السوشيال ميديا "آفة" العصر الحديث
- أداة ممنهجة لصناعة التضليل وتفكيك المجتمعات
- تحذيرات الرئيس السيسي من مخاطر السوشيال ميديا تضع معركة الوعي في صدارة المسؤولية الوطنية
- الشائعات وتزييف الحقائق وحروب التأثير تستهدف تشكيل الرأي العام وتقويض قدرة المواطنين على التمييز بين الحقيقة والتضليل
- الهواتف والمنصات الرقمية سلاح للتلاعب بالوعي وتوجيه الرأي العام
- تشويه التاريخ واجتزاء الأحداث يهددان وعي الأجيال الجديدة بحقائق الماضي وتحديات الحاضر
تناولت في أكثر من مقال سابق مخاطر السوشيال ميديا، وتوقفت كثيرا أمام ما تحمله هذه المنصات من تأثيرات تتجاوز حدود التواصل وتبادل المعلومات، لتصل إلى تشكيل الأفكار وتوجيه السلوك والتأثير في قناعات الأفراد والمجتمعات، وكنت أرى دائما أن التعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها مجرد وسيلة تكنولوجية حديثة لا يعكس حجم التحولات التي أحدثتها في حياتنا، ولا يكشف حقيقة المخاطر التي يمكن أن تترتب على الاستخدام غير الواعي لها، لكنني أجد نفسي اليوم أمام ضرورة العودة إلى هذه القضية من زاوية أكثر عمقا، خاصة بعد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي عن خطورة الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي، وما يمكن أن تمارسه من تأثير في وعي المواطنين وتوجهاتهم، خلال كلمته في منتدى مصر 2026، وهي قضية تستحق منا جميعا وقفة جادة تتجاوز حدود التعليق العابر، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بما نقرأه أو نشاهده عبر شاشات الهواتف، وإنما بما يمكن أن تفعله هذه الوسائل في عقولنا، وكيف يمكن أن تتحول من أدوات تتيح المعرفة والانفتاح على العالم إلى وسائل للتأثير الممنهج في الأفكار والمواقف والاختيارات.
ولعل أخطر ما في هذه القضية أن التأثير لا يأتي دائما في صورة واضحة يمكن للإنسان أن يكتشفها بسهولة، أو من خلال رسالة مباشرة تطلب منه أن يغير رأيه أو يتبنى موقفا بعينه، وإنما قد يحدث بصورة تدريجية، من خلال محتوى يتكرر أمامه كل يوم، ومعلومات تقدم له بصورة منتقاة، وصور ومقاطع تثير مشاعره، ورسائل تستهدف مخاوفه أو غضبه أو إحباطه، حتى يجد نفسه مع الوقت محاطا برؤية واحدة للأحداث، ومندفعا إلى إصدار أحكام لا تستند بالضرورة إلى معرفة كاملة أو فهم دقيق لما يجري حوله، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الإنسان قد يعتقد أنه يفكر بحرية كاملة، بينما تكون مصادر معلوماته وطبيعة المحتوى الذي يتعرض له قد أسهمت بالفعل في توجيه طريقة تفكيره وتحديد ما يراه مهما وما يعتبره خطرا وما يصدقه وما يرفضه.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الرسالة التي تستحق التوقف أمامها في حديث الرئيس السيسي لا تتعلق فقط بالتحذير من الإفراط في استخدام الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي، على أهمية ذلك، وإنما تمتد إلى قضية أكبر ترتبط بحماية وعي المجتمع، والحفاظ على قدرة المواطن على التفكير المستقل والتمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين النقد الموضوعي ومحاولات التشويه، وبين الاختلاف الطبيعي في الرأي والسعي إلى دفع الناس نحو صراعات وانقسامات لا تخدم مصالحهم ولا مصالح وطنهم، فالمعركة في عالم اليوم لم تعد تدور حول امتلاك المعلومات وحدها، بل حول القدرة على توجيهها وتفسيرها وتحديد الطريقة التي تصل بها إلى الناس، والأثر الذي تتركه في عقولهم ومشاعرهم وقراراتهم.
