عاصم سليمان يكتب: الثروة المعدنية في مصر.. تسهيلات الاستثمار مفتاح تسريع الإنتاج
- تيسير إجراءات التعدين وتقليص المدد الزمنية ضرورة لتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية وجذب الاستثمارات الأجنبية
- السوق العقاري يحتاج إلى تنويع المعروض وتوسيع قاعدة الطلب لتحقيق التوازن
- أسعار العقارات تتجاوز القدرة الشرائية لشرائح واسعة من المواطنين
تمتلك مصر مقومات اقتصادية واستثمارية متعددة تتيح لها توسيع قاعدة الإنتاج، وتنويع مصادر الدخل، وفتح آفاق جديدة أمام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، غير أن حجم الفرص المتاحة لا يكفي وحده لتحقيق العائد المستهدف، ما لم تصاحبه سياسات واضحة، وإجراءات عملية، ومنظومة عمل قادرة على تحويل الموارد إلى مشروعات منتجة، وتوفير بيئة استثمارية تتسم بالاستقرار والمرونة وسرعة الإنجاز، وهي معادلة تزداد أهميتها في القطاعات التي تتطلب استثمارات طويلة الأجل، كما هو الحال في التعدين، أو ترتبط بصورة مباشرة باحتياجات المواطنين وقدرتهم على تحمل الأعباء المعيشية، كما هو الحال في السوق العقاري.
ومن هذا المنطلق، أرى أن هناك عددا من التساؤلات الجوهرية التي ينبغي طرحها بشأن كيفية إدارة الفرص الاقتصادية في مصر، سواء فيما يتعلق بالثروة المعدنية وما يمكن أن تمثله من مصدر مهم للإنتاج وتكوين الاحتياطيات، أو فيما يتعلق بالسوق العقاري الذي يواجه تحديات تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار، لتصل إلى طبيعة الطلب، وهيكل التكلفة، وآليات التمويل، ومدى قدرة السوق على تلبية احتياجات شرائح المجتمع المختلفة.
تمتلك مصر ثروة معدنية كبيرة، وكميات واعدة من الذهب، يمكن أن تسهم في تكوين احتياطيات مرتفعة وتعظيم الموارد الاقتصادية للدولة، وأرى أن الاستفادة من هذه الإمكانات لا تتوقف على وجود الثروات في باطن الأرض، وإنما ترتبط بقدرة الدولة على تهيئة الظروف المناسبة لاستكشافها واستخراجها وتحويلها إلى إنتاج فعلي يحقق عائدا اقتصاديا مستداما، وتكمن القضية الجوهرية في الفارق بين امتلاك الموارد الطبيعية والقدرة على استثمارها بكفاءة، فالثروات المعدنية لا تتحول تلقائيا إلى قيمة اقتصادية بمجرد اكتشافها، وإنما تحتاج إلى استثمارات كبيرة، وأعمال استكشاف ودراسات فنية، وتكنولوجيا متخصصة، وتمويل طويل الأجل، فضلا عن منظومة إدارية وتنظيمية تتيح للمستثمر التحرك وفق جدول زمني واضح، بعيدا عن التعقيدات التي قد تؤدي إلى إطالة مراحل التنفيذ وتأخير بدء الإنتاج.
لذلك فإن فتح باب التراخيص أمام المستثمرين يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية التسهيلات الحكومية، بل بداية لمسار أكثر وضوحا في التعامل مع المشروع، بحيث يجد المستثمر جهة واحدة تتولى التنسيق بين الجهات المعنية، وتساعد على إنجاز الإجراءات المطلوبة، وتحد من تكرار المعاملات وتعدد مستويات الموافقات، وتزداد أهمية هذا الأمر في قطاع التعدين، الذي تختلف طبيعته عن كثير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، إذ قد تمتد السنوات بين بدء أعمال الاستكشاف والوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري، وهو ما يجعل استقرار الإجراءات واستمرارية التعامل المؤسسي من العوامل المؤثرة في قرارات الاستثمار، فالمستثمر الذي يخصص أموالا ضخمة لمشروع يمتد لسنوات طويلة يحتاج إلى قدر من اليقين بشأن القواعد المنظمة للعمل، والجهات المسؤولة عن اتخاذ القرارات، والمدة اللازمة للحصول على الموافقات المطلوبة.
