«الرقصة الأخيرة فوق فوهة البركان».. كيف اخترقت صواريخ الملالي "درع الخليج".. وخدعت أحدث رادارات العالم؟!

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- هل يبدأ ترامب الهجمات ضد الملالي مرة أخرى؟.. نهاية العالم تبدأ من مضيق هرمز

- كيف يحرّض نتنياهو على حرق الشرق الأوسط من أجل بناء إسرائيل الكبرى؟

في لحظةٍ فارقة من تاريخ الشرق الأوسط، لم يعد السؤال عمن أطلق الرصاصة الأولى مجرد محاولة لتحديد المسؤولية، بل تحوّل إلى مفتاح لفهم كيف انزلقت المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة تتداخل فيها المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، وتتصادم فيها السرديات كما تتصادم الصواريخ في السماء.

فكل حرب تبدأ برواية، وكل رواية تبحث عن شرعية، وفي خضم هذا الاشتباك المعقد، تضيع الحقيقة بين خطاب يبرر وخطاب يشيطن، بينما يدفع الواقع ثمنًا باهظًا لا يُختصر في البيانات العسكرية أو التصريحات السياسية.

لقد شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا غير مسبوق، مع دخول الولايات المتحدة على خط المواجهة بشكل مباشر، في تنسيق واضح مع إسرائيل، وهو ما أعاد إلى الأذهان سنوات طويلة من التوتر الذي ظل يتراكم تحت السطح حتى انفجر في لحظة لم تكن مفاجئة بقدر ما كانت مؤجلة.

الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تبنّت نهجًا يقوم على الحسم والردع، معتبرة أن ترك إيران تواصل تمددها في المنطقة يمثل تهديدًا إستراتيجيًا لا يمكن احتواؤه بالوسائل التقليدية، وأن الضربات المباشرة أصبحت خيارًا مطروحًا، بل وضروريًا في نظر صناع القرار في واشنطن.

في المقابل، لم تتعامل إيران مع هذا التصعيد بوصفه مجرد هجوم عسكري عابر، بل اعتبرته إعلانًا مفتوحًا لمحاولة كسر إرادتها وتقويض نفوذها الإقليمي، وهو ما دفعها إلى الرد بأسلوب يعكس طبيعة إستراتيجيتها القائمة على تعدد الجبهات.

لم تتجه طهران إلى مواجهة تقليدية مباشرة بقدر ما فعّلت شبكة من الأدوات العسكرية وغير التقليدية، من صواريخ بعيدة المدى إلى طائرات مسيّرة، مرورًا بحلفاء إقليميين قادرين على توسيع نطاق الاشتباك دون الانخراط في حرب شاملة بالمعنى الكلاسيكي.

ضمن هذا السياق، وجدت دول الخليج نفسها في قلب المعادلة، ليس لأنها طرف مباشر في الحرب، بل لأنها جزء من البيئة الإستراتيجية التي تتحرك فيها الولايات المتحدة، ولأنها تمثل أهدافًا محتملة ضمن سياسة الضغط المتبادل.

وهنا تبرز الإمارات بوصفها نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته "الاستهداف غير المباشر"، حيث تعرضت لتهديدات وهجمات محدودة في إطار الرسائل العسكرية المتبادلة، دون أن يصل الأمر إلى إعلان حرب صريح.

هذه الحالة الرمادية تعكس طبيعة الصراع الحالي، الذي لم يعد يعتمد على خطوط مواجهة واضحة، بل على مناطق رمادية تتداخل فيها الحرب مع الردع، والتصعيد مع حسابات التهدئة.

لكن ما يزيد المشهد تعقيدًا هو البعد الرمزي للصراع، حيث لم تعد "أغصان الزيتون" مجرد تعبير "مجازي" عن السلام، بل أصبحت عنوانًا لما يتم حرقه فعليًا مع كل جولة تصعيد. فكل فرصة للحوار تتراجع، وكل مبادرة للتهدئة تتآكل أمام منطق القوة، وكأن المنطقة دخلت في دائرة مغلقة لا تسمح بترف الحلول الدبلوماسية.

الخطاب السياسي والإعلامي في كثير من الأحيان لا يساعد على كسر هذه الدائرة، بل يعمقها، من خلال لغة حادة ترفع منسوب التوتر وتدفع الأطراف إلى مواقف أكثر تصلبًا.

