«سبوبة الفضائح» على السوشيال ميديا سوق مفتوحة تبيع العار وتكسب من التفاهة
- بيزنس "الترند الرخيص".. سماسرة المحتوى يحولون الفضيحة إلى أرصدة بنكية في جيوب تجار "الابتذال"
- الإثارة عُملة العصر.. ولا عزاء للقيم الإنسانية
- ملايين المشاهدات تحققها الفيديوهات المثيرة للجدل.. والسمعة هي الثمن
- وعي المتلقي.. "الحصن الأخير" في مواجهة فوضى المنصات
لم أعد أتعامل مع "الفضيحة" بوصفها خبرا عاديا، بقدر ما صرت أراها نموذجا مكتملا لكيف يعمل عالمنا الرقمي اليوم، وفي كل مرة تتفجر واقعة هنا أو هناك، ألاحظ كيف تتحول بسرعة مدهشة من حدث محدود إلى مادة مشتعلة، يعاد صياغتها وتدويرها، وتدفع إلى الواجهة حتى تملأ المشهد، ما يلفتني ليس الحدث نفسه، بل الطريقة التي يُدار بها: كأننا أمام ورشة إنتاج لا تهدأ، تعرف جيدا ماذا تفعل، ولمن تقدم ما تفعل.
والحق يقال مع تكرار المشهد، يتأكد لدي أن الأمر تجاوز حدود المصادفة، نحن لا نعيش فقط زمن تداول الفضائح، بل زمن الاستثمار فيها؛ زمن أصبحت فيه "الغلطة" فرصة، و"اللقطة" مشروعا، و"الضجة" طريقا مختصرا إلى الانتشار، هنا تحديدا تتشكل "سبوبة الفضيحة" كسوق مفتوحة، لا تعترف إلا بقانون واحد: ما يجذب الانتباه أكثر، يربح أكثر.
وحين تتحول الواقعة إلى "منتج"، يتغير كل شيء، لم يعد الهدف نقل ما حدث، بل تقديمه بالشكل الأكثر قدرة على الانتشار، حيث تقتطع التفاصيل، وتعاد صياغة العناوين، تضخم الزوايا الحادة، ويُدفع المحتوى إلى المتلقي في صورة مكثفة وسريعة، ما يختفي في هذه العملية هو السياق، وما يتضخم هو الإثارة.
وبين هذا وذاك، يُعاد تشكيل الحدث ليصبح شيئًا آخر قصة قابلة للتداول، لا حدثا قابلا للفهم، وفي هذه اللحظة تحديدا، تبدأ السوق في العمل، هناك من ينتج، وهناك من يروج، وهناك من يستهلك، كل طرف يؤدي دوره بدقة، حتى لو لم يكن واعيًا بذلك، صانع المحتوى يعرف أن الطريق الأقصر إلى التفاعل يمر عبر الإثارة، والمنصات تكافئ ما يحقق أرقاما أعلى، والجمهور عن قصد أو بدونه ينجذب إلى كل ما هو سريع وخفيف ومشحون.
وهنا تتشكل معادلة صريحة التفاهة ليست عيبا في هذه السوق، بل ميزة تنافسية، كلما كان المحتوى أبسط وأسرع وأكثر إثارة، زادت فرص انتشاره.
ومع الوقت، لا يصبح هذا مجرد خيار من بين خيارات، بل يتحول إلى "نمط" يفرض نفسه على الجميع، من يلتزم به يضمن حضورا، ومن يحاول الخروج عنه يغامر بالتهميش، وما يثير القلق هنا ليس فقط انتشار هذا النوع من المحتوى، بل قدرته على إعادة تشكيل الذائقة العامة، حين يتكرر النمط ذاته يوما بعد يوم، يبدأ ترسيخ معايير جديدة لما يعتبر مهما أو جذابا، تتراجع الموضوعات التي تحتاج إلى عمق وتركيز، لصالح أخرى تقدم وجبات سريعة من الإثارة، ومع الوقت، يصبح من الصعب على المحتوى الجاد أن يجد المساحة نفسها، ليس؛ لأنه أقل قيمة، بل؛ لأنه أقل توافقًا مع إيقاع السوق.
وفي قلب هذه المعادلة تقف فكرة "الانتباه" بوصفها العملة الحقيقية، ولم يعد السؤال: ما الذي نقوله؟ بل: كيف نجعل الناس يتوقفون للحظة وينظرون؟ الفضيحة، بطبيعتها، تجيب عن هذا السؤال بسهولة، فهي تحمل عناصر الصدمة والدراما، وتمنح المتلقي شعورا فوريا بالانخراط، ولهذا، تصبح خيارا مفضلا في سباق محموم على جذب النظر، لكن الانتباه، حين يتحول إلى هدف في حد ذاته، يفقد قدرته على التمييز.
