محمد فودة يكتب عن: وسام الأبوة والإنسانية.. الشيخ محمد بن راشد يهدي وسامه الشخصي لبطلة مصرية في لفتة تجسد أسمى معاني التقدير والاحتواء
- حاكم دبي يكرم ميار عثمان تقديرا لتفوقها في تحدي القراءة العربي.. ويحول لحظة التتويج إلى مشهد استثنائي يعكس قيمة العلم ونبل المشاعر
- تحدي القراءة العربي.. مبادرة حضارية تستقطب أكثر من 40 مليون طالب من 60 دولة وتفتح آفاق المعرفة أمام الأجيال الجديدة
- ميار عثمان.. ابنة برج البرلس ترفع علم مصر على منصة التتويج وتقدم نموذجا ملهما في الاجتهاد والإرادة والتفوق
- الشيخ محمد بن راشد.. قيمة إنسانية رفيعة ونموذج ملهم في تكريم الإنسان والاحتفاء بالعلم
ليست كل المواقف التي تستحق التقدير مرتبطة بإنجاز كبير أو قرار مؤثر، فبعض المواقف تكتسب قيمتها الحقيقية من قدرتها على ملامسة القلوب، وتلك هي الصورة التي جسدها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في مشهد إنساني بالغ الرقة، خلال تتويج الطفلة المصرية ميار عثمان بطلة لتحدي القراءة العربي في دورته العاشرة لعام 2026، بعدما اختار أن يمنح لحظة انتصارها مساحة أوسع من التكريم الرسمي، وأن يشاركها فرحتها بعفوية إنسانية تعكس تقديره للطفولة واعتزازه بالعلم والمعرفة.
لقد كان المشهد أكبر من مجرد مراسم تتويج، فالطفلة المصرية ذات الأحد عشر عاما، القادمة من مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، وقفت على منصة الأبطال ملتفة بعلم مصر، وقد غلبتها دموع الفرح بعد رحلة من الاجتهاد والقراءة والمنافسة مع ملايين الطلاب من مختلف أنحاء العالم، وفي تلك اللحظة لم يتعامل الشيخ محمد بن راشد مع دموعها باعتبارها مجرد انفعال بسيط أمام الكاميرات، بل اقترب منها في لفتة أبوية رقيقة، محاولا تهدئتها ومواساتها بكلمات بسيطة وعميقة، قائلا لها: «أنت جميلة وأنت لا تبكين، هذه دموع الفرح»، ثم أهدى إليها وسامه الشخصي الخاص، في تكريم يحمل قيمة معنوية تتجاوز بكثير قيمة الوسام نفسه.
وأعتقد أن أجمل ما في هذه اللحظة أنها كشفت عن جانب إنساني لا تصنعه البروتوكولات ولا تمنحه المناصب، فالقائد الذي يدرك قيمة الإنسان لا يكتفي بالاحتفاء بالإنجاز، وإنما يمنح صاحبه شعورا صادقا بأن جهده محل تقدير، وأن فرحته تستحق المشاركة، وهذا تحديدا ما حملته لفتة الشيخ محمد بن راشد، الذي لم يكتف بتهنئة ميار على فوزها، وإنما احتضن مشاعر طفلة وجدت نفسها فجأة أمام لحظة تفوق تفوق قدرتها على التعبير، فكان قريبا منها بكلماته وتصرفه، ومنحها ذكرى ستظل على الأرجح من أغلى ما تحتفظ به طوال حياتها.
وللحق فإن وسام الشيخ محمد بن راشد في هذه المناسبة يحمل دلالة خاصة، فهو ليس مجرد قطعة تمنح في حفل رسمي، وإنما رسالة تقدير لطفلة آمنت بقيمة القراءة، وبذلت جهدا حتى وصلت إلى منصة التتويج، ورسالة أخرى إلى ملايين الأطفال بأن المعرفة تستحق الاحتفاء، وأن التفوق لا يعرف حدودا جغرافية أو اجتماعية، وأن أبواب المستقبل تظل مفتوحة أمام كل من يمتلك الإرادة والشغف والرغبة في التعلم.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن الرؤية التي قامت عليها مبادرة تحدي القراءة العربي، التي تجاوزت فكرة المسابقة التقليدية لتصبح مشروعا ثقافيا وتعليميا واسع التأثير، يضع الكتاب في قلب اهتمام الأجيال الجديدة، ويعيد الاعتبار للقراءة باعتبارها وسيلة أساسية لبناء الوعي وتوسيع المدارك وصقل الشخصية، فالمبادرة لا تحتفي بمن يقرأ عددا أكبر من الكتب فحسب، وإنما تشجع الأطفال على الفهم والتحليل والتفكير والتعبير، وتمنحهم فرصة اكتشاف قدراتهم وصياغة أحلامهم على أساس من المعرفة.
