«فلسفة سلام الأقوياء».. كيف أدار السيسي لقاءه الحاسم مع مدير المخابرات الأمريكية بمعادلة الاستقلالية المطلقة ورفض الإملاءات؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- لماذا ترفض القاهرة سياسة المحاور وتختار التوازن الإستراتيجي؟

- ما هي دوائر الأمن القومي المصري التي لا تقبل المساومة؟

- ما هو سر الهدوء المصري في إدارة الأزمات الإقليمية والدولية؟

في عالم لم تعد فيه القوة تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية، أصبحت قدرة الدول على إدارة التناقضات الدولية، وفتح أكثر من باب في الوقت نفسه، والحفاظ على القرار الوطني بعيدًا عن الارتهان لمحور واحد، واحدة من أهم أدوات النفوذ. 

وفي قلب هذا المشهد شديد السيولة، تتحرك مصر بمنطق مختلف: لا تبحث عن خصومة مجانية، ولا تنخرط في صراعات المحاور، ولا تتعامل مع علاقاتها الدولية باعتبارها صفقة مؤقتة تُقايض فيها موقفًا بمكسب، وإنما تبني شبكة واسعة من العلاقات تسمح لها بالحركة والمناورة وحماية مصالحها في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

هذه الرؤية يمكن اختصارها في مفهوم «التوازن الإستراتيجي»، وهو المصطلح الذي تستخدمه الدبلوماسية المصرية لوصف أحد المبادئ الحاكمة لسياستها الخارجية.

وقد أكد وزير الخارجية والهجرة بدر عبد العاطي أن هذا التوازن يمثل عقيدة ممتدة في السياسة الخارجية المصرية، وأنه أصبح أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، في ظل عالم يمر بمرحلة انتقالية لا يمكن وصفها بأنها أحادية القطبية بصورة كاملة، ولا متعددة الأقطاب بصورة مستقرة. 

المعادلة هنا ليست أن تختار القاهرة بين واشنطن وموسكو وبكين، وإنما أن تتعامل مع كل قوة وفقًا لمصالح مصر، وأن تفتح قنوات التعاون مع الجميع دون أن يتحول التعاون مع طرف إلى خصومة مع طرف آخر. 

وهذا تحديدًا هو الفارق بين سياسة التوازن وسياسة المحاور؛ فالأولى تمنح الدولة مساحة حركة، بينما الثانية تجعل خياراتها مرتبطة بحسابات الآخرين.

وفي السنوات الأخيرة، ظهرت هذه المعادلة في ملفات شديدة الحساسية.

فمصر تحتفظ بعلاقات إستراتيجية مع الولايات المتحدة، وتتعامل في الوقت ذاته مع روسيا كشريك مهم في مجالات إستراتيجية واقتصادية، وتعمق شراكتها مع الصين، كما توسع حضورها في آسيا وإفريقيا، وتحافظ على علاقاتها العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، دون أن يعني ذلك وضع هذه العلاقات في مواجهة بعضها البعض.

زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في سبتمبر 2026، بالتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قدمت نموذجًا واضحًا لهذا النهج.

فقد أكدت القاهرة وبكين خلال الزيارة تعميق الشراكة الإستراتيجية الشاملة، على أساس المساواة والثقة المتبادلة والمنفعة المشتركة. 

وفي المقابل، لم تتعامل القاهرة مع علاقتها بروسيا باعتبارها بديلًا عن علاقاتها مع الغرب، بل واصلت تطوير الشراكة المصرية- الروسية، بما في ذلك مشروع محطة الضبعة النووية ومجالات التجارة والاستثمار. 

وفي سبتمبر 2026، التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة بريكس في الهند، مع تأكيد الجانبين على أهمية التعاون الثنائي، فيما أشارت البيانات المصرية إلى أن حجم التجارة بين البلدين بلغ نحو 10 مليارات دولار. 

وفي الوقت نفسه، تظل العلاقات المصرية - الأمريكية ذات وزن كبير سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، بما يعكس إدراك القاهرة طبيعة موقعها وأهمية علاقاتها مع القوى الدولية المختلفة.

لكن اللافت أن هذا الانفتاح لا يُترجم إلى تبعية سياسية لأي طرف؛ فالمبدأ الذي تعلنه مصر باستمرار هو أن العلاقات الدولية ينبغي أن تخدم المصالح الوطنية، لا أن تعيد صياغة هذه المصالح وفقًا لرغبات الخارج.

وهنا تظهر إحدى أهم سمات السياسة المصرية: عدم تحويل الخلاف إلى قطيعة، وعدم تحويل التعاون إلى تبعية.

