«القاهرة تقود توازنات الكبار ».. كيف حول السيسي الثقل الجيوسياسي إلى أوراق ضغط حركت بوصلة العالم؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

في عالم يموج بالأزمات والصراعات والتحولات الكبرى، جاءت مداولات قمة مجموعة السبع التي عُقدت هذا الأسبوع لتثبت أن المقاعد على طاولة الكبار لا تُمنح مجاملة، وأن الدعوات إلى هذه القمة الأهم دولياً تتجاوز مجرد التمثيل الدبلوماسي أو الحضور البروتوكولي؛ فهناك دول تفرض نفسها بحجمها وتأثيرها، وهناك قادة يصبح وجودهم ضرورة ملحة عندما تبحث القوى الكبرى عن حلول للأزمات المعقدة.

من هذا المنطلق، اكتسبت مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في أعمال قمة مجموعة السبع بفرنسا أهمية استثنائية؛ ليس فقط لأنها جاءت في واحد من أهم التجمعات السياسية والاقتصادية في العالم، وإنما لأن كواليس ومخرجات القمة عكست بوضوح المكانة المحورية التي باتت مصر تحتلها على خريطة التوازنات الدولية.

إن قمة السبع - التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وكندا واليابان- لا تُعد مجرد تجمع اقتصادي للدول الصناعية الكبرى، بل تحولت مناقشاتها إلى منصة ساخنة لتفكيك أخطر الملفات التي تواجه العالم؛ من الأمن الدولي والطاقة والتجارة العالمية، إلى النزاعات المسلحة والتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.

ولهذا وصفها المراقبون بـ "مجلس إدارة العالم"، حيث صِيغت خلف أبواب اجتماعاتها المغلقة ملامح القرارات والتفاهمات التي سترسم مستقبل النظام الدولي.

وفي هذا المشهد شديد التعقيد، خطف حضور الرئيس السيسي بين قادة أكبر القوى العالمية الأضواء؛ ليس باعتباره ممثلاً لدولة في الشرق الأوسط فحسب، وإنما باعتباره قائد دولة نجح خلال السنوات الأخيرة في التحول إلى رقم صعب ولاعب رئيسي في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. 

فمصر لم تعد مجرد دولة ذات تاريخ عريق أو موقع جغرافي فريد، بل أثبتت طاولات النقاش المستديرة أنها طرف مؤثر في ملفات تتجاوز حدود المنطقة وتمس مصالح العالم بأسره.

ولعل ما منح المشاركة المصرية في القمة هذا الزخم الاستثنائي، هو التوقيت الحرج والاضطراب غير المسبوق الذي ركز عليه القادة في قاعات الاجتماعات؛ فالحروب لا تزال مشتعلة في أكثر من جبهة، والاقتصاد العالمي يواجه تحديات متزايدة، وأمن الطاقة أصبح قضية مصيرية، بينما تزامنت القمة مع تصاعد المخاوف الدولية بشأن أمن الممرات الملاحية وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي قلب كل هذه الملفات، فرضت مصر نفسها كدولة تمتلك مفاتيح أساسية للتعامل مع هذه التحديات:

في ملف أمن الملاحة الدولية: وضع قادة العالم الممرات البحرية كأولوية قصوى، وبرزت مصر في هذه المناقشات كحجر الزاوية بفضل موقعها الإستراتيجي وقناة السويس، أحد أهم الشرايين التجارية في العالم.

في ملف مستقبل الشرق الأوسط أشارت القراءات الدبلوماسية من داخل القاعات إلى أن القاهرة تظل الحاضر الأبرز والشريك الحتمي في أي رؤية دولية تُطرح للاستقرار أو التسوية السياسية الشاملة.

في ملف الشراكة مع إفريقيا: تصدرت مصر المشهد في أروقة القمة كقناة اتصال موثوقة وإحدى القوى الأكثر تأثيراً في القارة السمراء.

