التأمين الصحي الشامل.. حين يصبح العلاج حقًا لكل مواطن
- ملايين الخدمات وتخصصات دقيقة تصل إلى المحافظات والاختبار الحقيقي أن يشعر المواطن بالأمان عندما يمرض
- النجاح ليس في ملايين الخدمات وحدها ولكن في علاج يصل إلى المواطن ويحمي أسرته من فاتورة المرض
- التأمين الصحي ينقل التخصصات الدقيقة إلى المحافظات ويخفف رحلة البحث عن العلاج
- وراء ملايين الخدمات حكايات مرضى وأسر تبحث عن الأمان.. من تطوير المستشفيات إلى حماية المواطن من تكلفة المرض
- 38.5 مليون خدمة في بورسعيد و32 مليونًا بالأقصر.. أرقام ضخمة وراءها معركة أكبر لجعل العلاج حقًا متاحًا لكل مواطن
تابعت باهتمام ما أعلنته وزارة الصحة والسكان عن حصاد ست سنوات من تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وتوقفت كثيرًا أمام الأرقام التي تحققت في بورسعيد والأقصر والإسماعيلية وغيرها من المحافظات التي دخلت المنظومة.
صحيح أن الأرقام كبيرة وتكشف حجم العمل الذي جرى خلال السنوات الماضية، لكنني لا أحب عادة أن أنظر إلى ملف الصحة باعتباره مجموعة من الأرقام والإحصاءات فقط.
وراء كل رقم هنا إنسان ذهب إلى مستشفى وهو يتألم، وأسرة كانت تنتظر نتيجة فحص أو نجاح عملية، ومريض كان يبحث عن علاج ربما لم يكن يستطيع تحمل تكلفته لو اضطر للحصول عليه بعيدًا عن مظلة التأمين الصحي.
لهذا أرى أن التأمين الصحي الشامل واحد من المشروعات التي يجب أن نقيس نجاحها بما يشعر به المواطن على الأرض.
فالمستشفى الجديد مهم والأجهزة الحديثة ضرورية وزيادة عدد الخدمات أمر جيد، لكن كل هذا لا تكون له قيمة حقيقية إلا عندما يصل أثره إلى المريض.
المواطن يريد ببساطة أن يجد طبيبًا جيدًا عندما يحتاج إليه وأن يحصل على الفحص والعلاج في الوقت المناسب دون رحلة طويلة بين المستشفيات والعيادات ودون أن تتحول فاتورة المرض إلى عبء لا تستطيع أسرته تحمله.
هذه في رأيي هي الفكرة الأساسية التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن ملايين الخدمات ومليارات الجنيهات.
الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة تعطي مؤشرًا واضحًا على حجم التجربة.
ففي بورسعيد التي كانت نقطة البداية عام 2019 تجاوز عدد الخدمات الطبية والعلاجية المقدمة لمنتفعي المنظومة 38.5 مليون خدمة، وشملت خدمات الرعاية الأولية والمستشفيات والعمليات والتدخلات الجراحية.
لكن أكثر ما لفت انتباهي ليس عدد الخدمات وحده وإنما نوعية الخدمات التي أصبحت متاحة داخل المحافظة، فقد تم توطين عدد من التخصصات الدقيقة مثل زراعة القرنية والقوقعة للأطفال وجراحات القلب المفتوح والقسطرة القلبية للكبار والأطفال والقسطرة المخية والطرفية والتدخلات الخاصة بعلاج الجلطات.
وأنا أعتبر توطين هذه التخصصات واحدًا من أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها المنظومة.
لسنوات طويلة كان المواطن في كثير من المحافظات يضطر إلى السفر إلى القاهرة بحثًا عن طبيب متخصص أو مستشفى يستطيع إجراء تدخل طبي دقيق. وكانت رحلة العلاج نفسها تتحول إلى عبء إضافي على المريض وأسرته.
تخيل مريضًا يعاني من حالة صحية صعبة ثم تطلب منه أن يسافر مئات الكيلومترات ويبحث عن مكان للإقامة ويتحمل تكاليف الانتقال والعلاج. عندما تستطيع الدولة أن توفر له هذه الخدمة داخل محافظته فنحن هنا لا نتحدث فقط عن تطوير مستشفى وإنما عن تغيير حقيقي في حياة الناس.