لقد أتاحت التكنولوجيا الحديثة للبشر فرصا هائلة للحصول على المعرفة، ومتابعة الأحداث لحظة وقوعها، والتواصل مع مختلف الثقافات، والتعبير عن آرائهم ومناقشة القضايا التي تمس حياتهم، وهي مكاسب لا يمكن إنكارها أو التقليل من أهميتها، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الانفتاح إلى تدفق غير منضبط للمعلومات، وعندما يفقد المستخدم القدرة على التمييز بين المصدر الموثوق والحساب المجهول، وبين الخبر الذي يستند إلى وقائع واضحة والمحتوى الذي جرى تصميمه لإثارة الغضب أو صناعة الانطباعات أو تحقيق أهداف لا يعرف المتلقي حقيقتها، وعندما يصبح الإنسان مستهلكا لكل ما يظهر أمامه، دون أن يسأل عن مصدره أو سياقه أو الغاية من نشره، فإنه يمنح الآخرين مساحة واسعة للتأثير فيه دون إدراك منه.
والحقيقة التي يجب أن نعترف بها أن السوشيال ميديا لم تعد مجرد منصات تنقل ما يحدث في الواقع، بل أصبحت في أحيان كثيرة طرفا مؤثرا في الطريقة التي يفهم بها الناس هذا الواقع، فاختيار موضوع معين وتكراره، أو تضخيم واقعة محدودة، أو اقتطاع تصريح من سياقه، أو تقديم صورة واحدة وإخفاء بقية التفاصيل، كلها وسائل يمكن أن تغير الانطباع العام عن قضية بأكملها، دون الحاجة إلى اختلاق رواية كاذبة من البداية، وقد تكون المعلومة المنشورة صحيحة في جزء منها، لكن تقديمها بصورة مبتورة أو إغفال الظروف المحيطة بها يجعلها تؤدي إلى استنتاجات مضللة، وهو ما يفرض على المتلقي ألا يكتفي بما يظهر أمامه، بل أن يبحث عن الصورة الكاملة، ويمنح عقله فرصة للفهم قبل أن يمنح مشاعره حق إصدار الأحكام.
وأخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن تتحول هذه المنصات إلى بيئة يصعب فيها التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين الرأي والمعلومة، وبين النقد الذي يستهدف الإصلاح والمحتوى الذي يسعى إلى نشر الإحباط أو إثارة الكراهية، فليس كل ما يحظى بانتشار واسع يعبر بالضرورة عن الحقيقة، وليس كل ما يتكرر أمامنا يعكس رأي الأغلبية، كما أن كثرة التعليقات والمشاركات لا تعني بالضرورة أن القضية المطروحة تحظى بالإجماع الذي قد يتصوره البعض، إذ يمكن للتكرار وطريقة عرض المحتوى أن يصنعا لدى المستخدم إحساسا زائفا بأن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وأن الرأي الذي يراه باستمرار هو الرأي الوحيد الموجود في المجتمع.
وهنا يجب أن نتوقف أمام طبيعة الإنسان نفسه، لأن المحتوى الذي يثير الخوف أو الغضب أو الشعور بالظلم قد يدفعه إلى التفاعل بسرعة أكبر من المحتوى الذي يقدم معلومات هادئة تحتاج إلى قراءة وتأمل، وعندما تصبح سرعة الانفعال هي التي تحكم ردود الأفعال، تتراجع مساحة التفكير المتزن، ويصبح من السهل دفع الناس إلى تبني مواقف حادة قبل أن تتاح لهم فرصة التحقق من الوقائع أو الاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، وقد يجد المواطن نفسه في مواجهة مواطن آخر لا يعرفه، ولا تجمعه به خصومة حقيقية، لمجرد أن كليهما تعرض لمحتوى دفعه إلى رؤية الآخر باعتباره خصما أو تهديدا، وهنا لا تكون الخسارة في خلاف عابر بين شخصين، بل في تراجع الثقة بين أبناء المجتمع الواحد.
