سطوة الترند تهدد الحقيقة وتحول السوشيال ميديا إلى محكمة بلا تحقيق

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- الفيديوهات المقتطعة على فيسبوك والمنشورات المجهولة تفرض أحكاما مسبقة قبل اكتمال الصورة

- المقاطع المبتورة من سياقها تختزل الحقيقة وتدفع الجمهور إلى أحكام متسرعة

- المنشورات المجهولة تفتح باب التشهير وتهدد سمعة الأفراد.. والجمهور يتحول إلى طرف في صناعة الإدانة

- يجب التحقق قبل النشر وانتظار الحقيقة قبل إصدار الأحكام

أكثر ما يقلقني في سطوة السوشيال ميديا ليس سرعة انتشار الخبر، وإنما سرعة تحول الانطباع إلى حكم، واللقطة إلى إدانة، والرواية الناقصة إلى حقيقة يتعامل معها الملايين وكأنها لا تحتمل الشك، فلم تعد الحقيقة في زمن السوشيال ميديا تصل إلينا كما كانت من قبل، عبر رواية مكتملة أو تحقيق واضح أو معلومات يمكن مراجعتها ومناقشتها، وإنما باتت تصل في كثير من الأحيان على هيئة مقطع قصير أو صورة مقتطعة أو منشور مجهول المصدر، ثم تبدأ بعدها رحلة طويلة من التعليقات والتفسيرات والاتهامات، وكأن المجتمع لم يعد يمتلك رفاهية الانتظار حتى تكتمل الصورة، وأصبح مستعدا لإصدار حكمه بمجرد أن يرى جزءا من الحكاية، دون أن يسأل في كثير من الأحيان عما حدث قبل هذه اللحظة أو بعدها، ومن قال الرواية الأولى، وما الذي يمكن إثباته منها وما الذي لا يزال مجرد ادعاء.

هذه الظاهرة لا تستحق التوقف أمامها باعتبارها واحدة من سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، وإنما لأنها تمس قاعدة أساسية من قواعد الحياة العامة، وهي أن الحكم على الإنسان يجب أن يسبقه التحقق من الوقائع، وأن الاتهام لا يتحول إلى حقيقة لمجرد أنه انتشر، وأن عدد المشاركات والتعليقات لا يمكن أن يكون بديلا عن الدليل، لكن ما يحدث أمامنا في أحيان كثيرة هو العكس تماما، إذ أصبح الانتشار يمنح بعض الروايات سلطة لا تستمدها من صحتها، وإنما من قدرتها على الوصول السريع إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

