محمد فودة يكتب: عيد الفطر.. حين يطرق الحنين أبواب الذاكرة

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- العيد يوقظ ذكريات الطفولة في القلوب ويعيد دفء الأيام البسيطة

- تكبيرات الصباح وصلاة العيد "طقوس راسخة" تضفي على اللحظة روحها الخاصة

- لمة العائلة وزيارات الأحبة تمنح العيد معناه الإنساني الأجمل

- الأطفال يصنعون بهجة العيد.. والكبار يستعيدون حنين الزمن الجميل

- رغم تغير الزمن تبقى "روح العيد" عنوان الفرح والمحبة

يظل عيد الفطر واحدا من أكثر المناسبات قدرة على استدعاء الحنين وإعادة فتح دفاتر الذاكرة، ليس فقط لأنه نهاية شهر كريم من العبادة والصفاء، بل لأنه أيضًا مناسبة تختلط فيها المشاعر بين الفرح والحنين والذكريات التي لا تموت.

وللحق لا أعرف لماذا يملك العيد هذه القدرة العجيبة على إعادة الزمن إلى الوراء، لكنني في كل عام أشعر كأن جزءا صغيرا من طفولتي يعود ليزورني من جديد، أتذكر أياما كانت فيها الفرحة أبسط بكثير، لكنها كانت أصدق وأعمق، أيام كنا ننتظر فيها صباح العيد بقلوب صغيرة، لكنها ممتلئة بالحماس والدهشة.

ربما تغيرت الحياة كثيرا، وتبدلت المدن والعادات، وربما أصبح كل شيء أسرع وأكثر صخبا، لكن يبقى العيد هو اللحظة التي يهدأ فيها كل شيء قليلا، لنستعيد ذلك الشعور القديم: شعور البهجة الخالصة التي لا تحتاج إلى أسباب كبيرة فقط تحتاج إلى قلب يتذكر، فالعيد ليس مجرد يوم في التقويم، ولا مناسبة عابرة نبدل فيها ملابسنا ونلتقط الصور ونعود بعدها إلى حياتنا المعتادة.

العيد حالة إنسانية كاملة، لحظة تتوقف فيها الحياة قليلا لتفسح المجال للبهجة كي تمر، وللقلوب كي تتصافح، وللذاكرة كي تعود بنا إلى زمن ربما كان أبسط لكنه كان أكثر دفئا، وكلما جاء العيد، تبدأ تلك المشاعر القديمة في الظهور بهدوء، فجأة نتذكر طفولتنا، نتذكر كيف كنا نعد الأيام الأخيرة من رمضان وكأنها أطول أيام السنة، كنا نراقب الهلال بقلوب صغيرة لكنها ممتلئة بالحماس، لأن إعلان العيد كان بالنسبة لنا إعلانا ببدء موسم الفرح.

كان للعيد في طفولتنا طعم مختلف، لم تكن الفرحة مرتبطة بقيمة الأشياء، بل بوهجها في قلوبنا، قطعة الملابس الجديدة كانت تبدو كأنها أجمل ما في العالم، والحذاء الجديد كان كفيلا بأن يجعلنا نشعر بأننا نمتلك الدنيا بأكملها، أما العيدية، فكانت الحلم الصغير الذي ننتظره طوال العام، ليس لأنها مال بقدر ما كانت رمزًا لاهتمام الكبار بنا وفرحتهم بفرحتنا.

في صباح العيد كان كل شيء يبدو مختلفا، الشوارع تبدو أكثر نظافة، والبيوت أكثر إشراقًا، والوجوه أكثر ابتسامًا.

