محمد فودة يكتب عن أزمة شركة «تطوير مصر»:بريق الحفلات لا يخفي أزمات التسليم
- شركة «تطوير مصر» تستغل نجومية الفنانين لتلميع صورتها المهزوزة أمام عملائها
- شكاوى العملاء من التأخير تبحث عن إجابة.. وحفلات النجوم تتصدر المشهد الدعائي
- استدعاء النجوم لا يصنع الثقة.. العميل يريد مفتاح وحدته لا نجما يلمع فوق السجادة الحمراء
لا أعرف لماذا تصر بعض شركات التطوير العقاري على التعامل مع الفنانين وكأنهم جزء من مواصفات الوحدة العقارية، وكأن وجود نجم مشهور في حفل داخل المشروع يمكن أن يمنح العميل ضمانا إضافيا على جودة ما سيشتريه، أو أن صورة الفنان على السجادة الحمراء يمكن أن تحل محل سؤال بسيط ومشروع: متى سأستلم وحدتي؟.
وأنا هنا أتحدث تحديدا عن شركة تطوير مصر، التي اختارت في الساحل الشمالي أن تجعل من الحفلات والنجوم ونجوم المجتمع جزءا رئيسيا من مشهدها الدعائي، إلى درجة يصبح معها الفنان أحيانا هو بطل الرسالة التسويقية، بينما يتراجع المنتج العقاري نفسه إلى الخلف، وتصبح الأضواء أقوى من التفاصيل التي يحتاجها العميل قبل أن يضع أمواله في مشروع يمتد التعاقد عليه لسنوات.
الفنان الذي يظهر في هذه الفعاليات لا يأتي إلى المكان باعتباره مشتريا أو مستشارا هندسيا، لكنه يتحول بحكم شهرته إلى أداة تأثير شديدة القوة، فوجوده داخل المشروع، وظهوره على السجادة الحمراء، وانتشار صوره من المكان، كلها رسائل تسويقية غير مباشرة تقول للجمهور إن هذا هو المكان الذي يوجد فيه النجوم، وإن هذا هو المستوى الذي يستحق أن تدفع فيه أموالك.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية في المسألة، لأن العميل المحتمل لا يرى الإعلان التقليدي فقط، وإنما يرى المشهد كله، فنان محبوب، ومشروع فاخر، وحفل ضخم، ووجوه معروفة، وصور تتصدر منصات التواصل، فيتكون لديه انطباع نفسي بأن المشروع ناجح ومضمون، بينما لا علاقة مباشرة بين شهرة الفنان وبين قدرة الشركة على الالتزام بموعد التسليم أو تنفيذ ما وعدت به في العقد.
أفهم تماما أن التسويق جزء أساسي من صناعة العقار، وأفهم أن الشركات تحتاج إلى جذب العملاء في سوق شديد المنافسة، لكنني أتساءل عندما تصبح الحفلات الضخمة والنجوم جزءا أساسيا من استراتيجية البيع، ألا يجب أن يكون المنتج نفسه على الدرجة ذاتها من القوة؟، لأن المشكلة ليست في أن تقيم تطوير مصر حفلا، ولا في أن تستضيف فنانا، ولا في أن تظهر أسماء معروفة في فعالية بالساحل، وإنما في أن يتحول هذا الحضور إلى واجهة طاغية تجعل العميل يرى المشاهير قبل أن يرى نسب التنفيذ، ويسمع الأغاني قبل أن يسمع إجابة واضحة عن التسليم، ويتابع صور السجادة الحمراء قبل أن يعرف أين وصلت وحدته التي دفع فيها ملايين الجنيهات.
الفنان بالنسبة إلى الشركة ليس مجرد شخص يقف على المسرح، وإنما قيمة دعائية ضخمة، فصورة واحدة للنجم داخل المشروع يمكن أن تصل إلى ملايين المتابعين، وحفل واحد يمكن أن يتحول إلى عشرات الأخبار والمنشورات والمقاطع، وهكذا تتحول شهرة الفنان إلى ماكينة تسويق للمكان، ولا أرى مشكلة في ذلك من حيث المبدأ، لكنني أرى أن المشكلة تبدأ عندما يستخدم هذا البريق لصناعة حالة من الثقة تتجاوز المعلومات الحقيقية المتاحة أمام العميل.
فالعميل لا يستطيع أن يضع صورة الفنان في عقد البيع، ولا يستطيع أن يحتج بها عندما يتأخر التسليم، ولا يستطيع أن يطلب من النجم أن يحل مشكلة واجهته في وحدته، وعندما تلتقط الكاميرات صور الفنانين أمام المشروع، وتنتشر على مواقع التواصل، ويظهر المكان محاطا بالأضواء والوجوه المعروفة، فإن الصورة تصبح في حد ذاتها إعلانا، بل ربما تكون أكثر تأثيرا من الإعلان التقليدي، لأن الجمهور يتعامل معها باعتبارها مشهدا حقيقيا وليس مادة إعلانية مباشرة، وهنا أطرح السؤال الذي أراه ضروريا: هل يجب أن نخلط بين نجاح الشركة في تنظيم حفلات ناجحة وبين نجاحها في الوفاء بكل التزاماتها تجاه العملاء؟، بالطبع لا.
واللافت أن الرئيس التنفيذي لشركة تطوير مصر تحدث في يونيو 2026 عن أن تأخير التنفيذ والتسليم في بعض المشروعات يمثل الشكوى الأبرز لدى العملاء، كما تحدث في تصريحات سابقة عن تأخيرات تراوحت في بعض الحالات بين 12 و18 شهرا، وهنا تصبح المفارقة واضحة للغاية: الشركة تستطيع أن تجعل الفنان يصل في الموعد، وأن تجعل الحفل يبدأ في الموعد، وأن تجعل الكاميرات تعمل في الموعد، فلماذا لا تكون مواعيد التسليم بالوضوح نفسه؟، ومن هنا أرى أن على الشركات العقارية أن تكون أكثر وضوحا في الفصل بين الإبهار التسويقي والمسؤولية العقارية.
ربما تنجح تطوير مصر في جذب الأنظار بحفلاتها، وربما تنجح في استقطاب الفنانين، وربما تحقق فعالياتها انتشارا كبيرا، لكن نجاح الحفل شيء، ونجاح التجربة العقارية شيء آخر تماما، العميل لا يحتاج إلى فنان يطمئنه، بل يحتاج إلى شركة تلتزم، ولا يحتاج إلى صورة على السجادة الحمراء، بل يحتاج إلى مفتاح وحدته.



