صابر سالم يكتب: السياحة المصرية في رمضان.. روحانية الشهر تعيد اكتشاف سحر المقصد
يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه أجواءً استثنائية تغيّر إيقاع الحياة في مصر، وتمنح الشوارع والميادين طابعًا روحانيًا فريدًا يجذب الزائرين من مختلف أنحاء العالم. وفي السنوات الأخيرة لم تعد السياحة المصرية في رمضان مجرد موسم عابر، بل تحولت إلى تجربة متكاملة تمزج بين العبادة والثقافة والترفيه، وتقدم صورة مختلفة عن المقصد السياحي المصري الذي اعتاد السائح رؤيته في بقية شهور العام.
القاهرة التاريخية تتصدر المشهد الرمضاني بلا منازع، حيث تتحول مناطق مثل الحسين وخان الخليلي إلى لوحات نابضة بالحياة بعد الإفطار. تتلألأ الفوانيس في الأزقة القديمة، وتتعالى أصوات الابتهالات والمدائح، بينما تمتلئ المقاهي الشعبية بالزوار الراغبين في تذوق أجواء السهر المصري الأصيل.
أما جامع الأزهر فيشهد إقبالًا كبيرًا من المصلين والدارسين والوافدين من دول عربية وإسلامية، ما يرسخ مكانة مصر الدينية والثقافية في آن واحد.
السائح العربي يجد في رمضان المصري مزيجًا من الألفة والدهشة. فموائد الرحمن، وعادات التجمع الأسري، ومدفع الإفطار، كلها تفاصيل تضيف بعدًا إنسانيًا للتجربة السياحية.
كما أن الفنادق والمنتجعات تحرص على تقديم برامج خاصة تشمل خيامًا رمضانية وسهرات فنية ووجبات سحور بطابع شرقي، ما يعزز معدلات الإشغال في عدد من المقاصد، خاصة في القاهرة والإسكندرية ومدن البحر الأحمر.
وفي مدن مثل شرم الشيخ والغردقة، يتخذ رمضان شكلًا مختلفًا، إذ يختار بعض السائحين الأجانب الاستمتاع بالأجواء الهادئة نهارًا والاحتفالات المسائية ليلًا، مستفيدين من الطقس المعتدل والأسعار التنافسية التي تقدمها الشركات خلال هذا الموسم.
ورغم أن نسب الإشغال قد تنخفض قليلًا مقارنة بذروة الصيف، فإن نمط السياحة الرمضانية يعوض ذلك بزيادة متوسط مدة الإقامة وارتفاع إنفاق السائح الباحث عن تجربة ثقافية وروحية.
السياحة الثقافية والدينية تحظى أيضًا بانتعاش ملحوظ خلال الشهر الكريم، حيث يفضل كثيرون زيارة المعالم الإسلامية والتاريخية والتعرف على الطقوس الرمضانية المصرية التي تمتد جذورها إلى العصر الفاطمي.
وتعمل وزارة السياحة والآثار على تنظيم فعاليات وجولات ليلية في المناطق الأثرية، ما يخلق منتجًا سياحيًا جديدًا قائمًا على فكرة “سياحة السهر” التي تناسب طبيعة الشهر.
اقتصاديًا، يسهم تنشيط السياحة في رمضان في دعم قطاعات متعددة، من المطاعم والنقل إلى الحرف اليدوية والبازارات الشعبية.
كما أن الحملات الترويجية التي تركز على خصوصية الأجواء الرمضانية المصرية باتت عنصر جذب مهم في الأسواق العربية، حيث يبحث السائح عن أجواء روحانية قريبة من ثقافته، وفي الوقت نفسه يرغب في اكتشاف طابع مختلف يميز مصر عن غيرها من الوجهات.
ولا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الدراما والبرامج التلفزيونية الرمضانية في الترويج غير المباشر للمقصد المصري، إذ تظهر الشوارع التاريخية والمعالم التراثية في خلفيات الأعمال الفنية، ما يرسخ صورة ذهنية إيجابية لدى المشاهد العربي.
كما تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في نقل مشاهد الزينة والفوانيس والاحتفالات، لتتحول القاهرة ومدن مصر إلى منصات عرض حية لروح الشهر الكريم.
في المحصلة، لم يعد رمضان موسم ركود سياحي كما كان يُعتقد سابقًا، بل أصبح فرصة لإعادة تقديم مصر بصورة مختلفة، تجمع بين التاريخ والروحانية والدفء الإنساني. ومع تطوير البرامج الترويجية وتوسيع نطاق الفعاليات الثقافية، يمكن للسياحة المصرية في رمضان أن تتحول إلى علامة مميزة على خريطة المواسم السياحية، تعزز من تنوع المنتج السياحي وتؤكد أن مصر قادرة دائمًا على إدهاش زائريها، في كل وقت من العام، وخاصة في شهر تتجلى فيه روحها بأبهى صورها.




