حين تستهدف الشائعات اقتصاد الوطن.. المواطن يدفع الثمن
- إعلام جماعة الإخوان يستهدف الاقتصاد المصري وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة
- الاعتراف بالمشكلة يمنح الحديث عن حلها قدرًا أكبر من المصداقية.. ولا يمكن مطالبة إنسان بالثقة بينما نتجاهل ما يقلقه
- المواطن يريد أن يعرف ما الذي حدث وكيف يؤثر فيه وما الذي ينبغي أن ينتظره
- المواطن يستحق تفسيرًا صريحًا حين يتأخر العائد أو تظهر مشكلة في التنفيذ
- لا بد من وجود إعلام مهني يستطيع السؤال والتحقق والتصحيح باستقلال ومسؤولية
أفكر كثيرًا في ذلك المواطن الذي يعود إلى بيته بعد يوم طويل من العمل، ويجلس محاولًا ترتيب التزاماته، ثم يفتح هاتفه فيجد رسالة تخبره بأن سلعة أساسية ستختفي، وأخرى تزعم أن مدخراته في خطر، وثالثة تؤكد أن الغد سيكون أكثر صعوبة.
لا يملك الرجل أدوات البحث الاقتصادي، ولا الوقت الكافي لمراجعة كل ما يقرأه.
لكنه يملك أسرة يخاف عليها، ودخلًا يحاول أن يكفي احتياجاتها، ولهذا قد يتعامل مع الرسالة المجهولة باعتبارها تحذيرًا يستحق التصرف.
هنا تحديدًا أشعر بخطورة الشائعة، حين تدخل إلى حياة الناس من باب حرصهم على أبنائهم، ثم تدفعهم إلى قرارات قد تزيد أعباءهم.
توقفت أمام تقرير تناولته وسائل الإعلام، نقل تحذيرات لعدد من أعضاء مجلس النواب من حملات نسبوها إلى إعلام جماعة الإخوان، تستهدف الاقتصاد المصري وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وما استوقفني في القضية هو ما يمكن أن يترتب على ترويج معلومات اقتصادية مضللة من أثر يتجاوز الجدل السياسي إلى حياة الأسر وأرزاقها.
في تقديري، تبدأ مسؤوليتنا من إدراك أن الحديث عن الاقتصاد يصل إلى الناس محملًا بمعانٍ شخصية للغاية.
فالأسعار تعني احتياجات البيت، وفرص العمل تعني مستقبل الأبناء، والادخار يعني سنوات من التعب ومحاولة تأمين الشيخوخة.
ولذلك أرى أن العبث بالمعلومات المتعلقة بهذه الملفات يحمل قدرًا كبيرًا من الاستهانة بالإنسان.
من يختلق خبرًا عن اختفاء سلعة يعرف أن هناك من سيقلق، ومن يروج قرارًا ماليًا وهميًا يعرف أن هناك من قد يتصرف اعتمادًا عليه.
وقد تنتهي معركة المشاهدات عند صاحب المنشور، بينما تبدأ تبعاتها داخل بيوت لا يعرف عنها شيئًا.
ولكي يكون موقفي واضحًا، أعتقد أن مواجهة الشائعات تقتضي احترام حق الناس في السؤال والشكوى.
المواطن الذي يتحدث عن ارتفاع مصروفاته يعبر عن تجربة يعيشها، ومن يناقش أولوية مشروع أو جدوى إنفاق عام يمارس حقًا مشروعًا في النقاش.
وأرى أن الإنصات لهذه الأصوات يقوي المجتمع، ويساعد المسؤول على فهم أثر قراراته.
أما اختلاق الوقائع، أو اجتزاء الأرقام، أو نسبة قرارات إلى مؤسسات لم تصدرها، فهذه ممارسات تحتاج إلى كشف وتصحيح.
التمييز الدقيق بين الأمرين ضرورة لحماية صدق الحوار العام وثقة الناس فيه.
وأخشى أن يؤدي التوسع في وصف كل اعتراض بأنه شائعة إلى إضعاف قدرتنا على مواجهة التضليل الحقيقي.
فعندما يشعر المواطن بأن معاناته مسموعة، يصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى التفسير ومراجعة ما يصله من معلومات.
أما حين يجد تجربته اليومية موضع إنكار، فقد يبحث عمن يعترف بها، ولو كان ذلك الشخص يستغلها لخدمة غرض آخر.