إنني أضع مسألة الوقت في مقدمة التحديات التي تواجه المستثمرين في التعدين، فالهدف لا ينبغي أن يقتصر على الحصول على رخصة لمزاولة النشاط، وإنما يجب أن يمتد إلى توفير التسهيلات التي تسمح بتقليص المدة اللازمة للوصول إلى الإنتاج، إذ لا يمكن أن يكون منطقيا أن يستغرق مشروع نحو 15 عاما قبل بدء الإنتاج، بينما قد تتيح الإجراءات الأكثر مرونة والبيئة التنظيمية الملائمة تقليص هذه المدة إلى خمس أو ست سنوات، إن اختصار دورة المشروع لا يعني مجرد توفير الوقت، وإنما ينعكس على تكلفة التمويل، ومعدلات العائد، وقدرة المستثمر على إدارة المخاطر، كما يتيح للدولة الاستفادة من مواردها في فترة أقصر، ويمنح الاقتصاد فرصة أسرع لتوليد قيمة مضافة وفرص عمل وعوائد تصديرية محتملة.
وبالطبع، فإن تقليص المدد الزمنية في قطاع التعدين لا يمكن أن يعتمد على تسريع الإجراءات الإدارية وحدها، إذ تظل هناك عوامل فنية وجيولوجية وبيئية وتمويلية تحكم طبيعة كل مشروع، لكن وجود جهة تنسيقية واضحة، وجدول زمني محدد للموافقات، وآليات فعالة لحل المشكلات بين الجهات المختصة، يمكن أن يحد من التأخير غير الضروري، ويمنح المستثمر صورة أكثر دقة عن المراحل التي يمر بها مشروعه.
ومن هنا، أرى أن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء منظومة إدارية مستقرة لا ترتبط كفاءتها بالأشخاص بقدر ارتباطها بقواعد مؤسسية واضحة، تضمن استمرار الإجراءات وتراكم الخبرات وعدم اضطرار المستثمر إلى إعادة ترتيب علاقاته الإدارية مع كل تغيير في القيادات، فالمشروعات التعدينية طويلة الأجل تحتاج إلى استقرار مؤسسي يتناسب مع طبيعتها، ويمنح رؤوس الأموال الثقة اللازمة للاستمرار والتوسع.
وعلى مستوى تجربتي الاستثمارية، أعمل من خلال شركة تضم مستثمرين أجانب، وقد أنجزنا أعمال استكشاف جيدة، ونتطلع إلى بدء الإنتاج قريبا، مع الأمل في أن يتحول المشروع إلى تجربة ناجحة تحقق عائدا اقتصاديا مناسبا، وتكشف هذه التجربة عن جانب مهم من طبيعة الاستثمار في التعدين، إذ لا تقتصر جاذبية السوق على حجم الاحتياطيات المعدنية أو المؤشرات الأولية للاكتشافات، وإنما تتحدد أيضا بقدرة المشروع على الانتقال من مرحلة الاستكشاف إلى الإنتاج التجاري، وفق اعتبارات الجدوى الاقتصادية وتكاليف التشغيل والبنية الأساسية ومتطلبات التصدير والتسويق.
ومن التعدين أنتقل إلى السوق العقاري، لأطرح قضية مختلفة في طبيعتها، لكنها تتصل بالسؤال ذاته حول كيفية إدارة النشاط الاقتصادي وتحقيق التوازن بين العائد الاستثماري والاحتياجات الفعلية للسوق، إذ أرى أن القطاع يواجه تحديات كبيرة تستدعي مراجعة عدد من العوامل المؤثرة في الأسعار، دون إطلاق أحكام متسرعة تتحدث عن فقاعة عقارية أو انهيار وشيك للسوق.
