الكوميديا المصرية في غيبوبة

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- الأفلام الجديدة تقضي على الكوميديا الجادة لصالح التهريج السريع

- فيلم "برشامة".. نموذج تجاري يكشف هشاشة الكوميديا المعاصرة

- الإيرادات الضخمة في شباك التذاكر تكشف إفلاس الذوق العام

- نصوص باهتة وأداء يفتقد التلقائية والإفيهات تغتال الفن الحقيقي 

- الجمهور يستهلك الترفيه السريع ولا عزاء للقيمة الفنية

لم تعد الكوميديا في السينما المصرية ذلك الفن القادر على الجمع بين الإمتاع والوعي، أو ذلك اللون الإبداعي الذي ينجح في توظيف الضحك كأداة نقدية تكشف تناقضات المجتمع وتضيء مناطق الظل فيه، بل باتت في كثير من نماذجها المعاصرة أقرب إلى حالة من التآكل التدريجي، حيث يتراجع المعنى لصالح الضحك اللحظي، ويغيب البناء لصالح التفكك، وتتحول التجربة السينمائية إلى منتج خفيف يستهلك سريعا دون أن يترك أثرا حقيقيا.

لقد كانت الكوميديا، في مراحل سابقة، قائمة على فكرة متماسكة، وشخصيات مكتوبة بعناية، ومواقف تنبثق من منطق درامي واضح، وكان الضحك نتيجة طبيعية لتراكم هذه العناصر، لا هدفا منفصلا عنها، أما اليوم، فنحن أمام معادلة مقلوبة، تصاغ فيها الأعمال من أجل "الإفيه"، ويُعاد تشكيل السياق بالكامل لخدمة لحظة من الضحك، سرعان ما تفقد قيمتها بمجرد انتهاء المشهد.

وفي هذا السياق، تبدو ظاهرة "الاسكتش الممتد" واحدة من أبرز سمات الكوميديا الراهنة، حيث تبنى الأفلام على مشاهد متفرقة، يفتقد كثير منها الترابط الدرامي أو التطور الطبيعي للأحداث، تتحرك الشخصيات داخل هذه المساحات بوصفها أدوات لإطلاق النكات، لا كيانات إنسانية تحمل دوافع أو تمر بتحولات، ما يفرغ العمل من أي عمق نفسي أو فكري، ولا ينفصل ذلك عن تراجع ملحوظ في مستوى الكتابة، حيث يغيب الاشتغال الحقيقي على الفكرة، وتتكرر القوالب ذاتها، وتستعاد النكات بصيغ مختلفة دون إضافة تذكر، كما يتسلل الاستسهال إلى الأداء التمثيلي، فيتحول إلى إعادة إنتاج لأنماط ناجحة سابقة، بدلًا من البحث عن مساحات جديدة للتعبير، وهو ما ينعكس في برود الإحساس وغياب التلقائية.

ورغم ذلك، تحقق هذه الأعمال حضورا جماهيريا لافتا، ما يطرح تساؤلا مشروعا حول العلاقة بين النجاح التجاري والقيمة الفنية.

فالإيرادات المرتفعة لا تعني بالضرورة جودة العمل، بقدر ما قد تعكس قدرة الصناعة على الترويج لنمط معين، أو غياب بدائل قادرة على تقديم تجربة مختلفة.

ومن هنا، يصبح الذوق العام عرضة لإعادة التشكيل، لا باعتباره معطى ثابتًا، بل نتيجة لما يُطرح عليه بشكل مستمر.

ولعل أخطر ما في هذا التحول هو أن الكوميديا لم تعد تعامل بوصفها فنا قائما بذاته، بل كمنتج موسمي تحكمه اعتبارات السوق أكثر مما تحكمه معايير الإبداع.

وفي ظل هذه المعادلة، تتراجع الجرأة، ويُستبعد العمق، ويُنظر إلى التجريب باعتباره مخاطرة غير مضمونة، ما يؤدي في النهاية إلى إنتاج أعمال متشابهة، تدور في الإطار ذاته دون محاولة حقيقية لكسره.

ويبرز هذا الاتجاه بوضوح في فيلم برشامة، الذي عُرض خلال موسم عيد الفطر، ونجح في تصدر شباك التذاكر، رغم أنه يقدم نموذجا واضحا لهذا التراجع.

فالفكرة التي ينطلق منها العمل – والمتمثلة في "البرشامة" كرمز للغش داخل الامتحانات – تحمل في جوهرها إمكانات درامية ثرية، تتيح معالجة صراع القيم بين الاجتهاد والتحايل، وبين الطموح والضغط المجتمعي، غير أن هذه الإمكانات لم تُستثمر على نحو حقيقي، إذ تحولت المعالجة إلى سلسلة من المواقف المصطنعة، التي تعتمد على المبالغة في الأداء، وعلى الإفيهات السريعة، دون بناء درامي متماسك أو تطور واضح للشخصيات.

