«مهندس خارطة السلام».. كيف حول الوزير حسن رشاد شروط الحرب المعقدة إلى "خارطة طريق" للانسحاب والإعمار؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- لماذا تحركت مصر للوصول لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة؟.. ولماذا استجابت حماس والفصائل الفلسطينية لمقترحات القاهرة؟

- ما سر قول ترامب: شكرًا مصر.. لديها رجال أكفاء قادرون على قيادة أخطر المفاوضات بنجاح 

- بإرادة مصرية صلبة.. توجيهات السيسي تكسر الحصار وتقود ملحمة إعمار غزة

لم يكن التوصل إلى خريطة طريق لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة مجرد اختراق عابر في مسار تفاوضي طويل، بل كان لحظة كاشفة عن حجم الدور الذي استعادت به مصر قدرتها على تحريك أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا، بعدما نجحت في جمع خيوط متشابكة بدت لفترة طويلة عصية على الالتقاء: وقف العمليات العسكرية، ونزع سلاح الفصائل وفق مراحل وضمانات، وانتقال إدارة القطاع إلى لجنة فلسطينية وطنية، ثم انسحاب القوات الإسرائيلية بصورة متدرجة، تمهيدًا لبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

هنا تحديدًا ظهرت قيمة التحرك المصري الذي لم يكتفِ بإدارة أزمة مؤقتة أو تثبيت هدنة قابلة للانهيار، وإنما اتجه إلى معالجة الأسئلة الأصعب المتعلقة بمن يحكم غزة، ومن يحمل السلاح، وكيف ينسحب الجيش الإسرائيلي، ومن يضمن ألا تتحول المرحلة الانتقالية إلى فراغ أمني أو سياسي يعيد القطاع إلى نقطة الصفر.

الاتفاق المعلن وضع هذه الملفات داخل مسار مترابط، يقوم على تنفيذ نزع السلاح على مراحل، ونقل المسؤوليات المدنية والأمنية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي مرحلي وانتشار قوة دولية للاستقرار وتدريب شرطة فلسطينية جديدة. 

ولأن الوصول إلى هذه الصيغة لم يكن ممكنًا بالضغط وحده، لعبت القاهرة دورًا مختلفًا، اعتمد على بناء مساحة ثقة تسمح للفصائل الفلسطينية بالنظر إلى المقترحات المصرية باعتبارها مخرجًا يحفظ الوجود الفلسطيني في غزة، لا مدخلًا لتصفية القضية أو فرض ترتيبات منفصلة عن أصحاب الأرض.

وقد كان إدراك مصر العميق حساسية ملف السلاح هو ما دفعها إلى التعامل معه باعتباره عملية سياسية وأمنية متدرجة، ترتبط بوقف الحرب والانسحاب وضمان الإدارة الفلسطينية للقطاع، وليس إجراءً أحاديًا يُطلب من طرف بينما تبقى بقية عناصر الأزمة معلقة.

من هنا يمكن فهم استجابة حماس والفصائل الفلسطينية للمقترحات التي جرت مناقشتها في القاهرة.

فالصيغة المطروحة لم تكتفِ بطلب تسليم السلاح، وإنما وضعت أمام الفلسطينيين مسارًا متكاملًا لنقل إدارة القطاع إلى لجنة وطنية فلسطينية، وإنهاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية تدريجيًا، وتولي قوة استقرار دولية مسؤوليات محددة، وبدء إعادة بناء مؤسسات غزة وخدماتها.

كما نصت الخطة على تسليم الأسلحة وتنظيمها تحت إشراف اللجنة الوطنية وآليات تحقق دولية، إلى جانب تفكيك البنية العسكرية والأنفاق بصورة مرحلية. 

كان نجاح مصر في الوصول إلى هذا التفاهم نتيجة قراءة دقيقة لمخاوف جميع الأطراف، لكن دون التفريط في الثوابت المصرية المتعلقة برفض تهجير الفلسطينيين أو اقتلاعهم من أرضهم، والحفاظ على وحدة القطاع والضفة الغربية، ومنع تحويل غزة إلى منطقة معزولة أو خاضعة لإدارة أجنبية دائمة.

وهو ما منح المقترحات المصرية قدرًا من المصداقية لدى الفصائل، لأنها صدرت عن دولة لم تتعامل مع غزة بوصفها عبئًا أمنيًا على حدودها، وإنما باعتبارها جزءًا أصيلًا من القضية الفلسطينية ومن الأمن القومي العربي.

وفي قلب هذا التحرك برز الدور الذي قاده رئيس المخابرات العامة الوزير حسن رشاد، الذي أدار واحدًا من أشد الملفات الدبلوماسية والأمنية حساسية، مستندًا إلى خبرة مصر المتراكمة في التعامل مع الفصائل الفلسطينية، وإلى قنوات اتصال قادرة على مخاطبة أطراف لا تجلس عادة إلى مائدة واحدة.

لم تكن المهمة مجرد نقل رسائل بين الفرقاء، بل صياغة أرضية مشتركة، وضبط ترتيب الخطوات، وإيجاد ضمانات تحول دون أن يطلب أي طرف تنفيذ التزاماته كاملة قبل أن يرى المقابل السياسي والأمني الذي سيحصل عليه.

وتكمن أهمية هذا الدور في أن المفاوضات لم تتناول تفاصيل ثانوية، وإنما اقتربت من جوهر الصراع المسلح داخل القطاع.

فالاتفاق يربط نزع السلاح بعملية انسحاب إسرائيلية متدرجة، وباتساع نطاق سيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وبعمل قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية الجديدة.