وفي قلب هذا المشهد، يظل مضيق هرمز نقطة الاشتعال الأكثر حساسية. هذا الممر البحري الضيق، الذي تمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية، تحوّل إلى ساحة اختبار لإرادة القوى الكبرى.

إيران تدرك أن قدرتها على التأثير في هذا الشريان الحيوي تمنحها ورقة ضغط إستراتيجية، بينما ترى الولايات المتحدة أن حرية الملاحة فيه خط أحمر لا يمكن التهاون فيه.

وبين هذين الموقفين، تتحرك السفن الحربية، وتتصاعد التهديدات، وتبقى احتمالات الانفجار قائمة في كل لحظة.

الحديث عن "بداية نهاية العالم" قد يبدو للوهلة الأولى نوعًا من المبالغة، لكنه يعكس حالة القلق العميق من أن يؤدي خطأ في الحسابات أو تصعيد غير محسوب إلى مواجهة أوسع لا يمكن السيطرة عليها بسهولة.

فالحروب الحديثة لم تعد محصورة في حدود جغرافية ضيقة، بل تمتد آثارها بسرعة إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحتى الأمن الغذائي.

أي اضطراب في منطقة الخليج يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة ملايين البشر حول العالم، وهو ما يجعل هذا الصراع يتجاوز كونه أزمة إقليمية ليصبح قضية دولية بامتياز.

في هذا الإطار، يبرز دور بنيامين نتنياهو، الذي لطالما تبنى موقفًا حادًا تجاه إيران، معتبرًا أن الخطر الذي تمثله ليس ظرفيًا بل وجوديًا.

سياساته، كما يرى منتقدوه، تسهم في دفع المنطقة نحو مزيد من التصعيد، خاصة مع إصراره على مواجهة النفوذ الإيراني بكل الوسائل الممكنة، في حين يرى أنصاره أنه يتعامل مع واقع لا يحتمل أنصاف الحلول.

هذه الازدواجية في التقييم تعكس بدورها طبيعة الصراع، حيث لا توجد رواية واحدة متفق عليها، بل سرديات متعددة تتصارع بقدر ما تتصارع الجيوش.

أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة: كيف تمارس الضغط دون أن تنزلق إلى حرب شاملة؟ وكيف تحافظ على هيبتها الإستراتيجية دون أن تتحمل كلفة صراع طويل؟ هذه الأسئلة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر إلحاحًا في ظل إدارة تميل إلى الحسم، وفي منطقة لم تعد تحتمل المزيد من المغامرات العسكرية.

التجارب السابقة، من العراق إلى أفغانستان، لا تزال حاضرة في الذاكرة، وتذكّر بأن الدخول في الحرب أسهل بكثير من الخروج منها.

وسط كل ذلك، يبقى العامل الأخطر هو غياب الثقة.

لا توجد قنوات تواصل كافية، ولا ضمانات حقيقية، ولا أرضية مشتركة يمكن البناء عليها.

كل طرف يشك في نوايا الآخر، وكل خطوة تُفسر على أنها تهديد، حتى وإن كانت في ظاهرها دفاعية.

هذا المناخ يجعل من أي حادث عرضي، أو خطأ تكتيكي، شرارة محتملة لانفجار أكبر، وهو ما يزيد من هشاشة الوضع بشكل غير مسبوق.

ورغم قتامة المشهد، فإن التاريخ يثبت أن حتى أكثر الصراعات تعقيدًا يمكن أن تجد طريقًا نحو التهدئة، إذا توفرت الإرادة السياسية، وإذا أدركت الأطراف أن كلفة الاستمرار في المواجهة تفوق بكثير أي مكاسب محتملة.

المشكلة أن الوصول إلى هذه القناعة غالبًا ما يأتي بعد خسائر فادحة، وهو ما يجعل الأمل في تجنب الأسوأ معلقًا على قدرة الأطراف على التعلم قبل فوات الأوان، لا بعده.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من بدأ، بل من يملك الشجاعة لإيقاف هذا المسار قبل أن يتحول إلى حرب لا يمكن احتواؤها.

الشرق الأوسط يقف اليوم أمام اختبار جديد، ليس فقط لقوة جيوشه، بل لحكمة قادته، وقدرتهم على إدراك أن القوة الحقيقية لا تكمن دائمًا في إطلاق النار، بل في معرفة متى يجب التوقف.

الصفحة الثانية من العدد رقم 462 الصادر بتاريخ  7 مايو 2026
تم نسخ الرابط