وتجربة الأقصر تؤكد هذا المعنى بصورة أكبر لأنها من محافظات الصعيد التي كانت تحتاج بشدة إلى زيادة الخدمات الطبية المتخصصة.
ووفق البيانات المعلنة فقد تجاوز عدد الخدمات الطبية والعلاجية المقدمة بالمحافظة 32 مليون خدمة، إلى جانب مئات الآلاف من العمليات والتدخلات الطبية وجلسات الغسيل الكلوي.
ودخلت إلى المحافظة تخصصات متقدمة مثل زراعة القوقعة والتحفيز العميق للدماغ وبعض أنواع المناظير المتقدمة وإصلاح تمددات الشريان الأورطي بالقسطرة وجراحات القلب المفتوح والقسطرة المخية والقلبية للأطفال.
بالنسبة لي هذا هو النوع من الأرقام الذي يستحق الاهتمام. ليس لأن الرقم كبير ولكن لأن وراءه معنى مهمًا يتعلق بالعدالة في توزيع الخدمات الصحية.
المواطن الذي يعيش في الأقصر أو أسوان أو أي محافظة في الصعيد من حقه أن يحصل على خدمة طبية جيدة مثل المواطن الذي يعيش في القاهرة.
ومكان الإقامة لا يجب أن يكون سببًا في حصول إنسان على فرصة أفضل للعلاج من إنسان آخر.
وإذا نجحت منظومة التأمين الصحي الشامل في تقليل هذه الفجوة فإنها تكون قد حققت واحدًا من أهم أهدافها.
وفي الإسماعيلية تبدو الصورة قريبة من ذلك.
فقد تجاوز عدد الخدمات المقدمة منذ دخول المحافظة المنظومة عشرات الملايين بين المستشفيات ومجمع الإسماعيلية الطبي ووحدات ومراكز طب الأسرة.
وهنا أريد أن أتوقف أمام طب الأسرة تحديدًا لأنني أعتقد أنه من أهم أجزاء المشروع رغم أنه قد لا يحصل على نفس الاهتمام الذي تحظى به العمليات الكبرى والمستشفيات الحديثة.
نحن في مصر اعتدنا لفترة طويلة أن نذهب إلى الطبيب بعد أن نمرض. أحيانًا ننتظر حتى يشتد الألم ثم نبدأ رحلة العلاج.
فكرة طب الأسرة مختلفة لأنها تجعل العلاقة بين المواطن والمنظومة الصحية تبدأ قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
هناك متابعة وفحص دوري وتاريخ مرضي معروف واكتشاف مبكر للأمراض ومتابعة للحالات المزمنة.
وهذا في رأيي هو الطريق الصحيح إذا كنا نريد بالفعل بناء نظام صحي حديث، لأن الوقاية والكشف المبكر يوفران على المواطن والدولة معاناة وتكاليف كبيرة كان من الممكن تجنبها.
ولهذا أرى أن إعلان التوسع في خدمات طب الأسرة يجب أن يحظى باهتمام كبير في المرحلة المقبلة.
نحن لا نحتاج فقط إلى مستشفيات تعالج الناس بعد إصابتهم بالمرض، وإنما نحتاج إلى منظومة تساعدهم على ألا يصلوا إلى المراحل الخطرة منه.
مريض السكر أو الضغط الذي تتم متابعته بصورة منتظمة قد نتجنب وصوله إلى مضاعفات خطيرة.
والمريض الذي يكتشف مرضًا في بدايته تكون فرص علاجه أفضل كثيرًا.
هذه الثقافة يجب أن تصبح جزءًا من حياتنا وليست مجرد خدمة تقدمها وحدة صحية.
لكن مع كل ما تحقق أعتقد أن التحدي الحقيقي ما زال أمامنا.
التوسع في المنظومة إلى محافظات جديدة يعني أننا سنحتاج إلى أعداد أكبر من الأطباء والتمريض والفنيين والإداريين، وسنحتاج إلى تدريب مستمر وصيانة للأجهزة ونظم إدارة قوية تستطيع التعامل مع ملايين المواطنين.
لا يكفي أن نبني مستشفى جميلًا ونضع داخله أحدث الأجهزة ثم نكتشف بعد فترة أن هناك نقصًا في الأطباء أو أن جهازًا متطورًا توقف بسبب مشكلة في الصيانة.
الاستثمار في البشر يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع الاستثمار في المباني والتكنولوجيا.