لهذا أرى أن التعاطف مع الناس جزء أساسي من حماية الوعي، وأن الاعتراف بالمشكلة يمنح الحديث عن حلها قدرًا أكبر من المصداقية.
لا يمكن مطالبة إنسان بالثقة بينما نتجاهل ما يقلقه.
وأتصور، على سبيل المثال، أسرة تسمع أن منتجًا تحتاجه سيتوقف توزيعه، فتشتري منه كمية تزيد كثيرًا على حاجتها.
إذا تكرر التصرف نفسه لدى أسر عديدة، فقد يحدث ضغط على المعروض وتضطرب حركة البيع.
المثال يوضح كيف يمكن للخوف أن يؤثر في السلوك، وكيف قد تساهم استجابة الناس لادعاء غير صحيح في خلق مشكلة فعلية.
وأكثر ما يؤلمني هنا أن الأسرة تتصرف بدافع الحماية، ثم تجد نفسها قد جمدت جزءًا من دخلها في مشتريات كان يمكن تأجيلها، على حساب احتياجات أكثر إلحاحًا.
ويمتد قلقي إلى أصحاب المشروعات الصغيرة.
أتخيل شابًا استغرق شهورًا في إعداد مشروعه، وحساب تكلفته، والبحث عن مكان مناسب، ثم يتراجع أمام سيل من التنبؤات مجهولة المصدر.
من حقه أن يحذر، وأن يدرس المخاطر بعناية، لكنني أتمنى أن يستند قراره إلى معلومات يمكن فحصها.
فهناك فرق عملي كبير بين دراسة صعوبة حقيقية والاستسلام لصورة مشوهة تجعل كل محاولة محكومًا عليها بالفشل مسبقًا.
وأرى أن المجتمع يحتاج إلى نقاش اقتصادي يساعد الناس على اتخاذ قرارات مدروسة، ويمنحهم فهمًا أفضل للفرص والمخاطر.
ومن هنا تأتي مسؤوليتي عن الكلمة التي أكتبها، ومسؤولية كل من يملك جمهورًا يتابعه.
أرفض أن تتحول مخاوف الناس إلى وسيلة سهلة لجمع المشاهدات، وأن يصبح عنوان مثير أكثر أهمية من سلامة المعلومة.
من ينشر خبرًا اقتصاديًا عليه أن يعرف مصدره وتاريخه وسياقه، وأن يميز بين القرار الصادر والتوقع الشخصي.
وأعتقد أن الاعتراف بالخطأ وتصحيحه بوضوح يعززان احترام الجمهور.
أما حذف المنشور في صمت بعد انتشاره، فيترك من صدقوه يتعاملون مع معلومة لم يعودوا يعرفون أنها خاطئة.
وبالقدر نفسه، أرى أن المؤسسات مطالبة بأن تجعل الوصول إلى المعلومة أمرًا سهلًا.
لا يكفي أن يكون التوضيح موجودًا في مكان يصعب الوصول إليه، أو مكتوبًا بلغة لا يفهمها إلا المتخصصون.
المواطن يريد أن يعرف ما الذي حدث، وكيف يؤثر فيه، وما الذي ينبغي أن ينتظره.
وأتمنى أن يجد هذه الإجابات في رسائل واضحة، منشورة في وقت مناسب، ويمكن الرجوع إليها ومشاركتها.
فالتواصل الجيد يحترم وقت الناس وقلقهم، ويقلل حاجتهم إلى البحث عن إجابات لدى مصادر لا يعرفون مدى صدقها.
وحين نناقش المشروعات القومية، أفضل دائمًا أن يكون الحديث محددًا وقابلًا للتقييم.
أريد أن أفهم الخدمة التي يقدمها المشروع، ومن يستفيد منها، ومتى يظهر أثره، وما الذي تحقق مقارنة بالمستهدف؟ هذه أسئلة طبيعية، والإجابة عنها تساعد المواطن على تكوين رأيه.
وفي تقديري، تكتسب المشروعات معناها الأوضح حين يستطيع الناس ربطها بتجربة ملموسة، كوقت أقل في الانتقال، أو خدمة أفضل، أو فرصة عمل مستقرة.
وكلما أصبحت هذه العلاقة مفهومة، أمكن مناقشة النجاح والتعثر بقدر أكبر من الموضوعية.
وأؤمن أيضًا بأن المواطن يستحق تفسيرًا صريحًا حين يتأخر العائد أو تظهر مشكلة في التنفيذ.