ومن هنا أفهم خطورة ما أشار إليه الرئيس السيسي بشأن محاولات عزل الأفراد والتأثير فيهم وتوجيههم وشحن مجموعات من المواطنين، لأن التأثير في الإنسان لا يبدأ بالضرورة من إقناعه بموقف كبير ومحدد، بل قد يبدأ بإضعاف ثقته في كل ما حوله، وإغراقه في سيل من الرسائل المتناقضة، وتغذية إحساس دائم بالغضب والرفض، حتى يصبح أكثر استعدادا لتصديق ما يتفق مع حالته النفسية، وأقل استعدادا للاستماع إلى ما يخالف قناعاته، ومع تكرار هذه العملية يمكن أن تتحول مجموعات من الأفراد إلى كتل متباعدة، لكل منها روايتها الخاصة، ومصادرها التي تثق بها، وأحكامها المسبقة التي يصعب مراجعتها، رغم أن الجميع يعيشون في وطن واحد ويتشاركون المصالح والمستقبل.
وأعتقد أن هذا الجانب يستحق اهتماما خاصا، لأن المجتمعات لا تتماسك بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج أيضا إلى حد أدنى من الثقة المتبادلة، وإلى مساحة مشتركة من الحقائق التي يستطيع المواطنون الاحتكام إليها عند الاختلاف، فإذا فقد المجتمع هذه المساحة، وأصبح كل فريق يعيش داخل عالم من المعلومات التي تؤكد أفكاره وتغذي مخاوفه، فإن الحوار يتحول إلى مواجهة، والاختلاف إلى خصومة، والنقاش العام إلى تبادل للاتهامات، ويصبح الوصول إلى حلول للمشكلات أكثر صعوبة، ليس لأن المشكلات نفسها أصبحت مستحيلة الحل، بل لأن القدرة على مناقشتها بعقلانية تراجعت تحت ضغط الانفعال والتضليل والاستقطاب.
ولا يمكن فصل هذه القضية عن محاولات التأثير في الذاكرة الوطنية، وهي النقطة التي حظيت باهتمام واضح في حديث الرئيس خلال المنتدى، فذاكرة الشعوب ليست مجرد استدعاء لأحداث مضت، وإنما هي جزء من تكوين وعيها بذاتها، وفهمها للتحديات التي واجهتها، وتقديرها للتضحيات التي قدمتها أجيال سابقة، وقدرتها على استخلاص الدروس من التجارب التي مرت بها، وعندما يجري تناول التاريخ بصورة مجتزأة، أو تقديم الأحداث المعقدة من زاوية واحدة، أو محو بعض التفاصيل وإبراز أخرى لتحقيق غرض محدد، فإن النتيجة قد تكون تكوين صورة غير مكتملة لدى الأجيال الجديدة عن ماضيها وعن الظروف التي شكلت حاضرها، وهنا تبرز مسؤولية كبيرة تجاه الشباب والأطفال الذين لم يعيشوا كثيرا من الأحداث التي مرت بها مصر خلال السنوات الماضية، لأن معرفتهم بهذه الأحداث تتشكل إلى حد بعيد من خلال ما يصل إليهم من روايات ومقاطع وصور ومعلومات، وقد لا تكون لديهم الخبرة الكافية لفهم السياقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بها، ولذلك فإن تركهم أمام محتوى متضارب دون أدوات تساعدهم على التحقق والفهم يجعلهم أكثر عرضة لتبني روايات ناقصة أو أحكام متسرعة، ولا يكون الحل في منعهم من السؤال أو مطالبتهم بتبني رأي واحد، وإنما في تقديم المعرفة الدقيقة لهم، وفتح المجال أمامهم لفهم التاريخ بأحداثه وملابساته، وإكسابهم القدرة على التمييز بين الوقائع والتفسيرات، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات التضليل المتعمد، ومن المهم هنا أن نؤكد أن الحفاظ على الذاكرة الوطنية لا يعني تجميد التاريخ أو منع مراجعته، كما أن حماية الوعي لا تعني إغلاق باب النقد أو مصادرة حق المواطنين في التعبير عن آرائهم، فالأوطان القوية لا تخشى الأسئلة، والمجتمعات الواثقة من نفسها لا ترى في كل اختلاف تهديدا، بل تمتلك القدرة على مناقشة تجاربها وأخطائها وإنجازاتها بقدر من الموضوعية والإنصاف، والتمييز بين النقد الذي يكشف الخلل ويساعد على إصلاحه، وبين التضليل الذي يتعمد تشويه الوقائع أو استغلال المشاعر لتحقيق أهداف لا علاقة لها بمصلحة الناس، وهذا التمييز ضروري حتى لا تختلط حماية الوعي بالدفاع عن الأخطاء، أو يتحول التحذير من الشائعات إلى مبرر لتجاهل الأسئلة المشروعة التي يحتاج المواطن إلى إجابات واضحة عنها.
