عندما تتحول خطط التنمية إلى مشروع أمل للمستقبل

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- خطة التنمية 2026/2027.. رؤية مصرية لصناعة المستقبل وسط تحديات الاقتصاد العالمي

- مجلس الشيوخ وخطة التنمية الجديدة.. "خارطة طريق" نحو نمو أكثر استدامة

- الاستثمار والثقة والتنمية.. ركائز مصر في خطة العام المالي 2026/2027

- مصر تخطط للمستقبل.. التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة المتغيرات العالمية

- شراكة الدولة والقطاع الخاص.. مفتاح النجاح في خطة التنمية الجديدة

- "حياة كريمة" واستكمال البناء.. البعد الاجتماعي في خطة التنمية المصرية

- خطة 2026/2027.. إرادة دولة تواصل البناء ورهانها الحقيقي على الإنسان المصري

أعترف بأنني من الأشخاص الذين لا ينظرون إلى خطط التنمية باعتبارها مجرد أرقام وجداول ومؤشرات اقتصادية تُناقش داخل القاعات الرسمية، وإنما أنظر إليها باعتبارها مرآة تعكس شكل المستقبل الذي تسعى الدولة إلى بنائه لأبنائها.

لذلك توقفت طويلًا أمام المناقشات التي شهدها مجلس الشيوخ بشأن مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027، وما تضمنته من رؤى وتوصيات تتعلق بتعزيز النمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، وتعميق مشاركة القطاع الخاص، وضبط معدلات التضخم، واستكمال المبادرات التنموية الكبرى التي تستهدف الارتقاء بحياة المواطنين في مختلف أنحاء الجمهورية.

وفي تقديري الشخصي، فإن أهمية هذه المناقشات لا ترتبط فقط بمضمونها الاقتصادي، وإنما ترتبط كذلك بالرسالة التي تحملها، وهي أن مصر لا تتحرك بمنطق ردود الأفعال أو الحلول المؤقتة، وإنما وفق رؤية تسعى إلى التخطيط للمستقبل ووضع أهداف واضحة ومحددة يمكن قياس نتائجها ومتابعة تنفيذها.

وهذه النقطة تحديدًا أراها شديدة الأهمية في عالم أصبح التغيير فيه أسرع من أي وقت مضى، وأصبحت الدول التي لا تخطط للمستقبل محكومة بالبقاء في دائرة التحديات دون قدرة حقيقية على تحقيق قفزات تنموية مستدامة.

واللافت للنظر أن مشروع الخطة الجديدة يأتي في وقت يشهد فيه العالم حالة من عدم اليقين الاقتصادي.

فالتوترات الجيوسياسية، والتغيرات في أسواق الطاقة، وتقلبات التجارة العالمية، والتحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد، جميعها عوامل تفرض ضغوطًا على اقتصادات الدول، سواء كانت متقدمة أو نامية.

ومن هنا تبدو أهمية أن تمتلك الدولة المصرية رؤية واضحة تمكنها من التعامل مع هذه المتغيرات وتحويل التحديات إلى فرص حقيقية للنمو والتوسع.

وأرى أن أحد أهم الرسائل التي حملتها المناقشات هو التأكيد على ضرورة جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.

فالاستثمار ليس مجرد أموال تتدفق إلى الأسواق، وإنما هو في جوهره ثقة.

وعندما يقرر مستثمر أن يضخ أمواله في دولة ما، فإنه في الحقيقة يراهن على استقرارها وقدرتها على النمو ومواصلة التطور.

ولذلك فإن أي جهود تُبذل لتحسين مناخ الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتوفير بيئة أعمال أكثر تنافسية تمثل استثمارًا في المستقبل قبل أن تكون مجرد إجراءات اقتصادية.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة كانت تلك التي تمكنت من بناء شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

ومن هنا أجد أن الدعوة إلى تعميق مشاركة القطاع الخاص في عملية التنمية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة الحالية.

فالقطاع الخاص يمتلك قدرات هائلة على الابتكار والتوسع وخلق فرص العمل، بينما تمتلك الدولة القدرة على التخطيط والتنظيم وتوفير البنية الأساسية والمناخ الملائم للاستثمار.

وعندما يلتقي الطرفان في إطار من التعاون والتكامل، تكون النتيجة اقتصادًا أكثر قوة وقدرة على المنافسة.

وأعتقد أن نجاح أي خطة تنموية لا يُقاس فقط بحجم الاستثمارات التي يتم جذبها، وإنما يُقاس كذلك بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على حياة المواطنين.

فالمواطن البسيط لا يعنيه كثيرًا حجم الأرقام المعلنة بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل أفضل، أو خدمة صحية أكثر كفاءة، أو مدرسة أكثر تطورًا، أو طريقًا أكثر أمانًا.

ومن هنا فإن التنمية الحقيقية هي تلك التي يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، وليس فقط في التقارير الرسمية أو المؤشرات الاقتصادية.

ومن بين النقاط التي لفتت انتباهي أيضًا التركيز على تحسين كفاءة الإنفاق العام.

وقد يرى البعض أن هذه العبارة تحمل طابعًا فنيًا أو اقتصاديًا بحتًا، لكنها في الحقيقة تعكس فلسفة مهمة للغاية.

فليست القضية في حجم الأموال التي يتم إنفاقها فقط، وإنما في كيفية إنفاقها وتحقيق أكبر عائد ممكن منها.

فكل جنيه يتم توجيهه بشكل صحيح إلى مشروع منتج أو خدمة ضرورية أو بنية أساسية مؤثرة يمكن أن يحقق نتائج تفوق أضعاف قيمته الحقيقية.