أنا لا أقول إننا أمام فقاعة عقارية، لكنني أتساءل عن مدى منطقية وصول تكلفة الغرفة في بعض المشروعات إلى نحو عشرة ملايين جنيه، فهذا المستوى من الأسعار يستدعي فحصا دقيقا لمكونات التكلفة، بدءا من تسعير الأراضي، مرورا بمواد البناء وأعمال التنفيذ، وصولا إلى بقية العناصر التي تدخل في تحديد السعر النهائي للوحدة، إن القضية لا تتعلق بالاعتراض على ارتفاع الأسعار في حد ذاته، وإنما بمدى قدرة السوق العقاري على الاستمرار في ظل اتساع الفجوة بين تكلفة الحصول على الوحدة السكنية ومستويات الدخل لدى قطاعات واسعة من المواطنين، فالسوق لا يقاس فقط بحجم المبيعات أو قيمة التعاقدات، وإنما أيضا بقدرته على الوصول إلى قاعدة متنوعة من المشترين، وتلبية احتياجات سكنية حقيقية، وتوفير منتجات تتناسب مع مستويات القدرة الشرائية المختلفة.
وأرى أن مسؤولية ارتفاع التكلفة لا يمكن اختزالها في طرف واحد، بل ينبغي النظر إلى المنظومة بأكملها، من تسعير الأراضي إلى تكاليف البناء والتمويل وهوامش الربح، مع التمييز بين التكلفة الفعلية والتوقعات السعرية، لأن الوصول إلى معالجة واقعية يبدأ من تشخيص دقيق لأسباب المشكلة، لا من الاكتفاء بتبادل المسؤوليات، ومن هذا المنطلق، فإن مراجعة منظومة التكلفة يجب أن تكون مدخلا لنقاش اقتصادي جاد، يستهدف الوصول إلى سوق قادر على تحقيق عائد مناسب للمطورين، وفي الوقت نفسه لا يتحول فيه الحصول على مسكن إلى هدف بعيد المنال بالنسبة إلى غالبية الأسر.
ومن أبرز القضايا التي تستحق الاهتمام ضرورة الالتفات إلى محدودي الدخل، إذ أرى أن جانبا كبيرا من النشاط العقاري يتجه إلى شريحة محدودة من المشترين، وقد أشرت إلى أن نحو 80% من السوق يخاطب فئة لا تتجاوز نسبتها، بحسب تقديري، ما بين 3% و5% من المجتمع، وهذا التقدير يسلط الضوء على إشكالية مهمة تتعلق بتركيبة المعروض العقاري ومدى التناسب بين ما تنتجه الشركات وبين الاحتياجات السكنية الفعلية لمختلف الشرائح، مع ضرورة التمييز بين حجم السوق من حيث القيمة المالية وحجمه من حيث عدد الوحدات، وبين المشروعات الفاخرة والإسكان المتوسط والميسر.
فإذا تركزت نسبة كبيرة من الاستثمارات على الوحدات مرتفعة السعر، فإن ذلك قد يحقق عوائد مناسبة في قطاع من السوق، لكنه لا يعالج وحده احتياجات السكن لدى شرائح أوسع، كما أن ارتفاع متوسط أسعار الوحدات لا يعني بالضرورة أن جميع فئات المجتمع تتمتع بقدرة مماثلة على الشراء، أو أن حجم الطلب القادر على دفع هذه الأسعار يكفي لاستيعاب المعروض على المدى الطويل.
