عاصم سليمان يكتب: زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا.. شراكة إستراتيجية تعيد رسم خريطة الاقتصادي المصري في إفريقيا

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي يدشن مرحلة جديدة من التكامل مع شرق إفريقيا عبر الاستثمار والتنمية والمصالح المشتركة

- القطاع الخاص في صدارة المشهد.. القاهرة تراهن على رجال الأعمال لبناء شراكة اقتصادية مستدامة

- الدبلوماسية الاقتصادية المصرية تعزز مكانتها في إفريقيا برؤية تنموية تقودها الإرادة السياسية

لم تعد الزيارات الرئاسية المصرية إلى القارة الإفريقية مجرد محطات بروتوكولية أو لقاءات سياسية عابرة، بل أصبحت جزءا من رؤية متكاملة تعيد صياغة مكانة مصر داخل محيطها الإفريقي، وتؤكد أن القاهرة تنظر إلى القارة باعتبارها شريكا إستراتيجيا في المستقبل، وليس مجرد امتداد جغرافي أو سياسي.

وفي هذا السياق جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جمهورية تنزانيا، لتؤكد أن الدولة المصرية تمضي بخطى ثابتة نحو بناء شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستثمارية مع الدول الإفريقية، انطلاقا من إيمان راسخ بأن التنمية هي الطريق الأقصر لتعزيز الاستقرار، وأن التكامل الاقتصادي أصبح ضرورة تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية.

واللافت في هذه الزيارة أنها لم تتوقف عند حدود اللقاءات الرسمية أو البيانات السياسية، وإنما ركزت بصورة مباشرة على الاقتصاد والاستثمار والقطاع الخاص، وهو ما يعكس التحول الواضح في فلسفة السياسة الخارجية المصرية، التي أصبحت تعتمد على بناء المصالح المشتركة وتحويل العلاقات السياسية إلى مشروعات تنموية حقيقية تحقق عائدا مباشرا للشعوب.

مشاركة الرئيس السيسي والرئيسة التنزانية الدكتورة سامية صلوحو حسن في الجلسة الختامية لاجتماع رجال الأعمال من البلدين حملت رسالة واضحة مفادها أن القيادة السياسية في مصر وتنزانيا لا تكتفي بتعزيز العلاقات الدبلوماسية، وإنما تمنح مجتمع الأعمال دورا محوريا في صناعة المستقبل الاقتصادي بين البلدين.

ولم يكن حضور أكثر من 35 من رجال الأعمال المصريين، إلى جانب نحو 120 من نظرائهم التنزانيين، مجرد رقم يعكس حجم المشاركة، بل مؤشر حقيقي على وجود اهتمام متزايد من القطاع الخاص باستكشاف الفرص الاستثمارية وفتح آفاق جديدة للتعاون، وهو ما يمنح هذه الزيارة بعدا عمليا يتجاوز الشعارات إلى التنفيذ.

وفي كلمته، وضع الرئيس السيسي ملامح المرحلة المقبلة بكل وضوح، عندما أكد أن العلاقات المصرية- التنزانية شهدت خلال السنوات الماضية تطورا ملحوظا بفضل الدور الفاعل لمجتمع الأعمال، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، وهنا تبدو أهمية ما أعلنه الرئيس بشأن تكليف مدير مكتبه بالتنسيق المباشر مع الجانب التنزاني لمتابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ووضع آليات واضحة لترجمة الاتفاقات إلى مشروعات ملموسة على أرض الواقع.

هذه الخطوة تحمل دلالة سياسية وإدارية مهمة، لأنها تؤكد أن الدولة المصرية لم تعد تكتفي بتوقيع الاتفاقيات، وإنما تتابع بنفسها مراحل التنفيذ، وهو ما يعزز ثقة المستثمرين ويمنح الاتفاقات بعدا أكثر جدية واستدامة، كما أن توقيع مذكرتي تفاهم بين الوزراء من الجانبين يمثل بداية لمسار أوسع من التعاون، خاصة مع الاتفاق على تنفيذ مشروعات مشتركة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية، وهي قطاعات تمثل أولوية لكلٍ من مصر وتنزانيا، لما لها من تأثير مباشر على الأمن الغذائي وتحقيق التنمية المستدامة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في نتائج الزيارة هو تنوع مجالات التعاون، فلم يقتصر الأمر على الزراعة فقط، وإنما امتد إلى تطوير الموانئ، والربط البحري والسككي، وإنشاء المناطق اللوجستية، وتطوير شبكات الطرق والبنية التحتية، وهي مشروعات تمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية حقيقية.