وأقول ذلك لأنني أؤمن بأن الوعي الحقيقي لا يُبنى على المعلومات الإيجابية وحدها، ولا يتحقق بإخفاء المشكلات أو التقليل من أعبائها، وإنما يبدأ بالمصارحة، وتقديم الحقائق كاملة قدر الإمكان، والاعتراف بأوجه القصور، وشرح الظروف التي تحيط بالقرارات الصعبة، وإتاحة الفرصة أمام المواطن لكي يفهم ويقارن ويقيّم، فالمعلومة الموثوقة هي خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعة، والشفافية تمنح المجتمع القدرة على مقاومة الروايات المضللة، أما ترك الفراغ المعلوماتي دون إجابات كافية فيفتح المجال أمام الاجتهادات غير الدقيقة، ويمنح أصحاب الأهداف المشبوهة فرصة لملء هذا الفراغ بما يخدم مصالحهم، ومن هنا فإن مسؤولية مواجهة مخاطر السوشيال ميديا لا تقع على المواطن وحده، ولا يمكن اختزالها في مطالبة الناس بعدم تصديق كل ما يقرأونه، بل هي مسؤولية مشتركة تتوزع بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والأسرة وشركات التكنولوجيا نفسها، فالمؤسسات المعنية مطالبة بتقديم المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، والرد على الشائعات التي تمس مصالح المواطنين، وتوضيح الحقائق بلغة مفهومة، بعيدا عن الغموض الذي يترك مساحة واسعة للتأويل، كما أن الإعلام يتحمل مسؤولية مهنية وأخلاقية في التحقق من الأخبار قبل نشرها، وعدم الانسياق وراء السباق على المشاهدات والتفاعلات، لأن المصداقية لا تقاس بسرعة الوصول إلى الجمهور فقط، وإنما بمدى دقة ما يصل إليه وقدرته على مساعدته في فهم الواقع، أما الأسرة، فهي خط الدفاع الأول في حماية الأطفال من الاستخدام المفرط وغير الواعي لهذه المنصات، وليس المقصود هنا أن تتحول العلاقة بين الآباء والأبناء إلى مراقبة دائمة أو صراع مستمر حول الهاتف، بل أن تقوم على الحوار والتوجيه ووضع حدود متوازنة للاستخدام، وتشجيع الأبناء على القراءة والرياضة والتفاعل الاجتماعي الحقيقي، وتعليمهم ألا يتعاملوا مع كل ما يشاهدونه باعتباره حقيقة مؤكدة، وأن يسألوا عن مصدر المعلومة، وألا يشاركوا محتوى لا يعرفون مدى صحته، وأن يدركوا أن ما يظهر على الشاشات ليس بالضرورة صورة كاملة للحياة أو للناس أو للأحداث.
وأرى أن حديث الرئيس عن الاعتدال في استخدام الهواتف ومواقع التواصل الاجتماعي يكتسب أهمية خاصة في هذا السياق، لأن القضية لا تتعلق فقط بمخاطر المحتوى الذي يتعرض له الإنسان، وإنما أيضا بالوقت الذي يستهلكه في متابعته، وبالمساحة التي تستحوذ عليها هذه المنصات من يومه واهتمامه وعلاقاته، فالساعات الطويلة التي يقضيها البعض أمام الشاشات قد تأتي على حساب القراءة والتفكير والحوار الأسري والتواصل المباشر مع الآخرين، كما أن الانتقال المتواصل بين الأخبار والمقاطع والتعليقات قد يخلق حالة من التشتت تجعل من الصعب التفرغ لفكرة واحدة أو التعمق في قضية تحتاج إلى الفهم، ولذلك فإن الاعتدال ليس دعوة إلى الانعزال عن العصر أو رفض التكنولوجيا، بل هو محاولة لاستعادة السيطرة على وقتنا وانتباهنا، حتى تظل هذه الوسائل في خدمتنا ولا تتحول إلى قوة تستنزف قدرتنا على التفكير والاختيار.