ولا يعني ذلك أن السوق ينبغي أن يتخلى عن المشروعات الفاخرة أو أن الطلب عليها غير مشروع، فلكل شريحة احتياجاتها واعتباراتها الاستثمارية، وإنما يتمثل التحدي في تحقيق التوازن بين مختلف مستويات السوق، بحيث تتوافر مشروعات تلبي الطلب على الإسكان الفاخر، وأخرى تستجيب لاحتياجات الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، وفق نماذج تمويل وتسعير تتناسب مع طبيعة كل شريحة.
إنني أضع التمويل العقاري في قلب معادلة القدرة على الشراء، لأن الاعتماد على مدد السداد الطويلة لا يمثل حلا كافيا لارتفاع الأسعار، خاصة إذا كانت هذه المدد مصحوبة بتكاليف تمويل مرتفعة تزيد العبء الإجمالي على المشتري، وعندما أنظر إلى تجارب الأسواق الأخرى، أجد أن التمويل الميسر يمثل أداة مهمة لتوزيع تكلفة شراء المسكن على فترة زمنية مناسبة، دون أن تتحول الفوائد والأعباء التمويلية إلى عنصر يضاعف التكلفة النهائية بصورة كبيرة، مع الأخذ في الاعتبار أن ظروف التمويل تختلف من دولة إلى أخرى بحسب أسعار الفائدة والتضخم ومصادر السيولة والمخاطر الائتمانية وطبيعة سوق الرهن العقاري.
لكن جوهر القضية يظل واضحا، وهو أن إتاحة التقسيط لا تعني بالضرورة أن الوحدة أصبحت في متناول المشتري، إذا كانت التكلفة التمويلية المضافة تفوق قدرته على السداد، فقد يبدو القسط الشهري مناسبا في بداية التعاقد، لكن حساب التكلفة الإجمالية على امتداد سنوات السداد قد يكشف عن فارق كبير بين السعر الأصلي للوحدة وما يتحمله المشتري في نهاية المطاف.
إنني أختلف مع الاعتقاد الشائع بأن العقار يمثل ملاذا آمنا للاستثمار في جميع الأحوال، لأن هذا التصور يتجاهل طبيعة المخاطر التي تحيط بأي استثمار، ويخلط بين امتلاك أصل ذي قيمة وبين ضمان تحقيق عائد مستمر منه، فالعقار، شأنه شأن غيره من الأصول الاستثمارية، تتأثر قيمته بمجموعة من العوامل، من بينها موقع الوحدة، وجودة التنفيذ، وتكاليف الصيانة والتشغيل، ومستويات الطلب، والسيولة المتاحة في السوق، وتكلفة التمويل، فضلا عن الظروف الاقتصادية العامة، ولذلك فإن ارتفاع الأسعار خلال فترة معينة لا يمثل ضمانا لاستمرار الارتفاع بالوتيرة نفسها، كما أن الاحتفاظ بوحدة عقارية لا يعني بالضرورة تحقيق عائد نقدي منتظم أو سهولة تسييل الأصل عند الحاجة.
وفي المقابل، لا أرى أن العقار ينبغي أن يوصف بأنه استثمار غير آمن على نحو مطلق، إذ تختلف المخاطر من مشروع إلى آخر، ومن منطقة إلى أخرى، كما تتباين النتائج بحسب سعر الشراء، والغرض من الاستثمار، ومدة الاحتفاظ بالأصل، والعائد الإيجاري المتوقع، ومستوى المديونية التي يتحملها المستثمر.
وبين ذهب يمكن أن يتحول إلى إنتاج واحتياطيات وعوائد اقتصادية، وعقار يفترض أن يلبي احتياجات السكن إلى جانب دوره الاستثماري، تبرز ضرورة النظر إلى الاقتصاد باعتباره منظومة مترابطة، لا مجموعة من القطاعات المنفصلة، فالمعيار النهائي لنجاح أي نشاط ليس حجم الأموال التي يجتذبها وحده، وإنما قدرته على خلق قيمة حقيقية، وتحقيق عائد مستدام، وتوسيع نطاق المستفيدين من ثمار النمو.