لا يعود يفرق بين ما يستحق وما لا يستحق، بين ما يضيف وما يستهلك، المهم أن يظل متدفقا، وأن تبقى الأرقام في ارتفاع، وهنا يتحول المحتوى من وسيلة إلى غاية، ومن رسالة إلى أداة.
وسط هذا كله، يبدو الجمهور وكأنه في موقع المتلقي فقط، لكنه في الحقيقة جزء من آلية التشغيل، كل تفاعل مهما بدا بسيطا يساهم في ترجيح كفة هذا النوع من المحتوى.
الإعجاب، المشاركة، التعليق، حتى التوقف لثوانٍ أمام مقطع ما، كلها إشارات تقرأ وتحلل وتبنى عليها قرارات إنتاج جديدة، وهكذا، يدخل الجميع في دائرة مغلقة: ما يستهلك اليوم يعاد إنتاجه غدًا بصورة أكبر، المشكلة أن هذه الدائرة لا تكتفي بإعادة إنتاج نفسها، بل تعمل على توسيع نطاقها، ومع كل دورة، يصبح المحتوى أكثر جرأة، وأكثر حدة، وأكثر استعدادا لتجاوز الحدود.
ليس بدافع التمرد، بل بدافع المنافسة، فحين يصبح الضجيج هو المعيار، لا يكفي أن تكون صاخبا؛ عليك أن تكون الأكثر صخبا.
وفي هذا السياق، تتراجع فكرة "القيمة" إلى الخلف، لا يعود السؤال: هل هذا مهم؟ بل: هل هذا لافت؟ الفارق بين السؤالين ليس لغويًا فقط، بل جوهريا، الأول يبحث عن المعنى، والثاني عن التأثير اللحظي، ومع سيطرة السؤال الثاني، يتغير شكل الخطاب العام، وتصبح السرعة بديلا عن الدقة، والانفعال بديلاً عن التحليل، ومع كل هذا، يظل السؤال الأكثر إلحاحا: هل نحن أمام ظاهرة مفروضة علينا، أم أننا نشارك في صناعتها؟، الإجابة، في تقديري، ليست أحادية، لا يمكن إنكار دور المنصات في توجيه المحتوى، ولا دور صناعه في استثمار اللحظة، لكن لا يمكن أيضا تجاهل دورنا كمستهلكين، فالفضائح لا تنمو في فراغ، بل تتغذى على ما نمنحه من اهتمام، ربما لا يكون من الواقعي أن نتوقع اختفاء هذه الظاهرة، لكنها بالتأكيد قابلة لإعادة التوازن، حين يتغير نمط الاستهلاك، يتغير بالضرورة نمط الإنتاج.
وحين يبدأ المتلقي طرح أسئلة مختلفة عن القيمة، عن الدقة، عن المعنى تجد السوق نفسها مضطرة للتكيف، ولا يتعلق الأمر برفض كل ما هو خفيف أو سريع، فهذه طبيعة زمننا، لكن يتعلق بعدم السماح له بأن يصبح المعيار الوحيد.
هناك مساحة يمكن استعادتها للمحتوى الذي يحترم عقل المتلقي، ويقدم له أكثر من مجرد لحظة إثارة.
وفي تقديري، أخطر ما في "سبوبة الفضيحة" ليس فقط قدرتها على الانتشار، بل قدرتها على تطبيع السطحية حتى تبدو وكأنها الخيار الطبيعي الوحيد، فحين يتعرض المتلقي يوميا لسيل من المحتوى السريع والمثير، لا يتوقف الأمر عند حدود الاستهلاك، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل التوقعات نفسها، يبدأ العقل بشكل لا واعٍ طلب الجرعة الأعلى من الإثارة، والانتقال السريع بين الأحداث، وعدم الصبر على التفاصيل أو السياق، هنا تحديدا تتغير قواعد اللعبة، لم يعد المحتوى مطالبا بأن يكون عميقا أو متماسكا، بل يكفي أن يكون قادرا على "الخطف" السريع للانتباه، ومع الوقت، يصبح العمق عبئا، والتفصيل إطالة غير مرغوبة، والتحليل رفاهية لا تجد من يصبر عليها، هذه الحالة لا تنتج فقط محتوى سطحيا، بل تنتج أيضا متلقيا، أقل استعدادا للتفكير، وأكثر ميلا للاكتفاء بالانطباع الأول، وبهذا المعنى، لا تعود المشكلة في "الفضيحة" كواقعة، بل في البيئة التي تجعل من السطحية معيارا، ومن التسرع فضيلة، ومن الضجيج بديلا مقبولا عن الفهم.
سبوبة الفضيحة ليست مجرد توصيف ساخر لواقع رقمي، بل هي اختصار مكثف لمنظومة كاملة تعمل بمنطق السوق، وتعيد تشكيل أولوياتنا دون أن نشعر، إنها تذكير بأن ما نراه على الشاشات ليس بريئا بالكامل، وأن ما نمنحه من وقت وانتباه ليس بلا ثمن.