لقد صنعت السوشيال ميديا واقعا جديدا لم يعد فيه الترند مجرد موضوع يحظى باهتمام الجمهور، وإنما تحول في بعض الحالات إلى قوة قادرة على تحديد اتجاه النقاش العام، وتحديد من يستحق التعاطف ومن يستحق الغضب، ومن يظهر في صورة الضحية ومن يوضع في موقع المتهم، وكل ذلك قد يحدث قبل أن تظهر رواية مكتملة أو معلومة موثقة أو تحقيق يضع كل طرف أمام مسؤوليته، وهنا تكمن المفارقة الخطيرة، فالعدالة تحتاج إلى وقت حتى تجمع المعلومات وتفحص الأدلة وتستمع إلى الأطراف، بينما الترند لا يحتاج سوى إلى لقطة مثيرة أو رواية صادمة حتى يبدأ تشكيل رأي عام يصعب تغييره بعد ذلك، فالمقطع المبتور لا يكذب بالضرورة، لكنه قد يخفي الحقيقة التي تغير معنى المشهد كله، وهذه نقطة شديدة الأهمية لأن الصورة المرئية تمنح المتلقي شعورا قويا بأنه شاهد الواقعة بنفسه، بينما هو في الحقيقة شاهد جزءا منها فقط، قد نرى شخصا يرفع صوته ولا نعرف ماذا قيل له قبل ذلك، وقد نشاهد لحظة مشاجرة ولا نعرف كيف بدأت، وقد يظهر شخص في موقف يبدو صادما بينما توجد تفاصيل سابقة أو لاحقة تغير تفسير الواقعة بالكامل، ومع ذلك يتعامل البعض مع الثواني القليلة التي شاهدها باعتبارها القصة الكاملة، ثم يبدأ إصدار الأحكام وكأن ما غاب عن الكاميرا لم يحدث، فالمشكلة لا تتوقف عند المقطع، وإنما تمتد إلى المنشورات التي تنتشر دون مصدر واضح، والتي تبدأ غالبا بصياغات تمنحها قدرا زائفا من المصداقية، مثل الحديث عن مصادر خاصة أو معلومات مؤكدة أو واقعة خطيرة وقعت في مكان ما، ثم تنتقل الرواية من حساب إلى آخر، ومع كل عملية نقل تختفي صلة المنشور بمصدره الأول، حتى يصبح السؤال عن المصدر أمرا ثانويا أمام حقيقة أن الجميع يتحدث عن الموضوع، وكأن كثرة التكرار تمنح المعلومة درجة أعلى من اليقين، مع أن عشرات الحسابات يمكن أن تنقل الرواية نفسها من مصدر واحد مجهول، دون أن يضيف أي منها دليلا جديدا.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض الناس يتعاملون مع المعلومة وفقا لموقفهم المسبق، فيطلبون الدليل عندما لا تعجبهم الرواية، ثم يتخلون عن هذا الشرط عندما تكون القصة متوافقة مع غضبهم أو انطباعاتهم السابقة، وهنا لا تعد السوشيال ميديا هي المشكلة الوحيدة، وإنما يصبح الأمر مرتبطا بثقافة التعامل مع المعلومة نفسها، لأن الإنسان الذي يريد أن يصدق رواية معينة لن يحتاج في كثير من الأحيان إلى أكثر من مقطع يؤيدها، بينما قد يرى عشرات الأدلة المخالفة لها ولا يمنحها القدر نفسه من الاهتمام.

والأخطر من ذلك كله هو التشهير الإلكتروني، لأن الاتهام الذي كان في الماضي يمكن أن يظل داخل نطاق محدود، أصبح اليوم قابلا للوصول إلى أعداد هائلة من الناس خلال دقائق، وقد ينتقل من منصة إلى أخرى قبل أن يعرف الشخص الذي ورد اسمه في القصة ما الذي يحدث حوله، وإذا ثبت لاحقا أن الرواية ناقصة أو غير دقيقة، فإن التصحيح لا يمتلك في الغالب القوة نفسها التي امتلكها الاتهام، فالناس يتذكرون العنوان الصادم أكثر مما يتذكرون التوضيح، ويتذكرون المشهد الأول أكثر مما يتذكرون المعلومات التي ظهرت بعده، وقد يظل أثر الاتهام في الذاكرة حتى بعد أن تسقط الرواية التي بني عليها، وهنا تظهر مسؤولية كل فرد يستخدم هذه المنصات، لأن المشاركة ليست فعلا محايدا دائما، وإعادة النشر قد تكون سببا في توسيع دائرة الضرر، والتعليق الذي يعيد اتهاما غير موثق قد يضيف إلى المشكلة بدلا من أن يساعد في حلها، وقد يظن البعض أنه لم يفعل شيئا لأنه لم يكن صاحب المنشور الأول، بينما الحقيقة أن انتشار المنشور لا يحدث من تلقاء نفسه، وإنما من خلال سلسلة طويلة من القرارات الصغيرة التي يتخذها المستخدمون كلما ضغط أحدهم على المشاركة أو أعاد نشر مقطع أو كتب تعليقا يزيد من حدة الاتهام.

