عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي في بريكس.. مصر تحضر بثقلها في صناعة النظام الدولي الجديد

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- رؤية الرئيس السيسي للعالم.. الأمن والتنمية والمصالح المشتركة في مواجهة فوضى الأزمات

- القاهرة تطرح رؤيتها بوضوح أمام القوى الصاعدة وتدعو إلى شراكات تصنع الاستقرار والتنمية

- بريكس والاقتصاد المصري.. شراكات أوسع ومساحات جديدة للاستثمار والتمويل والتجارة

هناك زيارات رئاسية يمكن قراءتها من زاوية البروتوكول والمشاركة في القمم الدولية، وهناك زيارات أخرى تتجاوز هذا الإطار لتصبح مناسبة لقراءة موقع الدولة ومصالحها وطريقة نظرها إلى العالم من حولها، ومن وجهة نظري فإن مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تجمع بريكس بالعاصمة الهندية نيودلهي تنتمي بوضوح إلى النوع الثاني، لأنها لم تكن مجرد حضور مصري في تجمع اقتصادي وسياسي كبير، وإنما كانت فرصة لتقديم رؤية مصرية واضحة تجاه عالم شديد الاضطراب، يبحث عن قواعد أكثر عدلا وتوازنا للتعاون والتجارة والتنمية.

ما استوقفني في كلمة الرئيس أمام قادة دول بريكس هو ذلك الربط المباشر بين ملفات تبدو في ظاهرها متباعدة، لكنها في الحقيقة شديدة الارتباط ببعضها، فالأمن لا يمكن فصله عن التنمية، والتنمية لا يمكن أن تستمر بدون استقرار، والاستقرار نفسه لا يكتمل بدون تجارة مفتوحة وطاقة آمنة وسلاسل إمداد مستقرة وممرات مائية تعمل بكفاءة، وهي معادلة تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها شديدة الأهمية في عالم أصبح يدفع ثمن الصراعات السياسية والاضطرابات الإقليمية من اقتصاده وأمنه الغذائي وحركة التجارة الدولية.

وأعتقد أن أهمية كلمة الرئيس لا تتوقف عند ما قيل فيها، وإنما تمتد إلى المكان الذي قيلت فيه، فبريكس لم يعد مجرد تجمع للدول الصاعدة بالمعنى التقليدي، وإنما أصبح إحدى المساحات المهمة التي تتحرك فيها مجموعة من الاقتصادات الكبرى والدول المؤثرة في الجنوب العالمي، ومن هنا فإن حضور مصر في هذا الإطار يمنحها مساحة إضافية للتعبير عن رؤيتها ومصالحها، ويفتح أمامها أبوابا أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري، خاصة أن القاهرة لا تنظر إلى بريكس باعتباره ناديا سياسيا مغلقا، وإنما فرصة لبناء شراكات عملية أكثر قدرة على خدمة المصالح المشتركة، وهنا تحديدا أتوقف أمام فكرة مهمة طرحها الرئيس، هي ضرورة الانتقال من تبادل الرؤى إلى الأدوات التنفيذية والمشروعات العملية، لأن العالم لم يعد يحتمل كثيرا من البيانات والقمم التي تنتهي بانتهاء جلساتها، بينما تبقى المشكلات كما هي، فالدول النامية تحتاج إلى تمويل، والأسواق تحتاج إلى سلاسل إمداد أكثر استقرارا، والاقتصادات تحتاج إلى فرص استثمار حقيقية، والشعوب تحتاج إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياتها، ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي تجمع دولي تقاس في النهاية بما يستطيع أن يقدمه على الأرض.

ومن هنا تبدو الرؤية المصرية تجاه بريكس شديدة الواقعية، فمصر لا تبحث عن شعارات سياسية بقدر ما تبحث عن مساحات جديدة للحركة الاقتصادية، ولا تتعامل مع التغيرات في النظام الدولي باعتبارها صراعا بين معسكرات بقدر ما تنظر إليها باعتبارها فرصة لتنويع الشراكات وحماية المصالح الوطنية، وهذه في تقديري واحدة من أهم ملامح السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وهي عدم وضع الاقتصاد والسياسة في مسارين منفصلين، وإنما التعامل معهما باعتبارهما جزءا من منظومة واحدة تخدم الدولة ومصالحها، ولعل ملف الملاحة الدولية كان من أكثر الملفات دلالة في كلمة الرئيس، فمصر بحكم موقعها الجغرافي لا تستطيع أن تنظر إلى اضطراب حركة الملاحة باعتباره أزمة بعيدة عنها، فاستقرار طرق التجارة الدولية يرتبط بصورة مباشرة بالاقتصاد المصري وبقناة السويس وبحركة التجارة بين الشرق والغرب، ولذلك فإن الحديث عن حرية الملاحة واستقرارها ليس مجرد موقف دبلوماسي، وإنما تعبير واضح عن مصلحة مصرية مباشرة، وفي الوقت نفسه عن إدراك للدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في حماية حركة التجارة العالمية واستقرارها، والأهم أن الرئيس لم يتعامل مع الملاحة بمعزل عن التطورات الإقليمية، وإنما وضعها داخل صورة أوسع، فالأزمات التي تضرب الشرق الأوسط لا تبقى داخل حدوده، وإنما تمتد آثارها إلى الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي، وهنا تظهر أهمية الرؤية المصرية التي تقول ببساطة إن استقرار المنطقة ليس مطلبا سياسيا فقط، وإنما ضرورة اقتصادية عالمية، وكلما اتسعت دوائر الصراع اتسعت معها تكلفة عدم الاستقرار على الجميع.