وعلى هامش أعمال القمة، جاء الحدث الأبرز الذي استقطب اهتماماً دولياً واسعاً متمثلاً في اللقاء الثنائي الذي جمع بين الرئيس السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

هذا الاجتماع لم يقف عند حدود العلاقات الثنائية التقليدية بين القاهرة وواشنطن فحسب، بل تشابك عميق مع حزمة من الملفات الإقليمية والدولية الساخنة التي تتصدر أولويات العاصمتين.

وقد عكس الزخم الذي رافق اللقاء إدراكاً أمريكياً متجدداً لمحورية الدور المصري كركيزة أساسية لا غنى عنها لضبط الاستقرار في الشرق الأوسط، وقدرة القاهرة الميدانية والسياسية على التأثير الفاعل في قضايا أمن المنطقة، ومكافحة الإرهاب، وتأمين الممرات الملاحية الدولية، فضلاً عن قيادة جهود التسوية السياسية.

وقد ركزت المباحثات الموسعة والمعمقة بين الرئيسين على تشريح التطورات الإقليمية الراهنة واستشراف مستقبل المنطقة، مع تركيز خاص على دفع قاطرة التعاون الاقتصادي المشترك وجذب مزيد من الاستثمارات الأمريكية إلى السوق المصرية الواعدة.

كما طُرحت على طاولة النقاش ملفات التنسيق السياسي والأمني رفيع المستوى، وشراكات الطاقة الحيوية، ورسم محددات التعاون المشترك للفترة المقبلة.

واكتسب هذا اللقاء أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيته الحرج الذي يتزامن مع منعطف دولي لإعادة تشكيل التحالفات والتوازنات الدولية ؛ ففي مثل هذه المنعطفات التاريخية، تتضاعف حتمية التنسيق بين القوى الكبرى والركائز الإقليمية الفاعلة، وهو ما كرّسه اللقاء من تثبيت لمكانة القاهرة لدى واشنطن كشريك إستراتيجي أصيل في صياغة معادلات المنطقة.

وأكدت التقارير الدبلوماسية الواردة من كواليس القمة أن رؤية الرئيس السيسي حظيت باهتمام متزايد وإنصات دقيق من قادة العالم؛ فالرجل الذي قاد مصر خلال مرحلة بالغة الصعوبة، ونجح في الحفاظ على استقرار الدولة وسط عواصف إقليمية غير مسبوقة، بات يُنظر إليه في جلسات القمة المغلقة ".. باعتباره أحد أكثر القادة خبرة وحنكة سياسية في إدارة الأزمات المعقدة.".

وخلال السنوات الماضية، استطاع الرئيس السيسي أن يرسخ صورة مختلفة لمصر على الساحة الدولية؛ فبعد أن كانت القاهرة منشغلة بمواجهة تحديات داخلية ضخمة، تحولت إلى مركز إقليمي للحوار والتفاهمات السياسية، وأصبحت طرفاً أساسياً في جهود التهدئة وتسوية النزاعات.

كما نجح في بناء شبكة واسعة من العلاقات المتوازنة مع مختلف القوى الدولية، وهو ما منحه مساحة وحركة واسعة ودوراً وسيطاً مقبولاً في عالم يشهد استقطاباً متزايداً.

ويدرك القادة المشاركون في قمة السبع عبر مناقشاتهم أن مصر تمتلك خصوصية إستراتيجية لا تتوافر لكثير من الدول الأخرى؛ فهي الدولة العربية الأكبر سكاناً، وصاحبة أحد أقوى الجيوش في المنطقة، وتمثل حلقة وصل بين إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، كما أنها تمتلك علاقات متوازنة مع أطراف متعارضة في كثير من الملفات الدولية.

ولهذا فإن الاستماع إلى الرؤية المصرية أصبح جزءاً لا يتجزأ من أي نقاش يتعلق بمستقبل المنطقة في جلسات القمة.

