« خطوط النار ودبلوماسية الرصاص ».. كيف كسر السيسي صمت "الرادارات" وحوّل "الرافال" المصرية إلى درعٍ فوق سماء الأشقاء؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- في الإمارات جناح الرافال يحمي الأشقاء .. وفي الإسكندرية ماكرون يعطي شهادة بالأمان للدولة المصرية.. وفي نيروبي نقول للأفارقة "نحن مع التنمية" .

طوبى لمن سار في الأرض صانعًا للسلام، لا باحثًا عن الخراب، ولا متاجرًا بالدم، ولا متلذذًا بإشعال الحرائق بين الشعوب.

ففي زمن تتكاثر فيه الحروب، وتتساقط فيه الأقنعة سريعًا، وتتحول فيه السياسة إلى صراع بقاء لا يعترف إلا بالقوة المجردة، تبرز دول قليلة اختارت أن تسير في طريق مختلف، طريق تثبيت الاستقرار، وصناعة التوازن، ومنع المنطقة من السقوط الكامل في الفوضى.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تتحرك مصر بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي على خريطة شديدة التعقيد، بين حرائق الشرق الأوسط، وصراعات إفريقيا، وضغوط الاقتصاد العالمي، وتحولات النظام الدولي الذي يعاد تشكيله أمام أعين الجميع.

لم تكن الأيام الأخيرة مجرد تحركات بروتوكولية لرئيس دولة يؤدي واجباته الدبلوماسية المعتادة، بل بدت وكأنها رسم متكامل لصورة مصر الجديدة، الدولة التي تتحرك في كل الاتجاهات في وقت واحد، وتحاول أن توازن بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، بين حماية الأمن القومي، وبناء الشراكات، وبين تثبيت النفوذ الإقليمي، وتقديم نفسها باعتبارها ركيزة للاستقرار في منطقة لا تعرف الاستقرار أصلًا.

من أبو ظبي، حيث تتشابك المصالح العربية مع تهديدات الإقليم المتصاعدة، إلى الإسكندرية التي تحولت إلى منصة سياسية ورسالة أمن وأمان أمام العالم، وصولًا إلى نيروبي حيث تجتمع إفريقيا وفرنسا على طاولة واحدة لمناقشة التنمية والشراكة والمستقبل، كانت القاهرة حاضرة بثقلها، وبحساباتها الدقيقة، وبخطاب مختلف يحمل رسائل تتجاوز الكلمات المباشرة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا تحرك الرئيس السيسي بهذه الكثافة؟ بل كيف استطاعت مصر أن تعبر وسط كل هذه "الخطوط المشتعلة" دون أن تفقد توازنها؟ وكيف تمكنت الدولة المصرية من التحرك بين معادلات شديدة الحساسية، بعضها يرتبط بالأمن العسكري، وبعضها بالاقتصاد، وبعضها بالصراع على النفوذ في إفريقيا والشرق الأوسط؟

في أبو ظبي، لم يكن الحضور المصري مجرد تعبير عن التضامن التقليدي مع دولة عربية شقيقة، بل كان رسالة إستراتيجية أوسع بكثير.

فالمنطقة كلها تعيش لحظة قلق غير مسبوقة، مع تصاعد التوترات الإقليمية، واتساع نطاق التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتزايد المخاوف من انفجار كبير قد يغير شكل الخليج والمنطقة بالكامل.

وفي هذا السياق، أصبحت مصر تمثل بالنسبة لكثيرين "صمام الأمان العربي"، الدولة التي تمتلك جيشًا قويًا، وخبرة تاريخية، وقدرة على التحرك بعقلانية بعيدًا عن الاندفاع والمغامرة.

وجود المقاتلات المصرية في المشهد الخليجي لم يكن مجرد تفصيل عسكري عابر، بل تعبير عن فلسفة كاملة تتبناها القاهرة منذ سنوات، تقوم على أن الأمن العربي مترابط، وأن انهيار أي دولة عربية كبرى ستكون له تداعيات مباشرة على الجميع.

لذلك تتحرك مصر وفق معادلة دقيقة: لا تسعى إلى الحرب، لكنها ترفض أيضًا أن تكون المنطقة مكشوفة أمام الفوضى أو الابتزاز أو التهديدات العابرة للحدود.

وفي الوقت نفسه، كانت الإسكندرية تستقبل حدثًا لا يقل أهمية على المستوى الرمزي والسياسي.

زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المدينة الساحلية لم تكن مجرد زيارة دبلوماسية تقليدية، بل بدت وكأنها "شهادة ثقة" دولية في الدولة المصرية، خصوصًا في توقيت بالغ الحساسية تمر فيه المنطقة والعالم بأزمات أمنية واقتصادية متلاحقة.

حين يسير رئيس دولة أوروبية كبرى في شوارع مدينة مصرية، ويتحرك بصورة طبيعية، ويتحدث عن التعاون والشراكة والاستثمار، فإن الرسالة تتجاوز البروتوكول.