فالقاهرة تستطيع أن تختلف مع دولة كبرى في ملف، بينما تستمر في التعاون معها في ملف آخر.

وتستطيع أن تدعم موقفًا عربيًا أو إقليميًا واضحًا، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال مع الأطراف الأخرى بما يسمح لها بلعب دور الوسيط عندما تكون هناك حاجة إلى ذلك.

وقد ظهر ذلك بوضوح في تعامل مصر مع أزمات المنطقة.

ففي ظل التصعيد الإقليمي، ركزت القاهرة على خفض التصعيد، ومنع اتساع نطاق الصراع، والتمسك بالحلول السياسية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أمن الدول العربية وسيادتها ورفض المساس بها.

وخلال اتصالاته مع عدد من القادة، شدد الرئيس السيسي على ضرورة منع انتقال الصراعات إلى دوائر أوسع، والحفاظ على أمن الملاحة وحرية حركة التجارة. 

وهذه السياسة لا تعني الوقوف على مسافة واحدة من كل الأطراف في كل القضايا، كما أنها لا تعني غياب المصالح أو الحسابات.

على العكس، جوهر التوازن هو معرفة أين تقف مصر، وما الذي تعتبره أمنًا قوميًّا، وما الذي يمكن التفاوض حوله، وما الذي لا يمكن أن يكون محل مساومة.

فالأمن القومي المصري له دوائر واضحة: أمن الحدود، وأمن البحر الأحمر وقناة السويس، واستقرار الدول العربية، وأمن المياه، والقضية الفلسطينية، واستقرار السودان وليبيا، إلى جانب حماية المصالح الاقتصادية والتجارية المصرية.

وفي ملف البحر الأحمر، تبدو أهمية هذه الرؤية بصورة خاصة.

فالممر الملاحي ليس مجرد طريق للتجارة العالمية، وإنما يرتبط مباشرة بأمن قناة السويس والاقتصاد المصري.

ولذلك تؤكد القاهرة باستمرار أهمية حرية الملاحة وأمن البحر الأحمر، مع التشديد على أن دول المنطقة المطلة عليه لها دور أساسي في إدارة أمنه.

وفي سبتمبر 2026، أكد السيسي خلال لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أهمية أمن الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، بالتزامن مع التطورات الخطيرة في اليمن والمنطقة. 

وهنا أيضًا لا تتحرك مصر بمنطق رد الفعل.

فالموقع الجغرافي يمنحها وزنًا، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها مسؤولية.

وأي اضطراب واسع في البحر الأحمر لا يهدد دولة واحدة، بل ينعكس على التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد وقناة السويس.

لذلك فإن الحفاظ على الاستقرار لا يمثل بالنسبة إلى القاهرة شعارًا دبلوماسيًا، وإنما مصلحة وطنية مباشرة.

الأمر نفسه ينطبق على العلاقة مع الدول العربية، خصوصًا دول الخليج.

فمصر لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره ملفًا بعيدًا عن أمنها القومي، بل تعتبر استقرار المنطقة العربية جزءًا أساسيًا من أمنها.

وخلال الأزمات الإقليمية الأخيرة، كثفت القاهرة اتصالاتها مع عواصم الخليج، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى تجنب توسيع نطاق المواجهات. 

وفي هذا السياق، تصبح الدبلوماسية المصرية أقرب إلى إدارة شبكة معقدة من المصالح، لا إلى الانضمام إلى معسكر في مواجهة معسكر آخر.

وهذا ما يفسر أيضًا التوسع المصري باتجاه آسيا وإفريقيا.

فالقاهرة لا تريد أن تظل علاقاتها الدولية محصورة في الدائرة التقليدية، بل تسعى إلى تنويع الشراكات الاقتصادية والسياسية، بما يمنح الاقتصاد المصري فرصًا جديدة ويقلل مخاطر الاعتماد المفرط على سوق أو قوة واحدة.

وقد أكد وزير الخارجية المصري خلال زيارته إلى الفلبين في يوليو 2026 أن القاهرة تعمل على توسيع التعاون مع دول آسيا والمحيط الهادئ، بما في ذلك دول رابطة آسيان. 

وتكتسب عضوية مصر في بريكس أهمية إضافية في هذا الإطار؛ ليس باعتبارها إعلانًا للانحياز إلى كتلة دولية ضد أخرى، وإنما باعتبارها توسيعًا لدوائر الحركة الاقتصادية والدبلوماسية المصرية.

فالعالم يتجه إلى توزيع أكبر لمراكز القوة، والدول التي تمتلك بدائل وشراكات متعددة تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها عندما تتغير موازين القوى.