والأرقام التي حققتها الدورة العاشرة تكشف حجم هذا المشروع وأثره، بعدما تجاوز عدد المشاركين 40 مليون طالب وطالبة من 60 دولة، في مشاركة تعكس اتساع دائرة الاهتمام بالقراءة واللغة العربية، وتؤكد أن الاستثمار في عقول الأطفال ليس عملا موسميا أو نشاطا مدرسيا محدودا، وإنما مسؤولية ممتدة تجاه مستقبل المجتمعات العربية، فكل طفل يكتشف متعة الكتاب، وكل طالب يتعلم أن المعرفة تمنحه القدرة على الفهم والاختيار، يمثل إضافة حقيقية لمجتمعه ووطنه، ومن هنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به دولة الإمارات العربية المتحدة والشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في دعم المبادرات التي تجعل الإنسان محور التنمية، وتمنح التعليم والثقافة مكانة متقدمة في بناء المستقبل، فالقيمة الحقيقية لأي مشروع حضاري لا تكون بحجم المشاركات أو عدد الجوائز، وإنما بما يتركه من أثر في سلوك الأجيال وطريقة تفكيرها، وبما يقدمه من فرص حقيقية أمام الأطفال لاكتشاف مواهبهم والإيمان بقدراتهم، وتحدي القراءة العربي يقدم نموذجا واضحا لهذا المعنى، من خلال جمعه بين التنافس الإيجابي والاحتفاء بالكتاب والاعتزاز باللغة العربية، أما ميار عثمان، فقد عادت إلى مصر وهي تحمل أكثر من لقب بطلة الدورة العاشرة، فقد حملت معها فخر أسرتها ومدينتها ومحافظتها ووطنها، وأصبحت قصتها مصدر إلهام لأطفال كثيرين، يمكنهم أن يروا في تجربتها دليلا على أن الأحلام الكبيرة قد تبدأ من مدينة صغيرة، وأن طريق النجاح لا يحتاج إلى ضجيج أو ادعاء، وإنما إلى شغف حقيقي وعمل متواصل وإيمان بقيمة ما نتعلمه.
وأحسب أن المشهد الذي جمع الشيخ محمد بن راشد بميار سيظل من أكثر لحظات هذه الدورة تعبيرا عن المعنى الحقيقي للتكريم، فهناك فرق بين أن تمنح فائزا جائزة، وأن تمنحه في الوقت نفسه لحظة إنسانية تظل محفورة في ذاكرته، وبين أن تحتفي بطفلة لأنها تفوقت، وأن تشعرها بأن فرحتها تعني لك شيئا، لقد كان الوسام الشخصي الذي أهداه الشيخ محمد بن راشد لميار رسالة محبة وتقدير، اختصرت في لحظات قليلة معاني التواضع والاحتواء والاهتمام بالإنسان.
تحية تقدير للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على هذا الموقف الذي يليق بقيمة الإنسان ومكانة العلم، وتحية من القلب لميار عثمان التي رفعت علم مصر عاليا بجهدها وتفوقها، وتحية لكل القائمين على تحدي القراءة العربي، فهذا هو الاستثمار الذي تحتاج إليه أمتنا، وهذا هو الطريق الذي يستحق أن نمنح أبناءنا الفرصة للسير فيه، فالأوطان التي تفتح أبوابها للكتاب والمعرفة إنما تفتح الطريق أمام أجيال أكثر وعيا وقدرة على صناعة مستقبلها.