ومثل هذه المشروعات لا تخدم البلدين فقط، وإنما تسهم في تعزيز حركة التجارة داخل القارة الإفريقية، وتدعم جهود التكامل الاقتصادي بين دولها، خاصة في ظل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تسعى مصر إلى تعظيم الاستفادة منها، كما أن الاهتمام بالتكنولوجيا والعلوم وتبادل الخبرات البشرية يعكس رؤية أكثر شمولا للعلاقات الثنائية، تقوم على الاستثمار في الإنسان إلى جانب الاستثمار في المشروعات، وهو ما يضمن استدامة التعاون لعقود مقبلة.

ومن الواضح أن الرئيس السيسي ينظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكا رئيسيا في تنفيذ هذه الرؤية، وليس مجرد طرف مكمل لها، وهو ما أكده خلال كلمته عندما شدد على أهمية قيام رجال الأعمال في البلدين ببناء مشروعات تحقق قيمة مضافة، وتفتح أسواقا جديدة، وتوفر فرص عمل، وتسهم في دعم أهداف التنمية والرخاء، هذا التوجه يعكس فهما عميقا لطبيعة الاقتصاد العالمي، حيث أصبحت الحكومات تهيئ البيئة المناسبة للاستثمار، بينما يتولى القطاع الخاص قيادة عملية النمو والإنتاج والتوسع.

كما أن اختيار تنزانيا لتكون إحدى المحطات المهمة في التحرك المصري داخل إفريقيا يحمل أبعادا إستراتيجية، فتنزانيا تعد من الاقتصادات الواعدة في شرق إفريقيا، وتمتلك موقعا جغرافيا بالغ الأهمية يربط بين العديد من الأسواق الإفريقية، وهو ما يجعلها شريكا مثاليا لمصر في تنفيذ مشروعات إقليمية كبرى، وخلال السنوات الماضية، أثبتت مصر أنها شريك يعتمد عليه في تنفيذ المشروعات التنموية داخل القارة، سواء في مجالات البنية التحتية أو الطاقة أو النقل أو الموارد المائية، وهو ما منح الشركات المصرية سمعة قوية في الأسواق الإفريقية، وفتح أمامها فرصا واسعة للتوسع.

ومن هنا فإن زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا لم تكن مجرد زيارة ثنائية، بل كانت رسالة إلى القارة بأكملها بأن مصر تواصل العودة بقوة إلى عمقها الإفريقي عبر التنمية والاستثمار والشراكة المتكافئة، إن ما تحقق خلال هذه الزيارة يؤكد أن العلاقات المصرية- التنزانية تدخل مرحلة أكثر نضجا، تقوم على المصالح المشتركة، والتنفيذ العملي، والتخطيط طويل المدى، وهو ما يعزز قدرة البلدين على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، وخلق فرص جديدة للنمو.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لا تكمن فقط فيما شهدته من اتفاقات ومذكرات تفاهم، وإنما في الرسالة التي حملتها، وهي أن مصر تتحرك داخل إفريقيا بثقة، وتبني شراكات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتسعى إلى تحويل الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها القارة إلى واقع اقتصادي ينعكس على حياة الشعوب.

لقد أثبتت زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا أن الدبلوماسية المصرية أصبحت أكثر ارتباطا بالتنمية وأكثر قربا من الاقتصاد، وأن الدولة تتحرك وفق رؤية واضحة تجعل من الاستثمار والتكامل الإقليمي ركيزة أساسية لتعزيز الأمن القومي المصري وترسيخ مكانة مصر كشريك موثوق في مستقبل إفريقيا.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 472 الصادر بتاريخ 23 يوليو 2026
تم نسخ الرابط