ولعل من أكثر الجوانب التي تستحق الانتباه أن بعض المنصات الرقمية تعتمد على أنظمة توصية تختار للمستخدم ما يرجح أن يتفاعل معه، وهو ما قد يدفعه إلى مشاهدة المزيد من المحتوى المشابه لما سبق أن شاهده أو أبدى اهتماما به، وبمرور الوقت قد تتكون لديه صورة محدودة عن العالم، لأنه يرى باستمرار ما يوافق اهتماماته أو قناعاته، بينما تتراجع أمامه الآراء الأخرى أو المعلومات التي قد تدفعه إلى مراجعة موقفه، ولا يعني ذلك أن كل محتوى يظهر أمامنا يستهدف التلاعب بنا، لكن معناه أن طريقة عرض المعلومات ليست محايدة دائما من حيث أثرها، وأن المستخدم يحتاج إلى قدر من الوعي يجعله قادرا على توسيع مصادره، والبحث عن وجهات نظر مختلفة، وعدم ترك اختياراته الفكرية رهينة لما تقترحه عليه الشاشة، وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية في هذه القضية، وهي أن معركة الوعي تبدأ من داخل الإنسان نفسه، من قدرته على التوقف قبل إعادة نشر خبر مثير، وعلى مقاومة الرغبة في إصدار حكم سريع، وعلى الاعتراف بإمكانية أن تكون معلوماته ناقصة أو أن يكون تقديره للأحداث بحاجة إلى مراجعة، فالقوة الحقيقية لا تتمثل في أن يتمسك الإنسان برأيه مهما ظهرت أمامه من أدلة، وإنما في أن يمتلك الشجاعة الفكرية التي تسمح له بتصحيح موقفه عندما تتضح الحقيقة، وأن يدرك أن الاختلاف لا ينتقص من قيمته، وأن احترام الرأي الآخر لا يعني التخلي عن قناعاته، بل يعني الثقة في قدرته على الحوار والدفاع عن أفكاره بالحجة والمعرفة، إن المواطن الواعي ليس ذلك الذي يرفض كل ما ينشر على السوشيال ميديا، كما أنه ليس الذي يصدق كل ما يتفق مع موقفه، وإنما هو الذي يعرف أن الحقيقة تحتاج إلى تحقق، وأن الخبر يحتاج إلى مصدر، وأن الصورة قد تخفي أكثر مما تكشف، وأن الانفعال لا يصلح وحده أساسا لاتخاذ المواقف، وأن المشكلات الحقيقية لا تعالج بتضخيمها أو إنكارها، بل بفهم أسبابها والبحث عن حلول لها، وهذا النوع من الوعي هو الذي يحمي المجتمع من الوقوع في فخاخ التضليل، ويمنح المواطن قدرة أكبر على المشاركة الإيجابية في الشأن العام، دون أن يصبح أداة في يد من يسعى إلى توجيه غضبه أو استغلال مخاوفه.
ومن الضروري أيضا أن ننتبه إلى أن مواجهة التضليل لا يمكن أن تنجح إذا اكتفت المؤسسات بمطالبة الجمهور بالحذر، دون أن توفر له المعلومات التي يحتاج إليها، أو إذا جرى التعامل مع كل محتوى ناقد باعتباره شائعة، فالفصل بين النقد والتضليل يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة، وليس إلى مدى الاتفاق مع الرأي المطروح، لأن النقد المسؤول حق أصيل للمواطن، كما أن مساءلة المسؤولين ومراجعة السياسات العامة من الأدوات التي تساعد على تصحيح المسار، أما الشائعة فهي معلومة غير موثقة يجري تداولها على أنها حقيقة، والتضليل هو تقديم المعلومات أو توظيفها بطريقة تؤدي إلى تكوين صورة زائفة عن الواقع، وبين الأمرين مسافة واضحة ينبغي الحفاظ عليها حتى تظل مواجهة المعلومات الكاذبة قائمة على المصداقية والموضوعية، إن الدولة المصرية، بما تمثله من ثقل إقليمي ودولي، وبما واجهته من تحديات خلال السنوات الماضية، تحتاج إلى مجتمع يمتلك القدرة على قراءة الأحداث بوعي، وفهم طبيعة التحديات المحيطة به، والتمييز بين ما يقال بهدف الإصلاح وما ينشر بقصد التضليل، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى استمرار التواصل الواضح مع المواطنين، وتقديم المعلومات التي تساعدهم على تقييم ما تحقق وما لم يتحقق، وفهم القرارات وأسبابها، لأن الثقة لا تنشأ من مطالبة الناس بالثقة وحدها، وإنما من تراكم الحقائق والمواقف التي تمنحهم أسبابا موضوعية للاطمئنان، ومن قدرتهم على متابعة الأداء ومساءلة المسؤولين والحصول على إجابات مقنعة عن الأسئلة التي تشغلهم.