ولا تقتصر أهمية مشاركة الرئيس السيسي على الملفات السياسية والأمنية فقط، بل تمتد أيضاً إلى الجانب الاقتصادي؛ فمصر تمثل واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة، كما أنها نجحت خلال السنوات الماضية في تنفيذ مشروعات بنية تحتية عملاقة غيرت شكل الاقتصاد المصري وأعادت رسم خريطة الاستثمار والتنمية.

لقد تحولت الدولة المصرية إلى ورشة عمل ضخمة، وشهدت طفرة غير مسبوقة في مجالات الطرق والموانئ والطاقة والمدن الجديدة والتنمية الصناعية.

ورغم التحديات الاقتصادية العالمية الصعبة، فإن مصر طرحت نفسها في هذا المحفل الدولي كفرصة واعدة لكثير من المستثمرين والشركات العالمية، وهو ما جعل مشاركتها في القمة فرصة حقيقية لتعزيز التعاون الاقتصادي وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى شرايين الاقتصاد الوطني.

إن مشاركة الرئيس السيسي في قمة السبع جاءت بمثابة وثيقة اعتراف دولي بنجاح السياسة الخارجية المصرية في صياغة معادلة دبلوماسية شديدة التعقيد؛ تقوم على التمسك الصارم باستقلال القرار الوطني، وفي الوقت نفسه، بناء شبكة علاقات متوازنة ومثمرة مع مختلف القوى الدولية الفاعلة.

هذه الدبلوماسية المتزنة منحت مصر ثقلاً واحتراماً متزايداً في المحافل السياسية العالمية، وجعلت رؤيتها وموقفها جزءاً لا يتجزأ من نقاش القضايا الكبرى.

وخلال السنوات الأخيرة، برهنت الدولة المصرية على قدرة استثنائية في الصمود أمام أزمات وتحديات مركبة على الصعد الأمنية والاقتصادية والإقليمية؛ حيث نجحت في الحفاظ على تماسك بنيتها المؤسسية، ومواصلة خطط التنمية الشاملة، وتعزيز حضورها الخارجي، وسط محيط إقليمي عاصف بالاضطرابات والتحولات المتسارعة.

بناءً على ذلك، لم يكن وجود الرئيس السيسي في قمة السبع مجرد حضور بروتوكولي أو مشاركة دبلوماسية عابرة، بل جاء تجسيداً لواقع سياسي فرض نفسه على الساحة الدولية، ومفاده أن مصر لاعب رئيسي في النظامين الإقليمي والدولي لا يمكن تجاوزه.

ففي عالم يموج بالأزمات ويبحث عن هوامش التوازن والحكمة، تبرز القاهرة كصوت عقلاني يدعو للاستقرار، ويبرز الرئيس السيسي كقائد نجح في الموازنة بين تعزيز القوة الذاتية للدولة وحصافة الإدارة السياسية.

ومن بين أروقة القمة، وجلساتها المغلقة، ولقاءات القادة، انطلقت الرسالة المصرية واضحة وحاسمة: إن مصر تمارس دورها الطبيعي والطليعي بين الكبار، وأن إسهامها في صناعة القرار الدولي ورسم ملامح المستقبل الإقليمي بات حقيقة راسخة تفرض نفسها على أجندة المجتمع الدولي.

إن مشاركة الرئيس عبدالفتاح السيسي في قمة مجموعة السبع تمثل تتويجاً لمرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي الدؤوب والتنمية الداخلية المستدامة، ورسالة متجددة بأن مصر ليست مجرد مراقب للأحداث، بل صانع ومشارك في صياغة التوجهات التي ترسم ملامح الغد.

وعندما يجلس الرئيس المصري على طاولة القرار إلى جوار قادة القوى الكبرى، فإن المشهد يتجاوز الرمزية ليؤكد استعادة الدولة المصرية كامل ثقلها الإستراتيجي، وفرض حضورها كشريك بنيوي لا غنى عنه في عالم متغير.

الصفحة الثانية من العدد رقم 467 الصادر بتاريخ 18 يونيو 2026
تم نسخ الرابط