كان صوت التكبيرات يتسلل إلى القلب قبل الأذن، فيمنح المكان كله روحا خاصة لا يمكن وصفها بسهولة، فكلما استمعت إلى التكبيرات أشعر بأنها تأخذني بعيداً حيث الفضاء الرحب والسماوات المفتوحة والأجواء الروحانية التي يعجز القلم عن وصفها فهي حالة خاصة جداً بعيدة عن حسابات العقل والمنطق، وهذه التكبيرات البسيطة في نطقها والعظيمة في أجرها عند الله ليست مجرد كلمات نرددها بل هي بالنسبة لنا تجسيد حقيقي للإعلام الرسمي بأن شهر رمضان المبارك قد انتهى بالفعل لندخل في مرحلة جديدة من العبادات، وفي يوم العيد أحرص كل الحرص على أن أكون متسامحاً ومتصالحاً مع نفسي ومع الجميع حتى هؤلاء الذين أساءوا لى سواء عن قصد أو دون قصد، وها أنا الآن في أول أيام عيد الفطر المبارك أرفع راية "الحب" للجميع، فالحب يمثل بالنسبة لي الهواء الذي أتنفسه، وهو المودة والرحمة التي تربط بيني والآخرين، وهو ما يجعل العيد بمثابة لحظات الفرح والسعادة التي أتقاسمها مع الجميع، الكبار والصغار، الرجال والسيدات الشباب والفتيات.

مازلت أشعر بحنين للأيام الحلوة والزمن الجميل الذي مازال يعيش بداخلنا ليمنحنا القدرة على الاستمرار ويجعلنا نتمسك بالأمل في غدٍ مشرق، أيام تجمع العائلات، كنا نستيقظ مبكرا على غير عادتنا، ليس لأن أحدًا أيقظنا، بل لأن الحماس نفسه كان كافيًا ليوقظنا، نرتدي ملابسنا الجديدة بفرح واضح، ثم نخرج لنرى العالم وكأنه ولد من جديد في هذا الصباح.

كانت صلاة العيد لحظة خاصة، حتى بالنسبة للأطفال الذين ربما لم يدركوا وقتها عمقها الروحي. كان المشهد نفسه كافيًا ليترك أثره في الذاكرة: جموع من الناس تسير في اتجاه واحد، وجوه مشرقة، تكبيرات ترتفع في السماء، وأطفال يركضون بين الصفوف بضحكات صافية، وبعد الصلاة تبدأ رحلة العيد الحقيقية، الزيارات العائلية، الأبواب التي تُفتح بابتسامة، وصوت الترحيب الذي يسبقنا إلى الداخل، كان البيت الذي نزوره يشعرنا وكأننا جزء منه، وكانت الضيافة تحمل طعم المحبة قبل أي شيء آخر.

لم تكن البيوت آنذاك متشابهة في تفاصيلها، لكنها كانت متشابهة في دفئها. الكعك والبسكويت على المائدة، القهوة في أيدي الكبار، وضحكات الأطفال التي تملأ المكان. كانت تلك اللحظات تبدو عادية في وقتها، لكنها اليوم تبدو في الذاكرة كأنها مشاهد من زمن جميل لا يتكرر بسهولة.

ومع مرور السنوات بدأ الزمن يتغير. تغيرت المدن، وتغيرت إيقاعات الحياة، وأصبحت التفاصيل التي كانت بسيطة في الماضي أكثر تعقيدًا.

التكنولوجيا دخلت كل شيء، وحتى العيد نفسه أصبح يعيش جزءًا من فرحته على شاشات الهواتف، اليوم قد نرسل تهنئة بالعيد عبر رسالة قصيرة أو صورة على الهاتف، بينما كنا في الماضي نقطع مسافات طويلة فقط لنقول "كل عام وأنتم بخير" وجها لوجه.

ربما أصبح كل شيء أسرع، وربما أصبح التواصل أسهل، لكن شيئًا من الدفء القديم ظل يسكن الذاكرة.

ومع ذلك، ورغم كل هذه التغيرات، يبقى العيد قادرًا على الاحتفاظ بجوهره. قد تختلف التفاصيل، لكن الروح نفسها لا تزال موجودة.

فما زال الأطفال ينتظرون العيدية بلهفة، وما زال الكبار يبتسمون عندما يرون تلك اللمعة في عيون الصغار، والجميل في العيد أنه يجمع الأجيال في لحظة واحدة.