ولا يمكن تجاهل أن الترند يعمل بمنطق مختلف عن منطق العدالة، فالعدالة تبحث عن الحقيقة حتى لو كانت معقدة أو غير مثيرة، بينما الترند يبحث بطبيعته عن القصة القابلة للانتشار، ولهذا فإن الغضب يجد طريقه إلى الجمهور أسرع من التفسير، والاتهام أسرع من النفي، واللقطة الصادمة أسرع من التفاصيل، والرواية البسيطة أسرع من الحقيقة المركبة، ولذلك يصبح صاحب الرواية الأولى في موقع بالغ القوة، لأنه يضع الإطار الذي ستقرأ من خلاله بقية الأحداث، فإذا تم تقديم شخص منذ البداية باعتباره المعتدي أو المخطئ، فإن أي تفاصيل لاحقة قد يتم تفسيرها على ضوء هذا الانطباع الأول، وهذه المسألة تحديدا تحتاج إلى وعي أكبر، لأن الإنسان عندما يقتنع برواية معينة يصبح أكثر استعدادا للبحث عما يؤيدها، وأقل استعدادا لقبول ما يناقضها، وهو ما يجعل تصحيح المعلومات أكثر صعوبة مع مرور الوقت، فالرواية الأولى لا تكتفي بالوصول أولا، وإنما تترك أثرا نفسيا يجعل الروايات اللاحقة في موقف دفاعي، حتى لو كانت أكثر دقة، وهنا يصبح المجتمع أمام مشكلة حقيقية، لأن الحقيقة لا تدخل دائما إلى النقاش من موقع متساو مع المعلومة الأولى، وإنما تدخل أحيانا بعد أن يكون الحكم قد صدر بالفعل، ومع ذلك لا أرى أن الحل هو الخوف من السوشيال ميديا أو الدعوة إلى تجاهلها، فهذا لم يعد ممكنا ولا مطلوبا، فقد أصبحت هذه المنصات جزءا من الحياة اليومية ومصدرا مهما للمعلومات والتواصل والتعبير، لكن ما نحتاجه هو أن نستعيد قيمة بسيطة فقدناها تدريجيا، وهي قيمة الانتظار، أن ننتظر الرواية الأخرى، أن نسأل عن المصدر، أن نبحث عن المقطع الكامل، أن نميز بين الواقعة والتفسير، وأن نتذكر دائما أن الإنسان الذي يظهر أمامنا في عشرين ثانية لا يمكن اختزاله في عشرين ثانية، والأخطر أن الجمهور نفسه بدأ يتحول من متلق للواقعة إلى طرف فيها، فالمتابع لم يعد يكتفي بالمشاهدة أو معرفة ما حدث، وإنما يشارك في بناء الرواية وتحديد المسؤول وتوزيع التعاطف والغضب، وقد تتحول خانة التعليقات في دقائق إلى مساحة لمحاكمة كاملة لا يعرف أطرافها بعضهم بعضا ولا يملكون المعلومات الكافية عن الواقعة، ومع ذلك يتحدثون بثقة من يملك الحقيقة كاملة، وهنا تتغير طبيعة المسؤولية، لأن الخطأ لم يعد مقصورا على صاحب المنشور أو ناشر المقطع، وإنما أصبح شبكة واسعة من التفاعلات التي تمنح الرواية قوة إضافية مع كل مشاركة وتعليق وإعادة نشر، حتى يبدو الحكم الجماعي وكأنه حقيقة مكتملة، بينما هو في أحيان كثيرة مجرد اتفاق واسع على معلومات لم تكتمل بعد، وهذه أخطر لحظة في الظاهرة كلها، حين تتحول كثرة الأصوات إلى بديل عن قوة الدليل.

