الدراما ليست سباق خيول.. ومعركة «الأعلى مشاهدة» بلا معنى

- الفن مساحة للتأثير والإبداع.. لا حلبة صراع ولا منافسة أرقام

- نجاحات متوازية تجمع أحمد العوضي وعمرو سعد ومي عمر.. والموهبة تتسع للجميع

- بين «على كلاي» و«إفراج» و«الست موناليزا».. المشاهد هو الفائز الحقيقي في موسم متنوع

- صخب «الترند» لا يصنع القيمة.. والأعمال الجيدة تفرض حضورها بهدوء

- اتركوا الحكم للجمهور.. فالنجاح الحقيقي لا يحتاج إلى «هاشتاج» ليؤكد نفسه

تابعت باهتمام بالغ اشتعال منصات التواصل الاجتماعي بسجال واسع حول معركة قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها بالغة التعقيد في جوهرها من هو الأعلى مشاهدة في دراما رمضان هذا العام؟ ومن تصدر السباق؟ ومن يملك العمل «الأفضل»؟، ومع كل منشور جديد أو رقم متداول أو قائمة متداولة بين الجمهور، تتسع دائرة الجدل أكثر فأكثر، حتى بدا المشهد وكأنه سباق محتدم على منصب «الأول» في موسم لا يزال في منتصف الطريق، غير أن الحقيقة التي لا يمكن إغفالها أن الدراما ليست سباق أرقام فقط، بل حالة فنية وجماهيرية تتشكل ملامحها في وجدان المشاهد قبل أي مؤشر آخر.

ولا شك في أن هذا الحراك في حد ذاته ظاهرة صحية، بل يمكن اعتباره دليلا على حيوية الموسم الدرامي ونجاحه في جذب الانتباه وإثارة النقاش، فحين يتحول العمل الفني إلى محور حديث الجمهور، فهذا يعني أن الدراما ما زالت قادرة على التأثير وصناعة الجدل، وهو أمر يصب في النهاية في مصلحة المشاهد قبل أي طرف آخر.

لكن في خضم هذا السباق المحموم، ربما يكون من الحكمة أن نخفف قليلاً من وطأة المصطلحات القاطعة مثل «الأعلى» و«الأول» و«الأفضل»، فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن كل نجم شارك في هذا الموسم اجتهد وقدم ما لديه، وكل عمل يحمل بصمة فريق كامل بذل جهداً كبيراً ليخرج إلى الشاشة.

لقد حقق النجم أحمد العوضي نجاحا واضحا من خلال مسلسل «على كلاي»، إذ استطاع العمل أن يحصد نسب مشاهدة مرتفعة وأن يثير تفاعلاً ملحوظاً بين الجمهور، وهو ما يعكس حضور العوضي الجماهيري وقدرته على جذب المتابعين إلى أعماله.

وفي السياق نفسه، يظل النجم عمرو سعد واحداً من الأسماء المهمة في خريطة الدراما المصرية، وقد أكد ذلك من جديد عبر مسلسل «إفراج» الذي حقق بدوره حضورا جماهيريا لافتا، مستفيدا من خبرة سعد الطويلة وقدرته على تقديم شخصيات ذات طابع خاص.

أما النجمة مي عمر فقد استطاعت عبر مسلسل «الست موناليزا» أن تصنع حالة واسعة من التفاعل، حيث حقق العمل جماهيرية كبيرة وتحول إلى مادة ثرية للنقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو مؤشر واضح على وصوله إلى قطاع واسع من الجمهور.

والحق يقال فقد قدمت مي عمر في مسلسل «الست موناليزا»، أداء يؤكد تطور أدواتها الفنية وقدرتها على الإمساك بتفاصيل الشخصية بدقة وثقة، فقد بدت حاضرة بقوة في كل مشهد، تمتلك مساحة الأداء بوعي واضح وإحساس محسوب، لتمنح الشخصية عمقا دراميا يتجاوز حدود الحوار المكتوب، هذا الحضور الطاغي لم يكن مجرد حضور شكلي أمام الكاميرا، بل انعكس في قدرتها على إدارة المشاهد والانفعال معها بمرونة، وهو ما جعل العمل محط اهتمام واسعا على منصات التواصل الاجتماعي.

كل هذه النجاحات حقيقية ولا يمكن إنكارها، لكنها في النهاية تظل جزءاً من صورة أكبر عنوانها "تنوع الدراما وتعدد أبطالها"، ولذلك ربما يكون الأجمل أن يفرح كل فريق بثمرة اجتهاده، وأن يحتفي كل نجم بما حققه من صدى لدى الجمهور، من دون أن يتحول الأمر إلى معركة مفتوحة حول من يتصدر ومن يتراجع، ففي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي بيد المشاهد وحده، هو الذي يختار ما يتابعه، وهو الذي يمنح العمل عمره الحقيقي في الذاكرة، وهو أيضاً الذي يقرر أي الأعمال تبقى وأيها يمر مروراً عابراً.

ولا يعني الحديث عن نجومية بعض الأعمال تجاهل مسلسلات أخرى قدمت نفسها بهدوء لكنها نجحت في لفت الانتباه، مثل مسلسل «عين سحرية» للنجم باسم سمرة بمشاركة عصام عمر، وكذلك مسلسل «اتنين غيرنا» للنجمة دينا الشربيني والنجم آسر ياسين، وغيرهما من الأعمال التي تثري المشهد وتمنح الموسم تنوعه.

ومن زاوية أخرى، ربما يكون من المفيد التذكير بأن معايير النجاح في الدراما لم تعد تقاس بمؤشر واحد فقط، فزمن الشاشة التقليدية الذي كان يعتمد على نسب المشاهدة وحدها قد تغير كثيراً مع اتساع الفضاء الرقمي، حيث بات التفاعل على المنصات الاجتماعية، وعدد المقاطع المتداولة، وحجم النقاش حول العمل جزءاً من معادلة التأثير. ولهذا فإن الحكم القاطع على عمل ما بأنه «الأول» أو «الأكثر نجاحاً» يصبح حكماً نسبياً إلى حد كبير، لأن لكل منصة جمهورها وطبيعة تفاعلها المختلفة.

كما أن طبيعة الدراما نفسها تقوم على فكرة التعدد والتنوع، فليس مطلوباً من جميع الأعمال أن تتشابه في إيقاعها أو موضوعاتها أو حتى في حجم جماهيريتها. فهناك أعمال تخاطب الجمهور الواسع بلغة مباشرة، وأخرى تعتمد على تفاصيل أكثر هدوءاً وتراكمات درامية تحتاج إلى وقت كي تتكشف قيمتها. وفي الحالتين، تبقى القيمة الحقيقية في قدرة العمل على ترك أثر حقيقي لدى المشاهد، مهما اختلفت أدواته أو مساراته.

ولا يمكن كذلك إغفال الدور الكبير الذي يلعبه صناع الدراما خلف الكاميرا في صناعة هذا النجاح، فالمخرج والكاتب ومدير التصوير وفريق الإنتاج هم شركاء أساسيون في كل لحظة نجاح تُنسب إلى نجم أو عمل. فالدراما في جوهرها عمل جماعي تتكامل فيه الرؤى والجهود، ولهذا فإن أي عمل يحقق صدى جماهيرياً واسعاً إنما يعكس منظومة كاملة من الاجتهاد والعمل المتواصل الذي يقف وراء الصورة النهائية التي تصل إلى المشاهد.

ومن الملاحظ أيضاً أن الموسم الرمضاني هذا العام يشهد حالة من التنوع الواضح في الموضوعات المطروحة، بين الأعمال الشعبية ذات الإيقاع السريع، والدراما الاجتماعية التي تغوص في العلاقات الإنسانية، إلى جانب مسلسلات التشويق والغموض. هذا التنوع يمنح الجمهور مساحة أوسع للاختيار، ويجعل من الموسم مساحة ثرية للتجارب المختلفة، بدلاً من أن يكون مجرد سباق ضيق حول عمل واحد أو نجم واحد.

ولعل أجمل ما في هذا المشهد كله أن الجمهور نفسه أصبح أكثر وعياً وتفاعلاً مع ما يشاهده، فلم يعد مجرد متلقٍ صامت، بل صار شريكاً في صناعة حالة الجدل حول الأعمال الدرامية، يعلق ويحلل ويناقش ويقارن. وهذه الحيوية في التفاعل هي في حد ذاتها علامة إيجابية تؤكد أن الدراما ما زالت حاضرة بقوة في الوجدان العام، وأنها قادرة على إشعال النقاش وإثارة الأسئلة، وهي الوظيفة الأسمى لأي فن حقيقي.

والحق أن الفن، في جوهره، لم يخلق ليقاس فقط بالأرقام، بل بالأثر الذي يتركه في الوجدان، فالعمل الذي يلامس الناس بصدق قد يعيش في الذاكرة سنوات طويلة، حتى وإن لم يتصدر قائمة المشاهدات في لحظة ما، ولهذا يصبح من الضروري أحياناً أن نتوقف قليلاً أمام هذا الضجيج الرقمي، لننظر إلى الصورة الأوسع: موسم درامي غني بالتجارب والنجوم والجهود التي تستحق التقدير بعيداً عن منطق السباق الضيق.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأبسط والأصدق: افرحوا بنجاحكم.. فأنتم نجوم مجتهدون وحاضرون بقوة في المشهد. لكن دعوا الحكم الأخير للمشاهد، لأنه صاحب الكلمة التي لا تعلو عليها كلمة، فالفن في جوهره ليس سباق أرقام بقدر ما هو مساحة تأثير وذاكرة شعورية، وما يبقى في القلب والعقل هو العمل الذي استطاع أن يلامس الناس لا العمل الذي قيل عنه إنه «الأول».

الصفحة السابعة من العدد رقم 455 الصادر بتاريخ  12 مارس 2026
 
تم نسخ الرابط