فداخل لجنة الامتحان، حيث يفترض أن يتصاعد التوتر وتتشابك المصائر، يغيب الإحساس الحقيقي بالصراع، وتحل محله فوضى مفتعلة لا تفضي إلى دلالة واضحة.

ورغم مشاركة عدد من الأسماء البارزة، فإن الأداء بدا في كثير من اللحظات منفصلًا عن العمق المفترض للموقف، حيث طغت النزعة الاستعراضية على التلقائية، وغابت التفاصيل الدقيقة التي تمنح الشخصية مصداقيتها.

وبذلك، يتحول العمل إلى مساحة لإطلاق النكات، أكثر منه تجربة سينمائية متكاملة.

وتكمن المفارقة في أن النجاح الجماهيري الذي حققه الفيلم لا ينفي هذه الملاحظات، بل يسلط الضوء على الفجوة المتزايدة بين ما يُعرض وما يُفترض أن يكون.

فحين يتصدر عمل بهذا المستوى قائمة الإيرادات، يصبح من المشروع التساؤل حول اتجاهات الصناعة، وحول المعايير التي تحكم عملية الإنتاج، وحول دور النقد في إعادة توجيه البوصلة.

إن الكوميديا، بوصفها أحد أكثر الفنون ارتباطًا بالوجدان الجمعي، لا يمكن اختزالها في مجرد وسيلة للضحك العابر.

فهي، في جوهرها، أداة لفهم الواقع، وإعادة صياغته، وتقديمه في صورة أكثر وعيًا وعمقًا.

وحين تفقد هذه الوظيفة، تتحول إلى مجرد قشرة خفيفة، لا تعكس سوى سطح الأشياء.

ومن ثم، فإن استعادة الكوميديا دورها لا ترتبط فقط بتغيير في الأشكال، بل بإعادة النظر في الفلسفة التي تحكم إنتاجها.

بدءًا من النص، مرورًا بالإخراج، ووصولًا إلى الأداء، بما يضمن خلق توازن حقيقي بين الإمتاع والمعنى، وبين الضحك والتأمل.

وإذا ما تأملنا طبيعة الموضوعات التي تتناولها الكوميديا المعاصرة، سنجد أن هناك ميلًا واضحا إلى تسطيح القضايا بدلًا من تفكيكها، حيث تُطرح أفكار قابلة للمعالجة العميقة في صورة خفيفة لا تتجاوز حدود التناول السطحي.

فالقضايا المرتبطة بالتعليم، أو الضغوط الاجتماعية، أو التفاوت الطبقي، وهي جميعها موضوعات ثرية دراميًا، تتحول إلى مجرد خلفيات هشة لمواقف عابرة، لا تُستثمر دراميًا كما ينبغي، ولا تُقدَّم بوصفها محاور للصراع أو أدوات لكشف التعقيد الإنساني.

وبهذا، تفقد الكوميديا إحدى أهم وظائفها، وهي قدرتها على طرح الأسئلة، لا الاكتفاء بإطلاق الضحكات.

كما يبرز إشكال آخر يتعلق بالإيقاع العام للأعمال، حيث تغيب فكرة "التراكم" التي تُعد عنصرًا أساسيًا في بناء الكوميديا المؤثرة.

فبدلًا من تصاعد درامي مدروس يقود إلى ذروة تحمل أثرًا واضحًا، تتجاور المشاهد دون منحنى حقيقي، ويُستبدل البناء المتدرج بتكرار نمطي لا يضيف جديدًا مع تقدم الأحداث.

هذا الخلل في الإيقاع لا يؤثر فقط على تماسك العمل، بل ينعكس أيضًا على تجربة المشاهد، الذي يجد نفسه أمام حالة من التشبع السريع، حيث يتلاشى تأثير الضحك تدريجيًا، ويتحول إلى حالة من الاعتياد، تفتقر إلى الدهشة أو التجدد، وفي ظل ما نشهده اليوم، يبقى السؤال مطروحا:

هل ما زالت الكوميديا في السينما المصرية قادرة على استعادة مكانتها كفن يحمل قيمة، أم أنها ماضية في طريقها لتكريس نموذج يكتفي بالضحك، ويتخلى عن كل ما عداه؟

وللحق لا تبدو الأزمة في قلة الضحك، بل في خوائه؛ إذ تحولت الكوميديا من أداة وعي إلى وسيلة استهلاك، ومن فن يواجه الواقع إلى منتج يهرب منه، وما لم تستعد السينما احترامها عقل المتفرج، وتعيد الاعتبار للفكرة قبل "الإفيه"، فسيظل ما يقدم مجرد ضحك عابر، يعلو صوته قليلا، ثم يتلاشى دون أي معنى.

الصفحة الثالثة من العدد رقم 458 الصادر بتاريخ  9 أبريل 2026
تم نسخ الرابط