وبذلك تحولت القضايا الثلاث من شروط متعارضة إلى مراحل متزامنة داخل عملية واحدة، وهو ما يمكن اعتباره جوهر الاختراق الذي تحقق بعد شهور من الاتصالات والمفاوضات.

وعندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى ما وصفه باتفاق تاريخي بشأن النزع الكامل لسلاح حماس وبقية الجماعات المسلحة في غزة، لم ينسَ توجيه الشكر إلى مصر وقطر وتركيا على جهود الوساطة.

وكانت الإشادة بمصر اعترافًا واضحًا بأن القاهرة لم تكن مجرد مقر للمباحثات، وإنما طرف أساسي في صناعة التفاهم الذي أتاح الانتقال إلى مرحلة أكثر عمقًا من خطة السلام.

ترامب قال إن تنفيذ الاتفاق سيكون عبر مراحل منظمة، وإن انسحاب القوات الإسرائيلية سيتقدم مع استكمال نزع السلاح وتولي قوة الاستقرار والشرطة الفلسطينية الجديدة مسؤولية الأمن في القطاع. 

أما الحديث عن امتلاك مصر رجالًا قادرين على قيادة أخطر المفاوضات، فإن نتيجة المفاوضات نفسها تقدم المعنى بوضوح.

فإدارة ملف يضم الولايات المتحدة وإسرائيل وحماس وبقية الفصائل ووسطاء إقليميين وقوة دولية مرتقبة ولجنة فلسطينية جديدة، ثم الوصول إلى صيغة تجمع بين الأمن والحكم والانسحاب وإعادة الإعمار، لا تتحقق إلا بامتلاك جهاز تفاوضي محترف، وقدرة على قراءة التوازنات، وصبر طويل على التفاصيل، وقنوات اتصال تتمتع بثقة الأطراف.

ولم يكن تحرك الوزير حسن رشاد منفصلًا عن رؤية سياسية أوسع قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي وضع منذ بداية الحرب مجموعة من الخطوط الحاكمة للموقف المصري: وقف القتال، وإدخال المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير، والحفاظ على القضية الفلسطينية، والانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء قطاع غزة.

وقد استمر الرئيس السيسي في الدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية وبدء التعافي المبكر وإعادة الإعمار، كما بحث هذه الملفات مع الرئيس الأمريكي ومسؤولين دوليين، مؤكدًا ضرورة تثبيت السلام وتحويله إلى واقع دائم. 

هذه التوجيهات هي التي منحت التحرك المصري استمراريته وصلابته.

فالقاهرة لم تتحرك فقط عندما كانت المفاوضات تحقق تقدمًا، ولم تنسحب عندما تعطلت أو تبادلت الأطراف الاتهامات، بل أبقت قنواتها مفتوحة، وقدمت تصورات متتالية، وربطت بين المسار السياسي والمسار الإنساني، وبين وقف الحرب ومرحلة ما بعد الحرب.

كما عملت على إبقاء إعادة الإعمار جزءًا من أي تسوية، لأن إنهاء إطلاق النار دون إعادة الحياة إلى غزة لا يصنع سلامًا، بل يؤجل الانفجار.

وبهذا المعنى، فإن ما تحقق لم يكن نهاية الطريق، لكنه نقل القطاع من دائرة الموت المفتوحة إلى بداية مسار يمكن أن يعيد للفلسطينيين إدارة شؤونهم، ويطلق عملية الانسحاب وإعادة الإعمار ويضع السلاح داخل ترتيبات سياسية وأمنية متفق عليها.

فاللجنة الوطنية المنتظر أن تتولى إدارة غزة لن تكون مجرد جهاز إداري لتسيير الخدمات، بل تمثل عنوانًا لعودة المسؤولية الفلسطينية إلى القطاع، وإعادة تنظيم مؤسساته، والإشراف على الأموال والمساعدات ومشروعات البناء، بينما ترتبط خطوات الانسحاب بتوسع قدرتها على ممارسة اختصاصاتها على الأرض. 

لقد أثبتت مصر مرة أخرى أنها الدولة التي يصعب تجاوزها عندما تتعلق المسألة بغزة أو بالقضية الفلسطينية.

فالجغرافيا منحتها موقعًا مركزيًا، لكن الخبرة والقدرة السياسية والمصداقية هي التي حولت هذا الموقع إلى تأثير حقيقي.

وما قاده الوزير حسن رشاد لم يكن مجرد جولة ناجحة من المفاوضات، بل ترجمة عملية لتوجيهات الرئيس السيسي بالحفاظ على غزة، ومنع تصفية القضية، وفتح الطريق أمام انسحاب الاحتلال وإعادة الإعمار.

وبينما ينتظر القطاع ترجمة الاتفاق إلى خطوات ملموسة، يمكن القول إن غزة بدأت تتنفس لأن القاهرة رفضت أن تستسلم لفكرة أن الحرب قدر دائم، ولأن الدولة المصرية أدارت الملف بعقل بارد وإرادة صلبة، ولأن رجالها دخلوا إلى واحدة من أخطر ساحات التفاوض في العالم وهم يدركون أن النجاح لا يُقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بقدرتهم على إعادة الحياة إلى شعب أنهكته الحرب، ووضع أول حجر في طريق طويل نحو الأمن والإعمار والسلام.

الصفحة الثانية من العدد رقم 474 الصادر بتاريخ 6 أغسطس 2026
تم نسخ الرابط