وفي هذا العالم المتغير، لا تصبح القوة الحقيقية في أن تقول الدولة «لا» للجميع، ولا في أن تقول «نعم» للجميع، وإنما في أن تعرف متى تقول «نعم»، ولماذا، ومتى ترفض، وعلى أي أساس، وكيف تحافظ في الحالتين على خطوط الاتصال مفتوحة.

وهنا تحديدًا تظهر فلسفة «الند للند».

فالندّية لا تعني أن تمتلك مصر القدرات نفسها التي تمتلكها القوى العظمى، فهذا ليس هو معيار العلاقات الدولية.

وإنما تعني أن تدخل القاهرة إلى الحوار باعتبارها دولة لها مصالح واعتبارات وأمن قومي، وأن شراكاتها لا تلغي استقلال قرارها.

واللافت أن هذا النهج ينسجم مع التحولات الأوسع في النظام الدولي.

فقد أشارت دراسة حديثة لمؤسسة كارنيجي إلى أن دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتحرك بصورة متزايدة بين الولايات المتحدة والصين، سعيًا إلى تعظيم المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية، بدلًا من حصر نفسها في اختيار طرف واحد. 

لكن خصوصية الحالة المصرية تكمن في أن القاهرة لا تدير هذا التوازن من موقع دولة منعزلة عن محيطها، وإنما من موقع دولة عربية وإفريقية ومتوسطية، تتحكم في أحد أهم الممرات التجارية العالمية، وتمتلك ثقلًا سكانيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وتشارك بصورة مباشرة في ملفات غزة والسودان وليبيا والبحر الأحمر وغيرها.

لذلك فإن التوازن بالنسبة لمصر ليس رفاهية دبلوماسية، وإنما ضرورة فرضتها الجغرافيا والتاريخ وحجم المسؤوليات.

ومن هنا يمكن فهم الهدوء الذي يميز الخطاب المصري في اللحظات الأكثر توترًا.

فالدولة التي تتحرك وسط أزمات متعددة لا تستطيع أن تسمح بانفعال لحظي بأن يحدد خياراتها.

كما أن الدولة التي تعرف قيمة موقعها لا تحتاج إلى رفع سقف خطابها في كل مناسبة حتى تثبت قوتها.

القوة، في هذه الحالة، هي القدرة على الانتظار، وعلى التفاوض، وعلى إبقاء القنوات مفتوحة، وعلى استخدام أدوات متعددة في الوقت نفسه: الدبلوماسية، والاقتصاد، والشراكات الدولية، والوساطة، والتحرك العربي والإفريقي، والمؤسسات متعددة الأطراف.

وهذا يفسر لماذا تكرر القاهرة في مواقفها مفردات مثل «خفض التصعيد»، و«الحلول السياسية»، و«احترام السيادة»، و«وحدة الدول وسلامة أراضيها»، و«أمن الملاحة».

فهذه ليست مجرد لغة دبلوماسية ناعمة، وإنما إطار تتحرك من خلاله دولة تحاول منع الفوضى من الاقتراب من حدود مصالحها.

وفي النهاية، فإن «سلام الأقوياء» الذي تصنعه مصر لا يقوم على البحث عن معركة لإثبات الحضور، ولا على تقديم تنازلات للحصول على رضا طرف دولي، وإنما على معادلة أكثر تعقيدًا: تعاون واسع دون تبعية، ومرونة دون تنازل عن الثوابت، وانفتاح دون ذوبان، وهدوء لا يعني غياب القوة.

إنها سياسة تقول إن مصر لا تحتاج إلى اختيار العالم الذي تتحرك داخله، بل تستطيع أن تتعامل مع عالم متعدد المراكز وفقًا لمصالحها.

فواشنطن شريك، وبكين شريك، وموسكو شريك، والعواصم العربية شركاء، وآسيا وإفريقيا دوائر متنامية، لكن البوصلة في النهاية تظل مصرية.

وفي زمن تتغير فيه التحالفات بسرعة، وتتداخل فيه الحروب مع الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، تصبح الدولة الأقوى ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، وإنما الأكثر قدرة على إدارة التناقضات دون أن تفقد اتجاهها.

وهذه هي الفكرة الأساسية في الرؤية المصرية: أن تكون القاهرة جزءًا من معادلات القوة، لا ورقة في يد أي منها؛ وأن تتحدث مع الجميع، وتختلف مع من تختلف، وتتعاون مع من تتعاون، لكن دون أن تضع قرارها الوطني على طاولة المقايضة.

الصفحة الثانية من العدد رقم 481 الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط