صابر سالم يكتب: السياحة المصرية في مواجهة رياح الحرب: تحديات صعبة واختبار جديد للقطاع

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

في كل مرة تشتعل فيها الأزمات والحروب في منطقة الشرق الأوسط، يجد قطاع السياحة نفسه في قلب التأثر المباشر بتداعياتها، حتى وإن لم تكن الدولة المعنية طرفًا في تلك الصراعات.

ومع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تعود المخاوف من انعكاسات هذا التصعيد على السياحة المصرية، أحد أهم مصادر الدخل القومي في البلاد.

وتعد مصر واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، حيث تستقبل سنويًا ملايين الزائرين الراغبين في استكشاف تاريخها العريق وآثارها الفريدة الممتدة من الحضارة الفرعونية إلى الحضارة الإسلامية والقبطية.

كما أن مدن البحر الأحمر مثل شرم الشيخ والغردقة أصبحت خلال السنوات الماضية من أهم المقاصد السياحية العالمية لعشاق الشواطئ والغوص والأنشطة البحرية.

لكن رغم هذا الزخم، فإن أي توتر إقليمي ينعكس بشكل سريع على قرارات السفر لدى السائحين، خاصة في الأسواق الأوروبية.

أحد أبرز التحديات التي تواجه السياحة المصرية في ظل الحرب يتمثل في الصورة الذهنية التي تتشكل لدى السائح الأجنبي عن المنطقة.

فالكثير من السائحين، خصوصًا من خارج الشرق الأوسط، ينظرون إلى المنطقة باعتبارها كتلة جغرافية واحدة، دون التمييز بين دولة وأخرى.

وبالتالي، فإن تصاعد التوترات في أي جزء من المنطقة قد يدفع البعض إلى تأجيل أو إلغاء خطط السفر بالكامل، حتى وإن كانت الوجهة بعيدة جغرافيًا عن مناطق الصراع.

وتظهر هذه الحساسية بوضوح في قرارات شركات السياحة العالمية وشركات الطيران، التي تتابع تطورات الأوضاع الأمنية بدقة.

ففي أوقات الأزمات، تميل بعض الشركات إلى تقليص الرحلات أو تعديل مساراتها الجوية لتجنب مناطق التوتر، وهو ما قد ينعكس بشكل غير مباشر على حركة الطيران الوافد إلى مصر.

كما أن شركات التأمين السياحي قد ترفع تكلفة التأمين على الرحلات في مناطق الشرق الأوسط خلال فترات التصعيد العسكري.

كما تواجه السياحة المصرية تحديًا آخر يتمثل في تقلبات الاقتصاد العالمي المصاحبة للحروب.

فعادة ما تؤدي الصراعات الكبرى إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق المالية، وهو ما يضغط على ميزانيات الأسر في العديد من الدول، خاصة في أوروبا.

وعندما تتراجع القدرة الشرائية للسائحين، تصبح السياحة من أول البنود التي يتم تقليصها في خطط الإنفاق، وهو ما قد ينعكس على أعداد الزائرين القادمين إلى مصر.

ورغم هذه التحديات، فإن السياحة المصرية تمتلك عوامل قوة عديدة قد تساعدها على تجاوز تأثيرات الأزمة.

فمصر أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على التعافي السريع من الصدمات، سواء كانت أزمات سياسية أو اقتصادية أو صحية.

وقد ظهر ذلك بوضوح بعد جائحة كورونا، عندما استعادت المقاصد السياحية المصرية تدريجيًا مكانتها على خريطة السياحة العالمية.

ومن بين عناصر القوة أيضًا التنوع الكبير في المنتج السياحي المصري.

فإلى جانب السياحة الشاطئية في البحر الأحمر، تمتلك مصر كنوزًا أثرية لا مثيل لها في العالم، مثل أهرامات الجيزة ومعبد الكرنك، إلى جانب المقاصد الثقافية في الأقصر وأسوان.

هذا التنوع يمنح القطاع السياحي قدرة أكبر على جذب شرائح مختلفة من السائحين، حتى في أوقات الأزمات.

كما أن الاستقرار الأمني الذي تتمتع به مصر مقارنة ببعض مناطق الصراع في الشرق الأوسط يمثل عنصر طمأنة مهمًا للسائحين وشركات السياحة الدولية.

فالقاهرة تدرك جيدًا أن الحفاظ على الأمن والاستقرار في المناطق السياحية يمثل شرطًا أساسيًا لاستمرار تدفق الزائرين.

ومع استمرار التوترات الإقليمية، يصبح من الضروري تعزيز الحملات الترويجية التي تبرز حقيقة الأوضاع في مصر وتؤكد بعدها الجغرافي عن مناطق النزاع.

كما يمكن توسيع استهداف أسواق سياحية جديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية، لتقليل الاعتماد على بعض الأسواق التقليدية التي قد تتأثر بسرعة بالأزمات السياسية.

في النهاية، تبقى السياحة المصرية قطاعًا مرنًا اعتاد مواجهة التحديات.

فالتاريخ القريب يؤكد أن هذا القطاع، رغم ما يمر به من أزمات متكررة، يمتلك قدرة لافتة على الصمود والتعافي.

ومع إدارة ذكية للأزمة الحالية وتكثيف الجهود الترويجية، يمكن لمصر أن تحافظ على موقعها كواحدة من أهم الوجهات السياحية في العالم، حتى في ظل العواصف التي تضرب المنطقة.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 456 الصادر بتاريخ  19 مارس 2026
تم نسخ الرابط