محمد فودة يكتب: الحج.. عندما يسكن البيت الحرام القلب إلى الأبد

الشورى

- في رحاب البيت العتيق.. يولد الإنسان من جديد.

- لم أكن بين الحجيج هذا العام.. لكن قلبي في المدينة وروحي معلقة بعرفات.

- لبيك اللهم لبيك.. حين يبتعد الجسد وتطوف الروح في رحاب الله.

- عيد الأضحى المبارك.. فرحة دينية تجمع بين جلال الشوق وسكينة الإيمان.

- تكبيرات العيد.. نداء سماوي يستعيد نقاء النفس الإنسانية.

حين يأتى موسم الحج، أشعر بأن جزءا من قلبي يسافر من جديد، تعود الأصوات القديمة، وتستيقظ فى الروح تلك الطمأنينة التي لا تشبه شيئا آخر، أدرك وقتها أن بعض الرحلات لا تنتهي أبدا، وأن الحج لا يغادر الذين ذهبوا إليه ولو مرة واحدة بصدق، ففي كل عام أشعر بأن شيئا عميقا يتحرك داخلي بهدوء لا يشبه أي شعور آخر، كأن الروح تفتح بابا قديما ظل مواربا طوال الوقت، بابا يحمل رائحة مكة، وصوت التلبية، ودموعا سقطت ذات يوم في صعيد عرفات ثم بقي أثرها في القلب إلى اليوم.

هذا العام لست بين الحجيج، لن أرتدي ثياب الإحرام، ولن أسير بين الجموع التي جاءت من كل فج عميق، ولن أرفع بصري نحو الكعبة كما حدث في أعوام سابقة، لكن الغريب أن الغياب الجسدي عن الحج لا يعني أبدا الغياب الحقيقي عنه، فهناك رحلات لا تنتهي بالعودة إلى الوطن، بل تبدأ هناك لتظل ممتدة داخل الإنسان ما بقي العمر، فالحج ليس مجرد رحلة دينية يؤدي فيها المسلم مناسك محددة ثم يعود إلى حياته العادية، الحج تجربة تغير شيئا جوهريا في الداخل، شيئا لا تراه العيون بسهولة، لكنه يظل حاضرا في طريقة الإنسان في النظر إلى الدنيا، وفي إحساسه بنفسه، وفي علاقته بالله والناس والحياة.

وأظن أن أعظم ما يتركه الحج في الروح هو ذلك الشعور النادر بالخفة، خفة القلب من أعباء الدنيا، ومن صخبها، ومن سباقها الذي لا ينتهي، هناك قرب البيت الحرام، يكتشف الإنسان فجأة كم كان يحمل فوق روحه أشياء كثيرة لا قيمة حقيقية لها، ويكتشف أن الطمأنينة أبسط مما كان يظن.

أتذكر جيدا أول لحظة رأيت فيها الكعبة.

مهما حاول الإنسان أن يصف تلك اللحظة، تبقى الكلمات أقل من المعنى الحقيقي، شيء ما يسقط من القلب فجأة، وكأن الروح كانت تجرى طوال عمرها ثم وصلت أخيرا إلى المكان الذي تعرفه منذ الأزل، لا تشبه الدهشة هناك أي دهشة أخرى، لأنك لا ترى بناء عظيما فقط، بل ترى تاريخا من الدعوات والدموع والإيمان.

وفي الحج يذوب شعور الإنسان بنفسه القديمة، كل الأشياء التي كانت تبدو مهمة تتراجع فجأة إلى الخلف، المكانة، والمظاهر، والحسابات الصغيرة، وحتى المخاوف التي كانت تملأ القلب، الجميع هناك يرتدي الثياب نفسها، ويسير نحو القبلة نفسها، ويردد الكلمات نفسها، وكأن البشرية كلها تعود للحظة إلى حقيقتها الأولى.

ربما لهذا يبقى أثر الحج طويلا. لأن الإنسان يرى هناك النسخة الأنقى من نفسه، النسخة التي لا تحكمها الرغبات الصغيرة، ولا يستهلكها القلق، ولا تلوثها الضوضاء التي نعيش فيها كل يوم، وحين يعود الحاج إلى بيته، يكتشف بعد فترة أن مكة لم تغادره تماما، بل بقي شيء منها مستقرا في داخله، صوت التلبية مثلا لا يختفي بسهولة، في كل موسم حج يعود الصوت من جديد، كأنه محفور في الذاكرة والروح معا: "لبيك اللهم لبيك"، وحتى عرفات، ذلك اليوم العظيم، لا يغادر القلب، أظن أن كل من وقف هناك يشعر بعد عودته بأن جزءا من روحه بقي في ذلك المكان.