إنها رسالة تقول إن مصر، رغم كل ما يحيط بها من اضطرابات، لا تزال دولة مستقرة وقادرة على حماية نفسها والحفاظ على مؤسساتها.

وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية في عالم أصبحت فيه صورة الدولة واستقرارها جزءًا أساسيًا من معارك السياسة والاقتصاد والسياحة والاستثمار.

الإسكندرية نفسها حملت دلالة رمزية عميقة.

المدينة التي كانت عبر التاريخ نافذة مصر على البحر المتوسط، وعنوانًا للتنوع والانفتاح والحضارة، بدت وكأنها تستعيد دورها كجسر بين الشرق والغرب.

وهنا يظهر جانب آخر من التحرك المصري، فالقاهرة لا تريد أن تقدم نفسها فقط باعتبارها قوة عسكرية أو سياسية، بل أيضًا باعتبارها مركزًا للحوار والتوازن والتواصل الحضاري.

ثم جاءت محطة نيروبي، حيث قمة "إفريقيا – فرنسا"، لتكشف بعدًا آخر من الرؤية المصرية.

فإفريقيا لم تعد بالنسبة للقاهرة مجرد عمق جغرافي أو تاريخي، بل أصبحت ساحة مركزية للصراع الدولي على النفوذ والثروات والأسواق والممرات الإستراتيجية. 

لم يكن لقاء الرئيس السيسي بسكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان تجسيداً للحظة فارقة في تاريخ المنطقة. 

في تلك القاعة التي شهدت صياغة مواقف مصرية غيرت مجرى الأحداث، وقف "صوت الحكمة المصرية" ليواجه "ضمير العالم الأممي"، في حوار لم يكن الهدف منه توصيف الأزمات، بل اجتراح الحلول من رحم المعاناة.

استهل الرئيس السيسي حديثه بلغة تنم عن تقدير إستراتيجي عميق، مثمّناً دور غوتيريش في قيادة منظمة دولية تواجه أعنف اختبار لها منذ الحرب العالمية الثانية. 

هنا تتجلى البلاغة السياسية المصرية؛ فهي لا تكتفي بعبارات المجاملة، بل تضع النقاط على الحروف: إن العمل الأممي في ظل "ظروف دولية بالغة التعقيد" هو المهمة المستحيلة التي تتطلب جسارة ورؤية.

إن إشادة الرئيس بمنظومة العمل الأممي هي رسالة للعالم بأن مصر، الدولة المؤسسة، لا تزال تؤمن بالشرعية الدولية كحائط صد أخير ضد شريعة الغاب، رغم كل القصور الذي قد يشوب النظام الدولي.

أمن الخليج.. عقيدة السيادة لا تقبل التجزئة

بصوتٍ واثق، أعاد الرئيس السيسي رسم الخطوط الحمراء التي لا تقبل التأويل. 

إن تأكيده على "الدعم الكامل لدول الخليج الشقيقة" ورفض "أي اعتداءات على سيادتها" ليس مجرد موقف سياسي، بل هو انعكاس لعقيدة عسكرية وسياسية ترى في "مسافة السكة" واقعاً ملموساً لا شعاراً.

هنا، يربط الرئيس بين استقرار القاهرة واستقرار الرياض وأبو ظبي والمنامة، معتبراً أن أي اهتزاز في بوصلة أمن الخليج هو زلزال سيصيب المنطقة بأكملها. 

إنها "وحدة المصير" التي تتجاوز التحالفات التكتيكية إلى رحاب الشراكة الوجودية.

مأساة "غزة والسودان".. بين صرخة الجوع وصمت المدافع

لم يكن حديث الرئيس عن المساعدات مجرد أرقام وشاحنات، بل كان حديثاً عن "شريان الحياة" الذي يربط غزة المحاصرة والسودان الجريح بالبقاء.

لقد وضع السيسي المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية: كيف للعالم أن يتفرج على مأساة إنسانية في قطاع غزة أو حرباً ضروساً في السودان دون أن تكون منظمة الأمم المتحدة هي القائد الأعلى لعمليات الإغاثة؟ إنها دعوة مصرية صريحة لفك الارتهان السياسي للمساعدات الإنسانية وتغليب صوت الضمير على صوت الرصاص.

 فمصر اليوم هي الوسيط النزيه، والمطالب الدائم بالتهدئة، والبيت الكبير الذي يستوعب تطلعات الشعوب العربية في الاستقرار والعيش الكريم.

إن لقاء القاهرة بالأمس يبعث برسالة واحدة وواضحة: أن العالم يحتاج إلى "القوة العاقلة". ومصر بقيادة الرئيس السيسي، ومن خلفها دعم أممي واعٍ، تمثل هذا النموذج. 

ستظل مصر هي الحصن الذي يذود عن حياض الأمة، والملاذ الذي يسعى لإرساء قواعد السلام في زمنٍ لم يعد فيه السلام خياراً، بل هو طوق النجاة الوحيد.

الصفحة الثالثة من العدد رقم 463 الصادر بتاريخ  14 مايو 2026
تم نسخ الرابط