وأعتقد أيضًا أن التكنولوجيا تستطيع أن تلعب دورًا أكبر خلال السنوات المقبلة.
وجود ملف طبي إلكتروني متكامل لكل مواطن يمكن أن يوفر للطبيب صورة واضحة عن تاريخه المرضي والأدوية التي يتناولها والفحوصات التي أجراها من قبل.
هذا يوفر الوقت ويقلل تكرار التحاليل والإجراءات ويساعد الطبيب على اتخاذ قرار أفضل.
كما أن البيانات المتراكمة داخل المنظومة يمكن أن تساعد الدولة على معرفة الأمراض الأكثر انتشارًا واحتياجات كل محافظة وتوجيه الموارد والتخصصات إلى الأماكن التي تحتاج إليها بالفعل.
ومع ذلك تظل الجودة هي الاختبار الأصعب.
المواطن لا يهمه كثيرًا أن نقول له إن المنظومة قدمت ملايين الخدمات إذا ذهب إلى المستشفى ولم يجد الطبيب أو انتظر فترة طويلة أو لم يجد الدواء.
لذلك أرى أن قياس رضا المنتفعين يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من تقييم المنظومة.
علينا أن نعرف ماذا يقول الناس عن تجربتهم وأين توجد المشكلات وكيف يتم حلها.
الاعتراف بالمشكلة عندما تظهر ليس انتقاصًا من نجاح المشروع وإنما هو الطريق الطبيعي لتطويره.
وأنا أنظر إلى التأمين الصحي الشامل باعتباره مشروعًا اجتماعيًا بقدر ما هو مشروع صحي.
المرض يمكن أن يهز الوضع الاقتصادي لأسرة كاملة في أيام قليلة، خاصة إذا احتاج المريض إلى جراحة كبيرة أو علاج طويل ومكلف.
وإذا استطعنا بناء نظام يحمي الأسرة من هذه الصدمة فنحن نقدم لها أمانًا اجتماعيًا حقيقيًا.
لا ينبغي أن يضطر أب إلى الاختيار بين علاج ابنه وبين الحفاظ على احتياجات أسرته الأساسية، ولا يجب أن يكون مستوى العلاج مرتبطًا بحجم ما يملكه الإنسان من مال.
بعد ست سنوات من التجربة أعتقد أن هناك أساسًا حقيقيًا يمكن البناء عليه.
هناك ملايين الخدمات التي قدمت وهناك تخصصات دقيقة أصبحت متاحة في محافظات لم تكن موجودة بها وهناك توسع في طب الأسرة والرعاية الأولية.
لكن الطريق ما زال طويلًا والمطلوب الآن هو الحفاظ على مستوى الخدمة مع كل توسع جديد والاستثمار في الكوادر البشرية والتكنولوجيا والاستماع إلى المواطن باستمرار.
وفي النهاية أرى أن نجاح التأمين الصحي الشامل لن أقيسه بعدد المستشفيات وحدها ولا بعدد العمليات ولا حتى بملايين الخدمات
سأعتبره ناجحًا بالفعل عندما يشعر المواطن في أي محافظة أنه إذا مرض سيجد منظومة تقف إلى جواره وتحفظ كرامته وتوفر له العلاج الذي يحتاج إليه دون أن يسأل نفسه أولًا: هل أستطيع دفع ثمنه أم لا.
عندما نصل إلى هذه النقطة سنكون قد حققنا المعنى الحقيقي للتأمين الصحي الشامل وجعلنا العلاج حقًا لكل مواطن وليس ميزة يحصل عليها من يستطيع تحمل تكلفتها.

- الطب
- الدول
- فحص
- امن
- المستشفيات
- قسطرة
- اكتشاف
- التامين الصحى
- ثقافة
- ملك
- طرة
- اقتصاد
- الاستثمار
- صلاح
- النجاح
- الفن
- خالد الطوخى يكتب
- المشروعات
- المرحلة
- قرار
- توفر
- اجتماع
- علاج
- المحافظات
- اول
- وزارة الصحة
- الأقصر
- الاقتصاد
- قنا
- القاهرة
- عامل
- سرت
- حماية
- مشروع
- داخل
- ادا
- زراعة
- محافظ
- نقل
- دقيق
- البحث
- خالد الطوخى
- مصر
- كرة
- الصحة
- المحافظة
- حملة
- نتيجة
- الدواء
- مستشفى
- بورسعيد