الطفل يرى فيه مساحة للمرح واللعب، والشاب يراه فرصة للراحة ولمّ الشمل، أما الكبير فيراه بوابة للذكريات ونافذة يطل منها على أيام مضت، العيد بالنسبة للكبار ليس فقط مناسبة للفرح، بل هو أيضًا مناسبة للحنين.

ففي كل عيد نتذكر أشخاصا كانوا يملأون حياتنا بوجودهم ثم غابوا، نتذكر آباء وأمهات وأصدقاء كانوا جزءًا من طقوس العيد.

وربما لهذا السبب تختلط في العيد مشاعر الفرح ببعض الدموع الصامتة، لكن حتى هذا الحنين يحمل في داخله جمالًا خاصًا.

لأنه يذكرنا بأن الحياة مليئة باللحظات التي تستحق أن نتوقف عندها، وأن العلاقات الإنسانية هي أثمن ما نملك.

العيد أيضا فرصة نادرة للمصالحة.

كم من خلافات صغيرة تنتهي بابتسامة في صباح العيد، وكم من قلوب كانت متباعدة اقتربت من جديد بسبب كلمة طيبة أو زيارة صادقة.

ربما لهذا السبب ظل العيد عبر الزمن رمزا للمحبة والتسامح، ليصبح العيد بمثابة استراحة إنسانية من ضجيج الحياة.

يوم نتذكر فيه أن الفرح لا يحتاج إلى أسباب كبيرة، وأن البهجة يمكن أن تولد من أبسط التفاصيل، وحين ننظر إلى الأطفال وهم يلعبون في العيد، ندرك أن الفرح الحقيقي لا يزال ممكنا.

ضحكاتهم الصافية تذكرنا بأن العالم، رغم كل ما فيه من تحديات، ما زال قادرًا على إنتاج لحظات نقية من السعادة.

وربما لهذا السبب تحديدًا يظل العيد جزءًا أصيلًا من وجداننا الجمعي؛ لأنه لا ينتمي إلى جيل واحد، بل ينتقل من جيل إلى جيل مثل حكاية جميلة يرويها الزمن باستمرار، كل جيل يضيف إلى العيد تفاصيله الخاصة، لكن الجوهر يبقى كما هو فرحة، ولمة، وذكرى جميلة تُصنع في لحظة بسيطة ثم تعيش في القلب لسنوات طويلة.

وعلى الرغم من أنه قد تتغير المدن وتتبدل العادات وتختلف مظاهر الاحتفال، لكن العيد يظل قادرًا على أن يفتح نافذة صغيرة في قلوبنا تطل على الفرح. نافذة نرى من خلالها طفولتنا القديمة، ونسمع فيها ضحكات أحببناهم، ونشعر فيها بأن الزمن الجميل لم يختفِ تمامًا، بل ما زال يعيش داخلنا، وهكذا يظل عيد الفطر أكثر من مجرد مناسبة دينية أو اجتماعية؛ إنه لحظة إنسانية نادرة يتصالح فيها الماضي مع الحاضر، وتلتقي فيها الذكريات بالأمل، قد يكبر الأطفال وتختلف الأيام، لكن فرحة العيد تبقى دائمًا قادرة على أن تعيد إلينا ذلك الشعور البسيط الذي عرفناه لأول مرة ونحن صغار أن الحياة، مهما تغيرت، ما زالت قادرة على أن تمنحنا يومًا واحدًا على الأقل من البهجة الخالصة.

ويظل عيد الفطر أكثر من مجرد مناسبة، يظل وعدا متجددا بأن الفرح ممكن، وأن المحبة باقية، وأن في قلب كل إنسان مساحة صغيرة لا تزال تؤمن بالبهجة مهما تغير الزمن.

الصفحة السابعة من العدد رقم 456 الصادر بتاريخ  19 مارس 2026
تم نسخ الرابط