«لقاء تحديد المصير».. ماذا جرى بين الرئيس والأمير محمد بن سلمان في جدة؟
- كيف يتعاون السيسي وبن سلمان لحماية المنطقة من الوحش الإسرائيلي؟
- مائدة إفطار الأصدقاء.. محور "القاهرة - الرياض" في مواجهة حلف الأعداء
في لحظات التحولات الكبرى لا تكون الزيارات الدبلوماسية مجرد بروتوكول سياسي أو مجاملة رسمية، بل تتحول إلى رسائل محسوبة بدقة، تحمل في طياتها خرائط طريق لمستقبل الإقليم بأكمله.
من هذا المنطلق جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى المملكة العربية السعودية، في توقيت بالغ الحساسية، بينما المنطقة تعيش على وقع حرب مفتوحة في غزة، وتصعيد متسارع يهدد بجرّ الشرق الأوسط إلى فوضى شاملة.
لم تكن الرحلة إلى جدة زيارة عابرة، بل بدت أقرب إلى مهمة إطفاء حرائق، وترتيب أولويات، وإعادة تثبيت توازنات إقليمية تتعرض لاختبار غير مسبوق.
اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة عكس إدراكًا مشتركًا لحجم المخاطر المحيطة، ولضرورة تحرك عربي فاعل يمنع انزلاق المنطقة إلى سيناريوهات أكثر قتامة.
العلاقات المصرية - السعودية ليست وليدة ظرف طارئ، بل تمثل أحد أعمدة الاستقرار العربي تاريخيًا، غير أن التطورات الأخيرة فرضت مستوى أعلى من التنسيق، يتجاوز حدود التعاون التقليدي إلى صياغة موقف استراتيجي موحد تجاه ملفات شديدة التعقيد، وفي مقدمتها العدوان الإسرائيلي على غزة، والضغوط الدولية المرتبطة بمستقبل القطاع، ومحاولات فرض حلول قسرية على حساب الأمن القومي العربي.
في جدة، لم يكن الحديث نظريًا أو عامًا، بل تناول تفاصيل دقيقة تتعلق بوقف الحرب، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع أي محاولات لتهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، وهي النقطة التي تمثل خطًا أحمر واضحًا بالنسبة للقاهرة والرياض على حد سواء.
فمصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تدرك أن أي تغيير ديموغرافي قسري في غزة يحمل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، والسعودية ترى أن تصفية القضية الفلسطينية أو الالتفاف عليها سيقوض أي فرصة لاستقرار طويل الأمد في المنطقة.
الزيارة حملت كذلك بعدًا رمزيًا مهمًا، تمثل في مائدة الإفطار التي جمعت الرئيس وولي العهد، في مشهد بدا أقرب إلى اجتماع عائلة سياسية تدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها.
محور “القاهرة – الرياض” لم يكن يومًا مجرد تحالف ثنائي، بل شكل عبر العقود ركيزة أساسية في توازن النظام العربي، وكلما اشتدت الأزمات، عاد هذا المحور إلى الواجهة بوصفه نقطة ارتكاز للاستقرار.
في ظل ما يمكن وصفه بـ“حلف الأعداء” الذي يسعى لإعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة، تبدو وحدة الموقف المصري السعودي عنصرًا حاسمًا في منع تفكك الإقليم.
التحركات المصرية خلال الفترة الأخيرة عكست رؤية واضحة تقوم على منع التصعيد، والحفاظ على ما تبقى من قواعد النظام الإقليمي، وعدم السماح بانفلات أمني قد تمتد تداعياته من غزة إلى البحر الأحمر، ومن لبنان إلى الخليج.
السعودية بدورها تنطلق من رؤية استراتيجية تعتبر أن الاستقرار شرط أساسي لاستكمال مشروعها التنموي الطموح، وأن الفوضى الإقليمية تمثل تهديدًا مباشرًا لخطط التحول الاقتصادي.
من هنا يتقاطع المساران المصري والسعودي عند نقطة مركزية: لا تنمية دون أمن، ولا أمن دون موقف سياسي صلب يردع المغامرات العسكرية غير المحسوبة.
في مواجهة ما يصفه كثيرون بـ“الوحش الإسرائيلي” المنفلت من أي قيود سياسية أو أخلاقية، يدرك الطرفان أن المعركة ليست عسكرية فقط، بل سياسية ودبلوماسية في المقام الأول.