ولذلك فإن تحسين كفاءة الإنفاق يعد أحد أهم أدوات التنمية الحديثة التي تعتمد على الإدارة الرشيدة للموارد وتحقيق أعلى استفادة ممكنة منها.

كما أن الحديث عن ضبط معدلات التضخم يكتسب أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة.

فالتضخم ليس مجرد رقم اقتصادي يتم الإعلان عنه في البيانات الرسمية، بل هو عامل يؤثر بشكل مباشر على حياة الأسر ومستوى المعيشة وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم اليومية.

ومن هنا فإن أي خطوات تسهم في السيطرة على التضخم وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار السعري تمثل عنصرًا أساسيًا في دعم جهود التنمية وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني.

وأرى أن الدولة المصرية تدرك جيدًا أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن التنمية الاجتماعية.

ولهذا السبب يظل الاهتمام بالمبادرات التنموية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع "حياة كريمة"، أحد أهم المؤشرات على أن الإنسان المصري ما زال في قلب عملية التنمية.

وقد تابعت مثل ملايين المصريين حجم التغيير الذي شهدته العديد من القرى والمناطق التي كانت تعاني لعقود طويلة من نقص الخدمات والبنية الأساسية.

والواقع أن ما تحقق في إطار هذه المبادرة لا يمكن اختزاله في أرقام أو مشروعات فقط، لأنه في جوهره يتعلق بتحسين جودة الحياة وإعادة رسم خريطة التنمية بصورة أكثر عدالة وشمولًا.

وفي تقديري، فإن أحد أهم الدروس التي تعلمناها خلال السنوات الماضية هو أن التنمية ليست مجرد إنشاء طرق أو مبانٍ أو مشروعات ضخمة، رغم أهمية كل ذلك، وإنما هي عملية متكاملة تستهدف بناء الإنسان وتوفير الفرص وتحسين مستوى الخدمات وخلق بيئة تساعد على الإبداع والإنتاج.

ولذلك فإن أي خطة تنموية تنجح في تحقيق التوازن بين البعد الاقتصادي والبعد الاجتماعي تكون أكثر قدرة على تحقيق نتائج مستدامة على المدى الطويل.

كما أعتقد أن الاستثمار في التعليم والتدريب والتكنولوجيا يجب أن يظل أحد المحاور الرئيسية لأي رؤية تنموية مستقبلية.

فالعالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، والاقتصادات الحديثة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على المعرفة والابتكار والمهارات الرقمية.

ومن هنا فإن إعداد أجيال قادرة على التعامل مع هذه التحولات يمثل استثمارًا إستراتيجيًا لا يقل أهمية عن أي مشروع اقتصادي أو صناعي.

والحقيقة أنني كلما تأملت مسيرة التنمية في مصر خلال السنوات الأخيرة، أدركت أن حجم التحديات كان كبيرًا، لكن حجم الإنجازات كان كبيرًا أيضًا.

فقد شهدت البلاد تنفيذ مشروعات قومية عملاقة، وتطويرًا واسعًا في البنية الأساسية، وتوسعًا في شبكات الطرق والنقل والطاقة، إلى جانب جهود متواصلة لتحسين الخدمات وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية.

وربما يختلف البعض حول تقييم بعض السياسات أو الأولويات، وهو أمر طبيعي وصحي في أي مجتمع، لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هناك حركة تنموية واسعة تسعى إلى تغيير الواقع وبناء مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

ولعل أكثر ما يدعو إلى التفاؤل هو أن مناقشات مجلس الشيوخ لم تقتصر على استعراض الأهداف فقط، وإنما تضمنت توصيات واضحة ومحددة تسعى إلى تعزيز فرص النجاح وتحقيق أفضل النتائج الممكنة.

وهذا يعكس أهمية الحوار المؤسسي وتبادل الرؤى والأفكار في تطوير السياسات العامة وضمان توافقها مع احتياجات المجتمع ومتطلبات المرحلة.

وفي النهاية، أرى أن الرهان الحقيقي في أي خطة تنموية لا يكون على الأرقام وحدها، مهما بلغت أهميتها، وإنما يكون على الإنسان.

فالإنسان هو من يبني المصانع ويشغلها، وهو من يبتكر ويطور ويبدع، وهو من يحول الخطط إلى واقع والفرص إلى إنجازات.

وإذا نجحت الدولة في توفير البيئة التي تمكن المواطن من العمل والإنتاج وتحقيق طموحاته، فإن جميع المؤشرات الاقتصادية ستتحسن بصورة طبيعية، وستصبح التنمية جزءًا من حياة الناس وليست مجرد عنوان في تقرير رسمي.

ولهذا فإنني أنظر إلى خطة التنمية 2026/2027 باعتبارها أكثر من مجرد وثيقة اقتصادية أو برنامج حكومي سنوي.

إنها تعبير عن إرادة دولة تسعى إلى مواصلة البناء رغم التحديات، وإلى تعزيز قدرتها على المنافسة رغم الظروف الدولية المعقدة، وإلى تحسين حياة مواطنيها من خلال رؤية تؤمن بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع بالعمل والتخطيط والإرادة.

ومن هنا فإن نجاح هذه الخطة لن يكون نجاحًا لمؤسسة أو جهة بعينها، بل سيكون نجاحًا لمصر كلها، وللملايين الذين يتطلعون إلى غدٍ أفضل وأكثر استقرارًا وازدهارًا.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 466 الصادر بتاريخ 11 يونيو 2026
تم نسخ الرابط