«المضيق اللعين أو مواجهة الجحيم ».. متى يتوقف "آلهة الحرب" عن الدمار وهل تبتلع النار الجميع ؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- بأي حق يقرر ترامب مصير الشعوب بتغريدة؟!.. وكيف يملك الحق في إخراج الدول من الجغرافيا إلى التاريخ؟

- من يوقف نتنياهو عن تفجير المنطقة؟.. وهل يجب أن تبدأ المواجهة مع إسرائيل الكبرى؟

- الذين يهاجمون ويزايدون على مصر.. لماذا يزعجهم الشرف؟

إنهم يحرقون العالم… لا مجازًا ولا استعارة، بل حقيقة تتجسد كل يوم في صور الدمار المتناثرة على الشاشات، في صرخات الأطفال التي تختنق تحت الركام، وفي وجوه شعوب أنهكها الانتظار حتى صارت لا تسأل متى تنتهي الحرب، بل هل سيبقى منها ما يستحق النجاة.

العالم لم يعد كما كان، لم يعد مكانًا يمكن التنبؤ بمصيره أو الاطمئنان إلى توازناته، بل أصبح ساحة مفتوحة لصراع إرادات لا تعبأ بالبشر بقدر ما تعبأ بإثبات الهيمنة.

وفي قلب هذا المشهد، يقف "آلهة الحرب" الجدد، أولئك الذين يملكون قرار الاشتعال، ويضغطون على الزناد دون أن يسمعوا صوت الضحايا.

متى يتوقف هؤلاء؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه في الحقيقة معلق في فراغ أخلاقي هائل.

لأن من يملكون قرار الحرب لا يعيشون نتائجها، ومن يشعلون النيران لا يحترقون بها.

تتحول الدول إلى أوراق على طاولة لعبة كبرى، وتتحول الشعوب إلى أرقام في نشرات الأخبار، بينما تستمر آلة الصراع في الدوران بلا رحمة.

لا أحد يسأل عن العدالة، ولا أحد يتوقف عند حدود الإنسانية، فالمعادلة أصبحت واضحة: من يملك القوة يفرض الرواية، ومن يملك النفوذ يكتب النهاية، حتى لو كانت نهاية العالم نفسه.

في هذا السياق، يبرز السؤال الأكثر إثارة للجدل: بأي حق يقرر رئيس دولة كبرى مصير شعوب بأكملها عبر تغريدة؟ كيف يمكن لكلمات تُكتب في لحظة، ربما بدافع انفعال أو حسابات سياسية ضيقة، أن تتحول إلى قرارات تهز استقرار دول، وتعيد رسم خرائط، وتدفع ملايين البشر إلى المجهول؟ لم يعد الأمر مجرد دبلوماسية أو سياسة تقليدية، بل أصبح نوعًا من "الحكم اللحظي" الذي يتجاوز المؤسسات، ويتجاهل التاريخ، ويختزل مصائر الأمم في جملة أو تصريح.

الأخطر من ذلك، أن هذه القرارات لا تقف عند حدود الضغط السياسي أو الاقتصادي، بل تتعداها إلى محاولة إخراج دول من الجغرافيا إلى التاريخ.

وكأن وجود الدول أصبح مشروطًا برضا القوى الكبرى، وكأن السيادة لم تعد حقًا ثابتًا، بل امتيازًا يمكن سحبه في أي وقت.

هنا، لا نتحدث فقط عن انتهاك للقانون الدولي، بل عن إعادة تعريف لمفهوم الدولة ذاته، حيث تتحول من كيان مستقل إلى ملف قابل للحذف أو التعديل.

وفي خضم هذا المشهد، يظل السؤال قائمًا: من يوقف جنون التصعيد؟ من يضع حدًا لمنطق التفجير المستمر؟ المنطقة تعيش على حافة الانفجار، وكل شرارة قد تتحول إلى حريق شامل.

لا أحد ينكر أن هناك سياسات عدوانية، ولا أحد يغفل عن وجود مشاريع توسعية، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز كل ذلك، ليصل إلى مرحلة يصبح فيها الصدام هو الخيار الأول، وليس الأخير.

هل يجب أن تبدأ المواجهة؟ سؤال خطير، لأن الإجابة عنه تعني الدخول في دوامة لا يعلم أحد أين تنتهي.

المواجهة قد تبدو للبعض ضرورة، لكنها في الواقع مقامرة بمصير المنطقة بأكملها.

فالحروب الكبرى لا تُحسم بسهولة، ولا تنتهي بانتصار واضح، بل تترك خلفها ندوبًا عميقة، وأزمات ممتدة، وخرائط جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا وخطورة.

وفي زاوية أخرى من هذا المشهد المعقد، تبرز مفارقة لافتة تتعلق بالعلاقة بين إيران ودول الخليج.

خطاب مزدوج، يجمع بين التصعيد والدعوة إلى حسن الجوار، بين التلويح بالقوة والحديث عن الأخوة الإسلامية.

كيف يمكن التوفيق بين هذه التناقضات؟ كيف يمكن لدولة أن ترفع شعار الوحدة، بينما تمارس سياسات تثير القلق والريبة؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها تكشف عن طبيعة الصراع في المنطقة، حيث تختلط الأيديولوجيا بالمصالح، وتتداخل الشعارات مع الحسابات الإستراتيجية.

فليس كل ما يُقال يعكس ما يُفعل، وليس كل خطاب يحمل نوايا صادقة.

وفي هذا السياق، تصبح الثقة عملة نادرة، ويصبح الحوار الحقيقي أكثر صعوبة، لأن الأطراف لا تتحدث من أرضية مشتركة، بل من رؤى متباعدة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن استمرار هذا التوتر يخدم في النهاية منطق الفوضى، ويمنح مبررات إضافية للتدخلات الخارجية.

فكلما زادت الانقسامات، زادت فرص الهيمنة، وكلما تعمقت الخلافات، أصبح من السهل إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح الآخرين.

وهنا، يتحول الصراع من كونه إقليميًا إلى ورقة في لعبة دولية أكبر.

أما أولئك الذين يهاجمون مصر ويزايدون عليها، فقصتهم تكشف عن بعد آخر من الأزمة.

لماذا يزعجهم الشرف؟ لماذا تتحول مواقف الثبات إلى مادة للهجوم، بينما تُغض الطرف عن ممارسات أكثر خطورة؟ الحقيقة أن بعض الهجمات لا تستهدف السياسات بقدر ما تستهدف الدور.

فمصر، بحكم تاريخها وموقعها، ليست مجرد دولة، بل ركيزة في معادلة التوازن الإقليمي.

وعندما تحافظ دولة على موقف متزن، وترفض الانجرار إلى الفوضى، وتتمسك بثوابتها، فإن ذلك يزعج من يراهنون على الانهيار؛ لأن وجود نموذج للاستقرار يُفشل سردية الفوضى، ويكشف أن هناك بدائل أخرى غير الصدام.

ولذلك، تصبح المزايدة أداة للتشويش، ومحاولة لخلط الأوراق، وإضعاف الثقة في أي موقف عقلاني.

لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، هي أن المنطقة لا تحتمل مزيدًا من الحرائق.

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عابر، بل اختبار لقدرة الدول على البقاء.

فإما أن يتم كبح جماح التصعيد، وإما أن تنزلق المنطقة إلى مرحلة يصعب الخروج منها.

والرهان هنا ليس على القوة فقط، بل على الحكمة أيضًا.

الحكمة التي تعني إدراك أن الحروب لا تُبنى عليها دول مستقرة، وأن الشعوب لا يمكن أن تعيش إلى الأبد تحت تهديد القصف والانهيار.

الحكمة التي تعني أن التوازن لا يتحقق بالهيمنة، بل بالتفاهم، وأن الأمن لا يُفرض بالقوة فقط، بل يُبنى بالثقة.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتعلم العالم من أخطائه؟ أم أننا محكومون بتكرار نفس السيناريو، حيث تتصاعد الأزمات حتى تصل إلى نقطة اللاعودة؟ التاريخ مليء بالدروس، لكنه أيضًا مليء بالتجاهل.

والفرق بين أمة وأخرى، ليس في قدرتها على خوض الحروب، بل في قدرتها على تجنبها.

إنهم يحرقون العالم، نعم .. لكن العالم لم يفقد بعد فرصته في النجاة.

ما زال هناك مجال للعقل، ما زال هناك متسع للصوت الذي يقول "كفى".

والسؤال الحقيقي ليس متى تتوقف الحروب، بل متى يقرر البشر أنهم يستحقون حياة بلا دمار؟

الصفحة الثالثة من العدد رقم 458 الصادر بتاريخ  9 أبريل 2026
تم نسخ الرابط