الضغط الدولي لوقف إطلاق النار، والتحرك داخل المؤسسات الدولية، والتواصل مع القوى الكبرى، كلها أدوات تُستخدم بالتوازي مع تثبيت الموقف العربي الرافض للتهجير أو تصفية القضية.
القاهرة تتحرك عبر قنواتها الدبلوماسية والأمنية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية بالملف الفلسطيني، بينما الرياض توظف ثقلها السياسي والاقتصادي وعلاقاتها الدولية الواسعة للضغط في الاتجاه نفسه.
التنسيق بين السيسي وبن سلمان يتجاوز إدارة الأزمة الراهنة إلى التفكير في “اليوم التالي” للحرب. فإعادة إعمار غزة، وإطلاق مسار سياسي جاد يقود إلى حل الدولتين، ومنع عودة دوائر العنف، كلها ملفات تتطلب شراكة طويلة النفس.
من دون رؤية عربية موحدة، قد تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى ساحة صراع نفوذ بين أطراف إقليمية ودولية، وهو ما تحاول القاهرة والرياض استباقه عبر بلورة تصور مشترك يحفظ الحقوق الفلسطينية ويمنع الانزلاق إلى فراغ خطير.
كما أن الرسائل الصادرة عن اللقاء أكدت التمسك بمبدأ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، في إشارة واضحة إلى رفض تحويل الأزمات الداخلية إلى أدوات صراع إقليمي.
فالتوترات الممتدة من السودان إلى اليمن، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، تحتاج إلى مقاربة عقلانية تُعلي من شأن الحلول السياسية، وهو ما يشكل أحد ثوابت السياسة المصرية - السعودية في المرحلة الراهنة.
الرهان هنا ليس فقط على إدارة أزمة آنية، بل على إعادة تثبيت معادلة ردع سياسية تضع حدودًا واضحة لأي طرف يسعى لتوسيع دائرة الحرب.
فالتصعيد غير المحسوب قد يفتح جبهات جديدة ويهدد أمن الملاحة الدولية، ويؤثر على أسواق الطاقة، ويقود إلى اضطرابات اقتصادية عالمية.
لذلك فإن التحرك المصري- السعودي يحمل بعدًا دوليًا يتجاوز الإطار العربي، ويخاطب المجتمع الدولي بضرورة تحمل مسؤولياته تجاه وقف العدوان ومنع الانفجار الشامل.
في المحصلة، يمكن القول إن زيارة السيسي إلى السعودية لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل خطوة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تحصين المنطقة من سيناريو الفوضى.
عاد الرئيس من جدة برسائل دعم واضحة، وتنسيق سياسي عالي المستوى، وتفاهمات تعزز وحدة الموقف العربي في واحدة من أخطر اللحظات التي يمر بها الشرق الأوسط.
وبينما تستمر النيران مشتعلة في أكثر من بقعة، يبدو أن محور “القاهرة – الرياض” يراهن على الحكمة والصلابة في آن واحد: حكمة تمنع الانجرار إلى مواجهة شاملة، وصلابة ترفض فرض الأمر الواقع بالقوة.
هكذا تتجسد “مهمة إطفاء الحرائق” في تحرك سياسي محسوب، يسعى إلى حماية الأمن القومي العربي، وإبقاء القضية الفلسطينية حية في وجدان العالم، ومنع “الوحش” من ابتلاع ما تبقى من استقرار إقليمي.
وفي زمن التحالفات المتقلبة، يظل التفاهم المصري - السعودي أحد الثوابت القليلة القادرة على صناعة فارق حقيقي في معادلة مضطربة، حيث يصبح التنسيق ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية لحماية المنطقة من الانزلاق إلى المجهول.

- محمود الشويخ يكتب
- استقرار
- حرائق
- الحرائق
- راب
- ملك
- المصري
- الشرق الأوسط
- غزة
- النار
- العلاقات
- الدول
- شرق المتوسط
- لبنان
- اقتصاد
- اسرائيل
- المرحلة
- المملكة العربية السعودية
- انفجار
- محمود الشويخ
- زيارة
- منع
- اول
- لقاء تحديد المصير
- مهمة إطفاء الحرائق
- موقف إستراتيجي موحد
- مقالات محمود الشويخ
- مشروع
- قرار
- اجتماع
- ملفات
- حكم
- تصعيد
- حماية
- درة
- الاقتصاد
- أخبار محمود الشويخ
- السودان
- السيسي
- السعودية
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- القاهرة
- سعودية
- العالم
- رئيس
- محور
- طريق
- مساعدات
- مائدة
- داخل
- مركز
- منطقة
- مصر