وللحق لا أطالب بالصمت أمام الخطأ، ولا بتجاهل الوقائع، ولا بمنع الناس من التعبير عن غضبهم، وإنما أطالب بالتمييز بين كشف الحقيقة وصناعة الإدانة، بين أن نقول إن هناك واقعة تستحق التحقيق وبين أن نقرر أن شخصا مذنب، بين أن نطرح سؤالا مشروعا وبين أن نطلق اتهاما، وبين أن نختلف مع شخص أو نرفض تصرفا وبين أن نحوله إلى متهم أمام ملايين الناس دون أن نعرف القصة كاملة، لأن المسافة بين النقد والتشهير قد تكون أحيانا مجرد جملة واحدة، لكنها جملة قادرة على إلحاق ضرر بالغ بشخص قد لا يمتلك القدرة نفسها على الوصول إلى الجمهور والدفاع عن نفسه، وأعتقد أن أخطر ما فعلته السوشيال ميديا في هذه المساحة أنها جعلت الخطأ قابلا للتوسع بصورة لم تكن موجودة من قبل، فالرواية غير الدقيقة لم تعد تبقى في دائرة صغيرة، وإنما يمكن أن تنتقل في دقائق من حساب إلى آخر ومن منصة إلى أخرى، ومع كل انتقال قد تضيف إليها التعليقات والتفسيرات تفاصيل جديدة، حتى يصبح من الصعب معرفة أين بدأت الحقيقة وأين بدأ الخيال، وقد يجد الشخص نفسه في مواجهة صورة عامة عنه لم يصنعها بنفسه ولا يستطيع السيطرة عليها، بينما يكون الضرر قد تجاوز الشاشة إلى العمل والأسرة والعلاقات والمكانة الاجتماعية.

لذلك أظن أن المعركة الحقيقية ليست مع الترند نفسه، وإنما مع فكرة أن الترند يمكن أن يحل محل الحقيقة، وأن عدد المشاهدات يمكن أن يصبح دليلا، وأن كثرة التعليقات يمكن أن تتحول إلى محكمة، وأن غضب الجمهور يمكن أن يقوم مقام التحقيق، فالمجتمع لا يصبح أكثر عدلا عندما يحكم بسرعة، ولا يصبح أكثر وعيا عندما يشارك كل ما يثير غضبه، ولا تصبح الحقيقة أكثر صدقا لأنها حصدت ملايين المشاهدات، فالحقيقة لا تحتاج إلى جمهور يهتف لها، وإنما تحتاج إلى دليل واضح ورواية مكتملة ومساحة عادلة لكل الأطراف.

المشكلة ليست أن الترند سريع، فالسرعة جزء من طبيعة العالم الرقمي، وإنما المشكلة أن عقولنا بدأت أحيانا تتعامل مع السرعة باعتبارها دليلا، وأننا أصبحنا نخلط بين انتشار الرواية وصحتها، وبين قوة التفاعل وقوة الحجة، وبين الغضب المشروع وحق إصدار الأحكام، وهنا يجب أن نتوقف طويلا أمام السؤال الأهم: ماذا يحدث لمجتمع تصبح فيه الإدانة أسرع من الحقيقة؟ 

أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نخطئ في فهم مقطع أو منشور، وإنما أن نفقد القدرة على التراجع بعد الخطأ، وأن يصبح الاعتذار أقل انتشارا من الاتهام، وأن تصبح الحقيقة التي تأتي متأخرة عاجزة عن إصلاح الضرر الذي أحدثته رواية سابقة، ولذلك فإن احترام الحقيقة يبدأ أحيانا من قرار بسيط جدا، أن نتريث قبل أن نحكم، وأن نتحقق قبل أن ننشر، وأن نتذكر دائما أن خلف كل اسم نراه على الشاشة إنسانا حقيقيا له حياة وسمعة وأسرة، وأن الكلمة التي نكتبها في لحظة غضب قد تنتهي في ثوان، لكن أثرها على حياة شخص آخر قد يستمر طويلا، الحقيقة لا تخشى الانتظار، أما الإدانة المتعجلة فهي التي تخشى أن تتأخر، وربما يكون هذا هو الفارق الذي يجب أن نتعلمه من جديد، لأن المجتمع الذي يحترم الحقيقة لا يحتاج إلى أن يكون أول من يحكم، وإنما يحتاج إلى أن يكون أكثر حرصا على ألا يظلم أحدا قبل أن يعرف الحقيقة كاملة.

الصفحة السابعة من العدد رقم 481 الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط