"الإنسان أولًا".. حين تتحوّل القرارات إلى كرامة يومية

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- بناء دولة حديثة لا يكتمل دون مسار حقوقي متماسك.. والكرامة لا تُمنح كمنّة بل تُصان كحق.

- الدولة تقاتل الفساد لأنها تعرف أن الفساد ليس "سلوكًا إداريًا" بل سكينًا باردًا يجرح العدالة ويقضم فرص الفقراء .

- الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها بل بقدرتها على حماية مواطنيها وقت الخطر.

- لا أتعامل مع القرارات الرئاسية وكأنها "بيانات سياسية" تُقرأ ثم تُنسى.. أنا أتعامل معها كخريطة طريق وكعلامات على اتجاه دولة تُدرك أن بناء الإنسان ليس شعارًا.

- الفارق الحقيقي هو التنفيذ والرقابة وقياس الأثر ومحاسبة التقصير وإشراك المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والتعليمية في تحويل هذه القرارات إلى واقع.

كنتُ وما زلتُ على قناعة تامة بأن الحديث عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يظل حبيس الشعارات ولا أسير المؤتمرات، ولا حتى رهين لغة التقارير الجافة التي تُكتب أحيانًا وكأنها تُخاطب الأرقام لا البشر.

حقوق الإنسان معناها الحقيقي يتجسّد في لحظة بسيطة: طفل لا يتعرض للعنف داخل بيتٍ أو مدرسة، شاب يجد فرصة عمل عادلة لأنه امتلك مهارة، مريض يحصل على دواء ولقاح دون قلق، مواطن يرى أن الدولة تقاتل الفساد لأنها تعرف أن الفساد ليس "سلوكًا إداريًا" بل سكينًا باردًا يجرح العدالة ويقضم فرص الفقراء قبل غيرهم.

توقفتُ طويلًا أمام ما ورد في التقرير السنوي الثامن عشر للمجلس القومي لحقوق الإنسان، ليس لأن التقارير في حد ذاتها تُدهشني، بل لأن السياق الذي يصدر فيه التقرير شديد الاضطراب عالميًا وإقليميًا: أزمات اقتصادية متلاحقة، تحولات سياسية، ضغوط اجتماعية، وارتباك في منظومة القيم حتى داخل أكثر الدول استقرارًا.

في مثل هذا المشهد، يصبح سؤال "كيف نحمي الإنسان؟" سؤالًا وجوديًا لا تنظيريًا.

واللافت للنظر أن التقرير رصد خمسة قرارات رئاسية ذات صلة مباشرة بدعم وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان، وهي قرارات تحمل في جوهرها رسالة واضحة: أن بناء دولة حديثة لا يكتمل دون مسار حقوقي متماسك، وأن الكرامة لا تُمنح كمنّة بل تُصان كحق.

أول ما جذب انتباهي هو القرار المتعلق بالانضمام إلى اتفاقية مكة المكرمة للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي للتعاون في مجال إنفاذ قوانين مكافحة الفساد.

البعض قد يسأل: وما علاقة مكافحة الفساد بحقوق الإنسان؟ وأنا أرى أن العلاقة هنا ليست علاقة "موضوعية" بل علاقة مصيرية.

لأن الفساد، في تقديري الشخصي، هو العدو الخفي لحقوق الإنسان؛ العدو الذي لا يظهر في صورة جلاد، لكنه يعمل كالنمل الأبيض داخل مؤسسات الدولة: يُضعف الخدمة العامة، يُشوّه تكافؤ الفرص، يخلق امتيازات غير عادلة، ويحوّل القانون إلى نصٍ قابل للشراء.

حين تُحارب دولة الفساد فعليًا، فهي تُحارب انعدام المساواة، وتفتح الباب أمام العدالة الاقتصادية والاجتماعية، وتُعيد الاعتبار لفكرة أن المال العام هو حق الناس جميعًا، وليس غنيمة تُستباح.

القرار هنا لا يضيف توقيعًا إلى أرشيف الاتفاقيات فقط، بل يرسل إشارات سياسية وقانونية بأن مصر تريد أن تعزّز بيئة الشفافية وتحصّن المؤسسات ضد الاستغلال.

وهذه نقطة محورية لأن جزءًا كبيرًا من استحقاقات حقوق الإنسان يرتبط مباشرة بمدى نزاهة المنظومة العامة: من تعيينات الوظائف، إلى توزيع الدعم، إلى جودة التعليم والصحة، إلى العدالة في تنفيذ المشروعات.

عندما يتراجع الفساد، تتقدم الحقوق تلقائيًا، حتى لو لم نرفع شعارًا واحدًا.

ثم يأتي قرار آخر لا يقل أهمية: الاتفاق التنفيذي بين مصر وإيطاليا لتنفيذ برنامج "تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مصر وإدماجهم في المجتمع".

وهنا تحديدًا أشعر بأن عبارة "الإنسان أولًا" ليست مجرد عبارة جذابة، بل ضرورة أخلاقية ووطنية؛ لأن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كانت طويلًا تُعالج بمنطق الرعاية فقط، بينما المنطق الحديث يتعامل معها بمنطق الحقوق والتمكين والمواطنة الكاملة.

وأنا أؤمن بأن إدماج ذوي الإعاقة ليس اختبارًا لرفاهية الدولة، بل اختبارا لعدالتها.

الدولة التي تُصمّم مؤسساتها وخدماتها ومناهجها وخطابها الإعلامي بحيث لا تُقصي أحدًا، هي دولة تحترم نفسها قبل أن تحترم مواطنيها.

ما يعجبني في روح هذا الاتفاق أنه لا يكتفي بالنصوص، بل يتحدث عن تحويل الالتزامات إلى سياسات تنفيذية، وعن تغيير الصورة النمطية عبر حملات إعلامية، وتدريب للصحفيين، ومنتديات تعزّز ثقافة الشمول.

هذه التفاصيل ليست ترفًا؛ الإعلام يصنع الوعي، والوعي يصنع السلوك، والسلوك يصنع المناخ الذي يشعر فيه الإنسان المختلف بأنه لا يحتاج أن "يبرر وجوده" في المجتمع. عندما يتغير الخطاب، تتغير الحياة.

ومن زاوية أخرى، أرى أن الاتفاقات والتمويلات المرتبطة بالصحة والتعليم والعمل ليست ملفات قطاعية منفصلة عن حقوق الإنسان، بل هي "قلب" حقوق الإنسان نفسه.

لذلك توقفتُ أمام الاتفاق التمويلي بين مصر والاتحاد الأوروبي بقيمة ثلاثة ملايين يورو ضمن مبادرة التصنيع الإقليمي للقاحات والمستحضرات الطبية، بهدف دعم القدرات الوطنية في تصنيع اللقاحات والأدوية وتعزيز التقنيات الصحية الحديثة.

الصحة ليست خدمة تُقدّم فقط لمن يستطيع الدفع؛ الصحة حق، والأمن الصحي هو أحد أعمدة كرامة الإنسان.

جائحة واحدة كانت كفيلة بأن تكشف للعالم كله أن الدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وقت الخطر.

فكرة توطين صناعة اللقاحات والمستحضرات الحيوية ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي خطوة تتصل بحق الحياة وحق العلاج، وتتصل أيضًا بالاستقلال الوطني في ملف شديد الحساسية.

عندما تمتلك الدولة القدرة على إنتاج جزء معتبر من احتياجاتها الصحية، فهي تحمي المواطن من تقلبات السوق العالمية، ومن أزمات الإمداد، ومن ابتزاز اللحظة الطارئة.

كما أن تطوير المنظومة الصحية بمنهجية تشمل التنظيم والرقمنة وبناء الكوادر البشرية يعكس فهمًا معاصرًا لمعنى الحق في الصحة: ليس سريرًا في مستشفى فقط، بل منظومة متكاملة تُدار بعقل حديث.

وبقدر ما يهمني ملف الصحة، يهمني ملف الشباب والعمل؛ لأن الشاب الذي لا يجد فرصة عادلة يتحول إلى كتلة من الإحباط، والإحباط ليس حالة نفسية فقط بل تهديدا اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

لذلك أرى أن منحة الـ25 مليون يورو لدعم التوظيف وتنمية المهارات، مع التركيز على التعليم الفني والتدريب المهني، خطوة شديدة الأهمية في سياق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

لسنوات طويلة، ظل التعليم الفني في منطقتنا محاصرًا بنظرة دونية، كأنه "اختيار اضطراري"، بينما العالم كله يتجه إلى تعظيم قيمة المهارة وربط التعليم بسوق العمل.