لا يوجد في الدنيا مشهد يشبه عرفات، ملايين البشر يقفون في لحظة واحدة بين الرجاء والدموع والانكسار والأمل، لا أحد هناك يملك شيئا سوى قلبه، ولا أحد يشعر وقتها بأن الدنيا تستحق كل هذا الصراع الذي نستهلك أعمارنا فيه، في عرفات يدرك الإنسان هشاشته الحقيقية، لكنه يدرك أيضا رحمة الله الواسعة، ولهذا يعود كثير من الناس من الحج بملامح مختلفة، ليس لأن الوجوه تغيرت، بل لأن الداخل نفسه أصبح أكثر هدوءا وصفاء.

ومع مرور السنوات، يتحول الحج من ذكرى إلى حالة روحية دائمة، يكفي أن تقترب هذه الأيام حتى تستيقظ التفاصيل كلها دفعة واحدة، رائحة المكان، رهبة الطواف، الدعوات التي خرجت من القلب بلا ترتيب، السكينة الغريبة التي كانت تغمر الروح ليلا في الحرم، ودموع لم يكن لها سبب واضح سوى أن القلب كان ممتلئا بالقرب من الله، وأعتقد أن الشوق إلى مكة ليس شوقا إلى مكان فقط، بل شوقا إلى ذلك السلام الداخلي الذي شعرنا به هناك، فالإنسان في حياته العادية يتعب كثيرا من الضجيج، ومن محاولته المستمرة لمجاراة العالم، لكنه حين يذهب إلى الحج يشعر لأول مرة بأنه عاد إلى فطرته البسيطة، إلى حقيقته المجردة من كل الأقنعة.

لذلك حين يأتي عيد الأضحى بعد الحج، لا أشعر بأنه مجرد مناسبة للفرح أو الطقوس الاجتماعية المعتادة، بل أراه امتدادا لكل تلك المعاني العميقة التي يعيشها الحاج في رحلته، الأضحية ليست مجرد شعيرة عظيمة يؤديها المسلم تقربا إلى الله، لكنها تحمل معنى أكبر من الذبح نفسه.

إنها تذكر الإنسان بفكرة التضحية الداخلية أيضا، وأن يتخلص من النسخة القاسية والمتعبة من نفسه، فكم من خوف يعطلنا، وكم من أنانية تفسد علاقتنا بالناس، وكم من قسوة تراكمت في القلوب بسبب صخب الحياة.

المعنى الحقيقي للأضحية ربما يبدأ حين يقرر الإنسان أن يعود أكثر رحمة وصفاء وإنسانية.

ولهذا يبقى عيد الأضحى مختلفا في إحساسه وتكبيراته وروحه.

وحين أرى الحجيج على الشاشات، أشعر بمزيج غريب من الحنين والامتنان.

الحنين لأن القلب يشتاق إلى تلك الرحلة التي لا تشبه أي رحلة أخرى، والامتنان لأن الله كتب لي يوما أن أعيش هذه التجربة التي تغير الإنسان من الداخل إلى الأبد.

بعض الأماكن نزورها ثم نغادرها ببساطة، لكن مكة ليست مكانا عاديا، إنها تبقى داخل الذين ذهبوا إليها، تبقى في الدعاء، وفي الذكريات، وفي لحظات الضعف، وفي الشوق الذي يستيقظ كلما جاء موسم الحج، وربما لهذا السبب تحديدا، لا أشعر بأنني بعيد تماما عن الحج هذا العام، الجسد هنا، نعم، لكن الروح تعرف الطريق جيدا، تعرف كيف تعود إلى هناك بمجرد أن تسمع التلبية، أو ترى الكعبة، أو تبدأ تكبيرات العيد.

لقد أدركت بعد سنوات أن أعظم ما يمنحه الحج للإنسان ليس مجرد أداء المناسك، بل تلك القدرة النادرة على إعادة ترتيب القلب، أن يكتشف الإنسان ما الذي يستحق فعلا، وما الذي كان يبالغ في منحه أكبر من حجمه، أن يعود أكثر قربا من الله، وأكثر رحمة بالناس، وأكثر تصالحا مع نفسه، ولهذا يظل الحج رحلة لا تنتهي، حتى بعد العودة بسنوات طويلة، يبقى أثرها ممتدا في الروح، كأن القلب كلما أتعبته الدنيا عاد سرا إلى مكة والمدينة كى يستريح قليلا، ومع قدوم عيد الأضحى هذا العام، لا أملك سوى أن أحمد الله على تلك الذكريات التي لا تزال تنبض بالحياة داخلي، وأدعو لكل مشتاق أن يرزقه الله زيارة بيته الحرام، وأن يمنحنا جميعا شيئا من السلام الذي يشعر به الإنسان هناك، فبعض الرحلات لا تنتهي أبدا، وبعض الأماكن تسكن القلب إلى الأبد.

تم نسخ الرابط