وأعتقد أن الرسالة الأهم التي ينبغي أن نخرج بها من هذا النقاش هي أن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية عقول أبنائه، وأن الوعي ليس شعارا يرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية تبدأ من طريقة تعاملنا مع الأخبار، وتمتد إلى أسلوب نقاشنا للقضايا العامة، وقدرتنا على احترام الاختلاف، وحرصنا على ألا نسمح لأي منصة أو حساب أو جهة مجهولة بأن تتحكم في مشاعرنا وتحدد لنا من نغضب منه ومن نثق به وما الذي ينبغي أن نصدقه، فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، وإنما هو أيضا ذاكرة مشتركة ومصالح متشابكة ومستقبل يتوقف جانب كبير منه على قدرة أبنائه على التفكير معا، رغم اختلافاتهم، والبحث عن حلول لمشكلاتهم بعيدا عن الانفعال والتخوين والتضليل.
وأعود إلى ما بدأت به، فقد كتبت من قبل عن مخاطر السوشيال ميديا، وسأظل أرى أن هذه القضية تستحق أن نعود إليها كلما ظهرت جوانب جديدة من تأثيرها في حياتنا، لأن التكنولوجيا تتغير بسرعة، بينما تحتاج المجتمعات إلى وقت أطول لبناء الوعي الذي يسمح لها بالتعامل معها بصورة سليمة، ولا أعتقد أن المطلوب هو أن نخاف من هذه الوسائل أو نغلق أبوابنا أمام ما تتيحه من فرص، بل أن نتعامل معها بعقول مفتوحة ووعي يقظ، وأن نعلم أبناءنا كيف يستفيدون منها دون أن يفقدوا استقلالهم الفكري أو قدرتهم على التمييز، وأن نتمسك بحقنا في المعرفة والحوار والنقد، مع إدراك أن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا بالمسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره في هذا العصر ليس معلومة فاتتنا، ولا خبرا لم نطلع عليه، بل قدرتنا على التفكير المستقل، وعلى التمييز بين ما نراه وما يراد لنا أن نراه، وبين الحقيقة كما هي والصورة التي يصنعها الآخرون عنها، فالمعركة الحقيقية ليست على الشاشات وحدها، وإنما داخل العقول التي تنظر إليها، وإذا أردنا أن نحمي مستقبل أبنائنا ونحافظ على تماسك مجتمعنا، فعلينا أن نجعل الوعي ثقافة يومية، والمعرفة مسؤولية مشتركة، والتحقق عادة لا نتنازل عنها، لأن من يحافظ على عقله قادرا على الاختيار، يحافظ على حريته في التفكير، ومن يحافظ على وعيه يمتلك فرصة أفضل لحماية نفسه ومجتمعه ووطنه من كل محاولة تستهدف تضليله أو دفعه إلى طريق لا يدرك عواقبه.

- الاتفاق
- قائمة
- الدول
- امن
- السوشيال ميديا
- الطب
- الشجاع
- الشباب
- خلاف
- شائعة
- خصم
- شائعات
- ثقافة
- قرار
- شاب
- المواطنين
- سلاح
- اليوم
- توفر
- محمد فودة يكتب
- الوعي
- اقتصاد
- صلاح
- العالم
- أحداث
- قنا
- غلق
- طرة
- اجتماع
- حكم
- تداول
- منع
- اول
- مشروع
- درة
- ضبط
- قضية
- الاقتصاد
- ادا
- تنقل
- في قنا
- الرئيس السيسي
- طالب
- مواقع التواصل الاجتماعي
- مطروح
- عامل
- السيسي
- يكشف
- نقل
- طالبة
- شخص
- رئيس
- سوشيال ميديا
- مواقع التواصل
- كرة
- يوم
- مطالب
- داخل
- البحث
- حملة
- روح
- محمد فودة
- مصر
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- التواصل الاجتماعي



