صابر سالم يكتب : السياحة المصرية وحلم الـ 30 مليون سائح سنويًا

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

لم يعد الحديث عن الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا مجرد شعار اقتصادي أو رقم طموح تتداوله المؤتمرات الرسمية، بل أصبح مشروع دولة تسعى مصر من خلاله إلى إعادة صياغة مكانتها على خريطة السياحة العالمية، مستفيدة من تنوعها الحضاري والجغرافي الفريد، ومن موجة تطوير واسعة تشهدها البنية التحتية وقطاع الخدمات خلال السنوات الأخيرة.

فالدولة التي تمتلك آثارًا تمتد لآلاف السنين، وسواحل طويلة على البحرين الأحمر والمتوسط، ومناخًا معتدلًا أغلب شهور العام، تدرك جيدًا أن السياحة ليست مجرد مصدر للعملة الأجنبية، بل قوة اقتصادية وثقافية وسياسية أيضًا.

حلم الـ30 مليون سائح لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى مؤشرات حقيقية تؤكد أن السوق السياحية المصرية تمتلك قدرة هائلة على النمو.

فالعالم بعد جائحة كورونا أصبح يبحث عن المقاصد الآمنة والمتنوعة والأقل تكلفة مقارنة بالوجهات الأوروبية التقليدية، وهنا برزت مصر باعتبارها واحدة من أكثر الدول امتلاكًا لعناصر الجذب السياحي.

فمن يزور القاهرة يجد نفسه أمام حضارة لا تشبه أي حضارة أخرى، ومن يذهب إلى الأقصر وأسوان يعيش تجربة تاريخية مفتوحة تحت السماء، بينما تقدم مدن البحر الأحمر تجربة عالمية في السياحة الشاطئية والغوص والترفيه.

وخلال السنوات الماضية، عملت الدولة المصرية على تغيير الصورة التقليدية لقطاع السياحة، فلم يعد التركيز فقط على الآثار والشواطئ، بل امتد إلى تطوير شامل للبنية الأساسية.

شبكة الطرق الجديدة، وتطوير المطارات، وتحديث وسائل النقل، والتوسع في المدن السياحية، كلها عوامل ساعدت على تسهيل حركة الزائرين، ورفعت من قدرة مصر على استقبال أعداد أكبر من السائحين من مختلف أنحاء العالم.

كما لعبت المشروعات القومية الكبرى دورًا مهمًا في تعزيز الجاذبية السياحية لمصر.

فالمتحف المصري الكبير، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد متحف أثري، بل مشروعًا حضاريًا عالميًا من المتوقع أن يتحول إلى أحد أهم المزارات الثقافية في العالم.

كذلك ساهمت الفعاليات الدولية والاحتفالات الكبرى، مثل موكب نقل المومياوات الملكية وافتتاح طريق الكباش، في إعادة تقديم الحضارة المصرية بصورة حديثة أبهرت العالم وأعادت لفت الأنظار إلى المقصد المصري.

لكن الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا لا يعتمد فقط على المشروعات والبنية التحتية، بل يحتاج أيضًا إلى إستراتيجية تسويق دولية أكثر اتساعًا ومرونة.

المنافسة في قطاع السياحة أصبحت شرسة، وكل دولة تسعى لجذب أكبر عدد ممكن من الزوار عبر الحملات الترويجية والتسهيلات والخدمات الرقمية.

ولذلك، فإن مصر مطالبة بالاستمرار في تحديث أدواتها التسويقية، واستهداف أسواق جديدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بجانب الحفاظ على الأسواق الأوروبية والعربية التقليدية.

كذلك تبرز أهمية الاستثمار في العنصر البشري، لأن تجربة السائح لا تتوقف عند الفندق أو الموقع الأثري فقط، بل تشمل مستوى الخدمة، وطريقة التعامل، وسهولة التنقل، والشعور بالأمان والراحة.

وكلما ارتفع مستوى التدريب والخدمات، زادت قدرة مصر على تحويل السائح إلى "سفير" ينقل تجربته الإيجابية إلى الآخرين.

ولا يمكن إغفال أن الاستقرار الأمني والسياسي يظل أحد أهم عناصر الجذب السياحي.

فالسائح يبحث دائمًا عن الوجهة الآمنة قبل أي شيء آخر، ومصر خلال السنوات الأخيرة نجحت إلى حد كبير في ترسيخ صورة الدولة المستقرة القادرة على حماية زوارها وتأمين منشآتها السياحية، وهو ما انعكس بوضوح على معدلات الإقبال المتزايدة.

ورغم التحديات الاقتصادية العالمية، وارتفاع تكاليف السفر والطاقة، فإن قطاع السياحة المصري لا يزال يمتلك فرصًا ضخمة للنمو، خاصة مع تنوع المنتج السياحي المصري.

فهناك السياحة الثقافية، والدينية، والعلاجية، والترفيهية، وسياحة المؤتمرات، والسفاري، واليخوت، وغيرها من الأنماط التي تمنح مصر ميزة تنافسية نادرة.

في النهاية، فإن حلم الـ30 مليون سائح ليس مستحيلًا، لكنه يحتاج إلى عمل متواصل، وتنسيق بين جميع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، مع الحفاظ على جودة الخدمات وتطويرها باستمرار.

فمصر لا تملك فقط آثارًا عظيمة، بل تملك قصة حضارية وإنسانية قادرة على جذب العالم كله، إذا أُحسن تقديمها وتسويقها بالشكل الذي يليق بتاريخ هذا البلد ومكانته.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 463 الصادر بتاريخ  14 مايو 2026
 
تم نسخ الرابط