وكنتُ أتعجب دائمًا: كيف نطلب من شبابنا أن ينافسوا عالميًا ونحن لا نمنحهم الأدوات التي تجعل المنافسة ممكنة؟

الحديث عن إصلاحات هيكلية ومناهج حديثة والتحول الرقمي والاقتصاد الأخضر ليس تفاصيل تقنية، بل هو بوابة لحقوق أوسع: حق الشاب في مستقبل، حقه في عمل لائق، حقه في أن يشعر بأن الجهد الذي يبذله سيقوده إلى حياة كريمة.

كما أن تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ودعم مراكز التأهيل وضمان الجودة والتمويل المستدام كلها تعني أن الدولة تحاول الانتقال من حل مؤقت إلى مسار طويل النفس.

وأنا هنا لا أتغافل عن التحديات؛ التنفيذ دائمًا أصعب من التوقيع، والنتائج تحتاج وقتًا، لكن الاتجاه نفسه مهم: أن يكون التعليم الفني "اختيارًا محترمًا" لا "ملاذًا أخيرًا".

أما القرار الخاص ببرنامج دعم الاتحاد الأوروبي لمساندة الأجيال القادمة وحماية الأطفال من العنف والإهمال، فهو في نظري من أكثر القرارات التي تمس جوهر حقوق الإنسان، لأن الطفل هو المعيار الأكثر حساسية لمدى تحضّر المجتمع.

لا شيء يكشف أخلاق الأمة مثل طريقة تعاملها مع أطفالها.

والطفل لا يملك أدوات الدفاع ولا سلطة الشكوى ولا قدرة الهروب، لذلك أي عنف أو إهمال يقع عليه يترك أثرًا طويلًا، وقد يصنع إنسانًا مكسورًا أو غاضبًا أو فاقدًا الثقة في العالم.

فكرة بناء نظام وطني لإدارة حالات حماية الطفل، وتقديم خدمات متكاملة تراعي النوع الاجتماعي وتستجيب لاحتياجات الفئات الأكثر هشاشة، ليست فقط استجابة لالتزامات دولية مثل اتفاقية حقوق الطفل والميثاق الإفريقي، بل هي التزام أخلاقي قبل أن يكون دستوريًا.

واللافت هنا الحديث عن خفض نسبة تعرض الأطفال للعنف بنسبة تُقدّر بـ6% بما يعادل نحو 2.5 مليون طفل تقريبًا.

رقم كهذا ليس رقمًا عابرًا؛ هذا يعني ملايين القصص التي قد تتغير، ملايين البيوت التي قد تتعلم كيف تحمي بدلا من أن تؤذي، ملايين المدارس التي قد تتحول إلى مكان آمن بدلا من أن تكون ساحة ضغط.

وأنا أكتب هذه السطور، لا أتعامل مع القرارات الرئاسية وكأنها "بيانات سياسية" تُقرأ ثم تُنسى.

أنا أتعامل معها كخريطة طريق، وكعلامات على اتجاه دولة تُدرك أن بناء الإنسان ليس شعارًا، وأن "الإنسان أولًا" لا تُقال في المناسبات ثم تختفي.

لكن في الوقت نفسه، أقول بوضوح: القرارات وحدها لا تكفي.

لا يكفي أن ننضم إلى اتفاقية، أو نوقع تمويلًا، أو نطلق برنامجًا.

الذي يصنع الفارق الحقيقي هو التنفيذ، والرقابة، وقياس الأثر، ومحاسبة التقصير، وإشراك المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية والتعليمية في تحويل هذه القرارات إلى واقع.

حقوق الإنسان ليست ملفًا منفصلًا في درجٍ رسمي.

هي حياة الناس اليومية: في الطابور، في الفصل، في المستشفى، في الشارع، في فرصة عمل، في كرامة شخص من ذوي الإعاقة، في حماية طفل من عنفٍ لا يراه أحد.

لذلك يمكنني القول إن أهمية هذه القرارات أنها ترسم خطوطًا واضحة لمسار شامل: مكافحة فساد تحمي العدالة، شمول يدمج المختلف، صحة تعزز الأمن الإنساني، تعليم ومهارات تفتح أبواب المستقبل، وطفولة تُصان لأنها بداية كل شيء.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 445 الصادر بتاريخ  1 يناير 2026

 

تم نسخ الرابط