كما أن الحديث عن الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة يحمل أيضا أهمية خاصة بالنسبة لمصر، لأن هذه الملفات لم تعد قضايا قطاعية يمكن التعامل معها كل على حدة، وإنما أصبحت مرتبطة بمستقبل الدول وقدرتها على حماية اقتصاداتها ومجتمعاتها، ولذلك كان لافتا أن تضع مصر هذه الملفات في قلب رؤيتها للتعاون داخل بريكس، إلى جانب الحديث عن تطوير مركز للحبوب واللوجستيات بما يدعم الأمن الغذائي ويعزز موقع مصر كمركز إقليمي للتجارة واللوجستيات، وهذه النقطة تحديدا تستحق التأمل، لأن مصر لا تتحدث هنا فقط عن استيراد الغذاء أو تأمين الاحتياجات المحلية، وإنما عن استثمار موقعها الجغرافي وقدراتها اللوجستية في بناء دور اقتصادي أكبر، فالدولة التي تقع عند نقطة التقاء طرق التجارة بين قارات العالم الثلاث تستطيع أن تحول موقعها من مجرد ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية حقيقية، وهو ما يجعل مشروعات النقل واللوجستيات والموانئ ومراكز التخزين والتجارة جزءا من تصور أوسع لمستقبل الاقتصاد المصري، كما أن رؤية الرئيس تجاه الإصلاح المالي الدولي وتطوير أدوات تمويل أكثر ملاءمة للدول النامية تحمل دلالة مهمة، لأن أزمة التنمية في كثير من دول الجنوب لم تعد مرتبطة فقط بغياب الرغبة في التطوير، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بارتفاع تكلفة التمويل وضيق المساحة المالية أمام الحكومات، ولذلك فإن الدعوة إلى تطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة وتقوية دور بنك التنمية الجديد في بريكس تأتي في توقيت يحتاج فيه العالم إلى مقاربات جديدة لا تجعل الدول النامية تدفع وحدها ثمن أزمات دولية لم تكن سببا فيها.

وأرى أن الملف المناخي جاء أيضا في سياق متوازن، فمصر لا ترفض التحول نحو اقتصاد أقل انبعاثا، لكنها في الوقت نفسه تؤكد ضرورة أن يكون هذا التحول عادلا وواقعيا، يراعي اختلاف ظروف الدول وقدراتها واحتياجاتها التنموية، وهي رؤية تبدو منطقية إذا وضعنا في الاعتبار أن الحديث عن المناخ لا يمكن أن ينفصل عن الحديث عن التنمية، خاصة في الدول التي لا تزال تخوض معركتها الأساسية من أجل توفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة وبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود.

وفي الصورة الأكبر تبدو مشاركة الرئيس في قمة بريكس جزءا من حركة مصرية أوسع نحو تنويع دوائر التعاون والشراكة، وهي سياسة أراها ضرورية في عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية تسير وفق قواعد ثابتة كما كانت من قبل، فالدول تبحث عن مصالحها، والاقتصادات تبحث عن أسواق جديدة، والتحالفات تتغير، ومراكز القوة تتعدد، ومن الطبيعي أن تبحث مصر عن موقع يحفظ لها استقلال قرارها ويمنح اقتصادها فرصا أوسع للحركة والتعاون، واللافت أيضا أن مصر تنظر إلى بريكس باعتباره فرصة لبناء شراكات عملية وتطوير منظومة اقتصادية دولية أكثر توازنا وقدرة على الاستجابة لتطلعات الشعوب، وهذه العبارة تختصر كثيرا من فلسفة المشاركة المصرية، فالقضية ليست في تغيير طرف بطرف، ولا في الانتقال من محور إلى محور، وإنما في توسيع مساحة الخيارات أمام الدولة المصرية، وفتح أبواب جديدة للتجارة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا والتعاون التنموي.

وأعتقد أن أهم ما حملته مشاركة الرئيس السيسي في قمة بريكس هو أن مصر تتعامل مع التحولات الدولية بعين مفتوحة، لا تنكر صعوبة اللحظة ولا تستسلم لها، وإنما تحاول أن تبحث داخلها عن الفرص الممكنة، وهذا هو المعنى الحقيقي للدبلوماسية في زمن الأزمات، أن تحمي الدولة مصالحها، وتوسع خياراتها، وتبني علاقاتها على أساس الاحترام المتبادل، وتضع الاقتصاد في قلب تحركها الخارجي، ومن نيودلهي جاءت الرسالة المصرية واضحة، الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، واستقرار التجارة والملاحة ليس قضية تخص دولة بعينها، وإنما مصلحة عالمية، وبريكس يمكن أن يكون أكثر من تجمع للدول إذا نجح في تحويل الأفكار إلى مشروعات والشراكات إلى نتائج، ومصر تريد أن تكون جزءا فاعلا من هذا المسار، لا مجرد دولة تتابع ما يحدث من بعيد، وفي تقديري فإن هذا هو جوهر زيارة الرئيس، مصر تنظر إلى المستقبل، وتعرف أن موقعها فيه لن تحدده الظروف وحدها، وإنما قدرتها على الحركة وصناعة الفرص والدفاع عن مصالحها بثقة وهدوء.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 480 الصادر بتاريخ 17 سبتمبر 2026
 
تم نسخ الرابط