فالثقة تنمو مع المتابعة والمحاسبة، ومع الشعور بأن هناك من يراجع ويصحح.
ومن الصعب أن نطلب من الناس تقييم كل شيء بإيجابية دائمة، كما يصعب قبول خطاب يحكم بالفشل على كل جهد قبل النظر في نتائجه.
ما أتمناه هو مساحة للنقاش الجاد، تسمح بالإشادة بما نجح، وتحديد ما يحتاج إلى إصلاح، دون تهوين من تعب المواطنين أو إهدار لجهد العاملين.
ولدي قناعة بأن دور التعليم في هذه القضية يحتاج إلى اهتمام أكبر.
أتمنى أن يتعلم أبناؤنا مبكرًا قراءة الخبر، وفحص مصدر الصورة، والتمييز بين الرأي والمعلومة.
وأن يعرفوا أن كثرة تداول منشور لا تثبت صحته، وأن تسجيلًا قديمًا يمكن تقديمه في سياق جديد فيغير معناه.
هذه مهارات يومية يحتاج إليها الجميع.
وأراها مهمة داخل الأسرة أيضًا، حيث يستطيع كل منا أن يساعد من حوله على التحقق بهدوء، بدلًا من السخرية ممن صدق خبرًا مضللًا أو إحراجه أمام الآخرين.
وأتوقف عند عبارة نرددها كثيرًا بعد إرسال الأخبار: «أنا أنقل ما وصلني».
أشعر بأنها تمنحنا راحة لا نستحقها دائمًا. فإعادة النشر اختيار، وقد يثق المتلقي في الخبر لأنه جاءه من شخص يعرفه ويحترمه.
لهذا أرى أن التمهل قبل الإرسال صورة بسيطة من صور المسؤولية.
ويمكن لمن لا يعرف حقيقة خبر أن يمتنع عن نشره حتى يتبين أمره.
هذا التصرف الصغير يحمي آخرين من قلق غير ضروري، ويجنبنا المشاركة في ضرر لم نكن نقصده.
أما موقفي من أي طرف سياسي يوظف معلومات مختلقة لإثارة الذعر الاقتصادي فهو واضح.
أرفض ذلك، وأرى أن الاختلاف السياسي يفرض التزامًا أكبر بالدقة، لأن الاتهام الخطير يحتاج إلى دليل واضح.
وفي الوقت نفسه، أتمسك بأن مواجهة هذه الممارسات تستفيد من وجود إعلام مهني يستطيع السؤال والتحقق والتصحيح باستقلال ومسؤولية.
فالمجتمع يكون أقدر على تمييز الأكاذيب حين يجد أمامه معلومات متنوعة يمكن فحصها، وحوارًا يحترم عقله، ومؤسسات تتحمل مسؤولية شرح قراراتها.
أعود في النهاية إلى ذلك المواطن الذي فتح هاتفه بعد يوم العمل.
أتمنى أن يجد ما يساعده على فهم واقعه، وأن يشعر بأن قلقه يؤخذ بجدية، وأن هناك من يخاطبه باحترام.
هذا الإنسان هو من أفكر فيه حين أكتب عن خطر الشائعات الاقتصادية.
أريد أن يحتفظ بحقه في السؤال، وقدرته على الاختيار، وأمله في أن يثمر تعبه.
ومن أجله أرى أن صدق المعلومة مسؤولية مشتركة، تبدأ ممن يصدرها، وتمر بمن ينشرها، وتصل إلى كل واحد منا قبل أن يضغط زر الإرسال.

- مجلس النواب
- الاخوان
- اقتصاد
- صلاح
- شاب
- قضية
- النواب
- شائعة
- شائعات
- كوي
- الاقتصاد
- قنا
- تنفي
- المواطنين
- الدول
- فحص
- ملك
- المصري
- النجاح
- خالد الطوخى يكتب
- جماعة الإخوان
- طالب
- حكم
- درة
- المشروعات
- قرار
- ملفات
- تداول
- اول
- كفى
- الاقتصاد المصري
- داخل
- طالبة
- شخص
- التزام
- مشروع
- قري
- نقل
- حركة
- حملات
- متنوعة
- تنفيذ
- غرق
- مطالب
- البحث
- صرف
- تصحيح
- خالد الطوخى
- مصر
- عامل
- يوم



