عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يواصل توجيهاته لضبط الأسواق وتحقيق استقرار الأسعار وحماية المواطن

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- منظومة متكاملة للأمن الغذائي والإنتاج والخدمات.. رؤية شاملة تستهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

- توجه رئاسي ثابت نحو صون الحقوق وتحسين جودة الحياة وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية.

- الرئيس يتابع الموقف الإستراتيجي للمخزون الغذائي.. تأكيد على جاهزية الدولة لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

تابعت باهتمام شديد اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي برئيس مجلس الوزراء وعدد من المسؤولين المعنيين بملف التموين والزراعة والأمن الغذائي، ووجدت أن ما طُرح خلال هذا الاجتماع لا يمكن قراءته باعتباره مجرد متابعة دورية لملف اقتصادي تقليدي، بل هو في جوهره نقاش عميق حول واحد من أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا في حياة المواطن المصري: ملف الأمن الغذائي بكل تشابكاته الاقتصادية والاجتماعية.

ومنذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن الرسالة الأساسية التي أراد الرئيس التأكيد عليها تتمحور حول ضرورة العمل وفق رؤية موحدة ومتكاملة بين مختلف أجهزة الدولة، بحيث لا تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، بل ضمن منظومة واحدة هدفها النهائي هو المواطن، هذه الفكرة تحديدا لفتت انتباهي؛ لأن كثيرًا من التحديات الاقتصادية لا تكمن في نقص الموارد، وإنما في تشتت الجهود لذا شدد الرئيس على ضرورة تضافر الجهود.

حديث الرئيس عن تعظيم الاستفادة من الإمكانات المتاحة يعكس إدراكا واقعيا لطبيعة المرحلة.

فالدولة لا تتحرك في فراغ، بل تعمل ضمن ظروف إقليمية وعالمية معقدة، تتغير فيها أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد بشكل مستمر.

لذلك فإن إدارة الموارد بكفاءة لم تعد خيارا، بل أصبحت ضرورة وجودية لضمان الاستقرار الداخلي.

ومن هنا، فإن التركيز على تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين يعكس انتقالا مهما من مجرد توفير الخدمة إلى رفع جودتها واستدامتها، أما ما يتعلق بملف الأسواق وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، فقد بدا لي أنه محور أساسي في النقاش، لأنه يرتبط مباشرة بحياة الناس اليومية.

فاستقرار الأسواق لا يتحقق فقط بزيادة المعروض، بل بوجود إدارة دقيقة لحركة الإنتاج والتوزيع، بحيث لا تحدث فجوات تؤدي إلى ارتفاعات غير مبررة في الأسعار أو نقص في السلع الأساسية.

وهنا يظهر دور الدولة كمنظم للسوق وليس مجرد متابع له.

النقطة الأهم في الاجتماع، من وجهة نظري، كانت المتعلقة بمنظومة الأمن الغذائي وإدارة السلع الإستراتيجية.

فحديث الرئيس عن ضرورة وجود مخزون آمن يكفي لمدد زمنية مطمئنة يعكس فهما عميقا لطبيعة المخاطر العالمية، خاصة في ظل الاضطرابات التي يشهدها العالم في سلاسل الإمداد والغذاء والطاقة.

فكرة "المخزون الآمن" ليست مجرد إجراء اقتصادي، بل هي خط دفاع أول ضد أي أزمات مفاجئة قد تؤثر على استقرار المجتمع، كما أن الإشارة إلى ضبط الأسواق وتحقيق توازن الأسعار تكشف عن توجه واضح نحو تحقيق معادلة دقيقة: حماية المواطن من تقلبات السوق، وفي الوقت نفسه الحفاظ على استدامة المنظومة الاقتصادية دون خلق تشوهات طويلة الأمد.

هذه المعادلة دائمًا ما تكون صعبة، لكنها ضرورية في ظل اقتصاد يتأثر بالعوامل العالمية بشكل مباشر.

ومن النقاط التي توقفت عندها أيضًا مناقشة ملف رغيف الخبز المدعم. هذا الملف تحديدًا يحمل بعدا اجتماعيا وإنسانيا بالغ الأهمية، لأنه يمس شريحة واسعة من المواطنين.

الحديث عن تطوير منظومة الدعم لا يعني بالضرورة تقليصه، بل يعني إعادة تنظيمه وضمان وصوله إلى مستحقيه بكفاءة أعلى، بعيدا عن الهدر أو سوء الاستخدام.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كيف نحافظ على الدعم كأداة حماية اجتماعية، وفي الوقت نفسه نمنع تسربه خارج مستحقيه؟

أما ما يتعلق بتطورات منظومة بطاقات التموين، فقد بدا واضحًا أن هناك توجهًا مستمرًا نحو تحديث هذه المنظومة لتصبح أكثر دقة وشفافية.

فالبطاقات التموينية ليست مجرد وسيلة لصرف السلع، بل هي قاعدة بيانات اجتماعية واقتصادية تعكس شكل الاستهلاك داخل المجتمع. وكلما كانت هذه البيانات دقيقة، كانت قدرة الدولة على اتخاذ القرار أفضل وأكثر استجابة للواقع.

كما جاء الحديث عن دور هيئة سلامة الغذاء ليؤكد أن القضية لا تتعلق فقط بتوفير السلع، بل أيضًا بجودتها وسلامتها. فالأمن الغذائي لا يكتمل إلا إذا كان الغذاء نفسه آمنًا وصحيًا للمواطنين.

وهنا تتجلى أهمية الرقابة الصارمة على الأسواق، ليس فقط لضبط الأسعار، ولكن أيضا لضمان أن ما يصل إلى المواطن يلتزم بالمعايير الصحية المطلوبة، كما أن مشاركة وزير الزراعة واستصلاح الأراضي في الاجتماع تعكس بوضوح أن ملف الأمن الغذائي يبدأ من الأرض والإنتاج، وليس فقط من التوزيع أو الاستيراد.

فتعزيز الإنتاج الزراعي المحلي هو حجر الأساس لأي إستراتيجية مستدامة للأمن الغذائي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالموارد المائية والزيادة السكانية.

كذلك فإن وجود جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" في هذا الإطار يشير إلى توجه إستراتيجي نحو توسيع الرقعة الزراعية وتطوير أدوات الإنتاج، بما يسهم في تقليل الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.

وهذا يعكس رؤية طويلة المدى لا تقتصر على معالجة الأزمات اللحظية، بل تمتد إلى بناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على الصمود.

وللحق هذا اللقاء لم يكن مجرد اجتماع حكومي تقليدي، بل كان بمثابة تأكيد جديد على أن ملف الأمن الغذائي سيظل في مقدمة أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة.

وهو ملف لا يحتمل التأجيل أو التراخي، لأنه يمس بشكل مباشر حياة المواطن واستقرار المجتمع، وبينما أتابع مثل هذه الاجتماعات، أجد نفسي أكثر إدراكا لحجم التحديات التي تواجهها الدولة في موازنة معادلة دقيقة بين تلبية احتياجات المواطنين اليومية، وبناء منظومة اقتصادية قادرة على الاستمرار في مواجهة الأزمات العالمية، إنها معادلة صعبة بلا شك، لكنها تظل ضرورية لضمان مستقبل أكثر استقرارا وأمانا للجميع.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 459 الصادر بتاريخ  16 أبريل 2026
تم نسخ الرابط