول اليمن إلى مجموعة كيانات متصارعة.

كما أن أي تأخير في الرد كان سيُفسَّر على أنه قبول ضمني بالواقع الجديد، وهو ما لا تريد السعودية أن تُسجَّل عليه سابقة قد تمتد آثارها إلى ما وراء اليمن.

خامسًا: هل نحن أمام فتنة عربية؟

أخطر ما في المشهد ليس الضربة العسكرية ذاتها، بل الخطاب المتشنج الذي رافقها، ومحاولات جرّ الخلاف إلى مستوى إعلامي وشعبي قد يفتح باب الفتنة العربية ـ العربية.

التاريخ القريب والبعيد يثبت أن الفتن لا تبدأ عادة بقرارات رسمية، بل بتراكم الشكوك، وتبادل الاتهامات، ثم الانزلاق إلى صدامات يصعب احتواؤها.

ولهذا تبدو الدعوة إلى التعقل اليوم ضرورة لا ترفًا، لأن تحويل الخلاف بين حليفين إلى صراع مفتوح لن يخدم سوى القوى التي تتربص بالمنطقة.

سادسًا: وأين مصر من كل هذا؟

وسط هذا المشهد المربك، يبرز السؤال عن دور مصر، الدولة التي ترتبط بأمن اليمن ارتباطًا مباشرًا من خلال البحر الأحمر وباب المندب، وقناة السويس.

مصر تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة:

• استقرار اليمن يعني استقرار أحد أهم شرايين التجارة العالمية.

• أي تصعيد عسكري واسع قد يهدد الملاحة الدولية ويضر بالأمن القومي المصري.

• الانقسام العربي يضعف الجميع، ويمنح أطرافًا غير عربية فرصة التمدد.

لذلك تتبنى القاهرة موقفًا قائمًا على:

• دعم وحدة اليمن وسلامة أراضيه.

• تشجيع الحلول السياسية لا العسكرية.

• السعي لاحتواء الخلاف بين السعودية والإمارات قبل أن يتحول إلى صراع يصعب إصلاحه.

الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يملك علاقات متوازنة مع الطرفين، يُنظر إليه باعتباره وسيطًا محتملاً قادرًا على لعب دور التهدئة، لا من باب التدخل، بل من باب الحفاظ على تماسك الصف العربي.

سابعًا: ماذا لو فشلت جهود الاحتواء؟

في حال استمرار التصعيد، فإن السيناريوهات المحتملة لا تبعث على التفاؤل:

• تعميق الانقسام داخل اليمن.

• إضعاف الحكومة الشرعية أكثر وأكثر.

• فتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية أوسع.

• تهديد مباشر لأمن البحر الأحمر.

وهذا ما يجعل التراجع خطوة شجاعة، لا علامة ضعف.

خاتمة: الفتنة إذا اشتعلت لا تعرف حدودًا

اليمن لا يحتمل فتنة جديدة، والمنطقة بأسرها لا تحتمل شرخًا عربيًا إضافيًا.

ما يجري اليوم اختبار حقيقي لمدى قدرة العقل السياسي العربي على تقديم الحكمة على الحسابات الضيقة.

إن" لعن الله من أيقظ الفتنة" ليس مجرد دعاء، بل تحذير تاريخي من عواقب الانزلاق إلى صراعات لا يمكن السيطرة عليها.

وإن لم تُطفأ شرارة الخلاف اليوم بالحوار والتفاهم، فقد تتحول غدًا إلى حريق يحرق الجميع بلا استثناء.

الصفحة الثالثة من العدد رقم 445 الصادر بتاريخ  1 يناير 2026
تم نسخ الرابط