«متصدقش».. من يختبئ خلف شعار الحقيقة؟

الشورى

- «متصدقش».. رجال العمل الإخواني والتمويل الخارجي

- خيوط إخوانية وتمويل من الخارج وعبد الرحمن منصور في قلب المشهد


لم تعد المعركة على وعي المصريين تُخاض بالطريقة القديمة.

لم تعد تحتاج إلى منشور يُخفى في جيب، أو اجتماع سري خلف الأبواب المغلقة، أو خطبة تستقطب عشرات الأشخاص.

اليوم يكفي هاتف، ومنصة رقمية، ومحتوى مصاغ بعناية، حتى تصل الرسالة إلى ملايين المصريين في دقائق.

ومن هنا تكتسب قضية «متصدقش» خطورتها.

فبحسب ما أعلنته وزارة الداخلية، لم تكن الصفحة مجرد مساحة إلكترونية للتحقق من الأخبار كما قد يبدو من اسمها وطبيعة المحتوى الذي تقدمه، وإنما كشفت نتائج الفحص والتحريات، وفق بيان الوزارة، عن ارتباطها بلجان إعلامية تابعة لجماعة الإخوان، وأن إدارتها تتم من خارج مصر بواسطة عبد الرحمن منصور، بمساعدة عناصر داخل البلاد، قالت الوزارة إنهم كانوا يعدون مواد إعلامية ويرسلونها إليه لنشرها، مقابل تمويل مالي من الخارج.

هنا لا تعود القضية مجرد خلاف حول منشور أو رقم أو معلومة جرى تصحيحها، وإنما تنتقل إلى سؤال أكثر خطورة: من يقف خلف المنصة؟ ومن يحدد ما الذي يجب أن يراه المصريون؟ ومن يمول هذا النشاط؟ ولأي هدف؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحًا عندما يكون اسم عبد الرحمن منصور حاضرًا في المشهد منذ السنوات التي سبقت ثورة 25 يناير، باعتباره أحد القائمين على صفحة «كلنا خالد سعيد»، التي لعبت دورًا بارزًا في الحشد الإلكتروني آنذاك.

والأكثر إثارة للاهتمام أن اسم منصور ارتبط، في 2012، بجدل مباشر حول علاقته بجماعة الإخوان.

فقد قال القيادي الإخواني الراحل عصام العريان في لقاء تلفزيوني إن منصور ينتمي إلى الجماعة، بينما خرج منصور لاحقًا لينفي ذلك، مؤكدًا أنه انفصل عن الإخوان قبل الثورة بعام.

وبالتالي، فإن عودة الاسم نفسه إلى الواجهة، هذه المرة في بيان رسمي يتحدث عن إدارة منصة إلكترونية من الخارج وتمويل عناصر داخل مصر، تفتح الباب أمام أسئلة لا يمكن القفز فوقها.

القضية ليست في أن منصة ما أخطأت في معلومة، ولا في أن صحفيًا أو ناشطًا انتقد الحكومة أو خالف الرواية الرسمية.

ذلك كله يدخل في مساحة الجدل العام.

القضية مختلفة عندما تتحدث جهة رسمية عن شبكة منظمة، وإدارة من الخارج، وتمويل، وعناصر داخل البلاد تعمل على إنتاج محتوى وإرساله للنشر.

عند هذه النقطة تحديدًا، يصبح اسم «متصدقش» نفسه محل تساؤل.

فماذا يعني أن تحمل منصة اسمًا يوحي بأن وظيفتها هي حماية الجمهور من التضليل، بينما تقول وزارة الداخلية إن وراءها تنظيمًا إعلاميًا وتمويلًا خارجيًا؟

وماذا يعني أن يقدم المحتوى نفسه في صورة «تصحيح للحقائق»، إذا كانت الجهة التي تقف وراء إنتاجه وتوجيهه مرتبطة بجماعة سياسية لها تاريخ طويل في الصراع على السلطة والنفوذ داخل الدولة؟

المسألة هنا ليست في كل معلومة نشرتها الصفحة؛ فقد تكون بعض المعلومات صحيحة بالفعل.

لكن صناعة التأثير لا تحتاج إلى اختلاق كل شيء.

يكفي أحيانًا اختيار ما يقال، وما لا يقال، وما يتم تضخيمه، وما يتم تجاهله، لصناعة صورة ذهنية كاملة لدى المتلقي.

وهذة هى النقطة الأخطر فى الإعلام الرقمي.

فالمعركة الحديثة لا تقوم بالضرورة على الكذبة الصريحة، وإنما يمكن أن تقوم على الانتقاء، والاجتزاء، وتكرار الشك، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والخطأ الفردي إلى اتهام لمنظومة بأكملها.

تقول لك المنصة: «لا تصدق».

لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح في المقابل هو: ومن قال لك إن تصدق المنصة نفسها؟

من يمولها؟
من يديرها؟
أين يوجد مديروها؟

كيف تُختار الملفات التي تتصدر صفحاتها؟
ومن يحدد زاوية تناولها؟

وهل هناك مصالح أو ارتباطات سياسية تؤثر في أجندتها؟

هذه ليست أسئلة ترفية، وإنما أسئلة جوهرية في أي عمل إعلامي يقدم نفسه باعتباره حارسًا للحقيقة.

وإذا صحت الوقائع التي أعلنتها وزارة الداخلية بشأن «متصدقش»، فإن القضية تكشف نموذجًا شديد الخطورة من توظيف الفضاء الرقمي في الصراع السياسي: منصة تبدو في واجهتها كأنها تعمل من أجل التدقيق، بينما تقول الرواية الرسمية إن خلفها إدارة خارجية وتمويلًا وعناصر تعمل داخل مصر.

وهنا تحديدًا يسقط كثير من بريق الشعارات.

فالصحافة ليست مجرد عنوان جذاب، ولا تصميمًا احترافيًا، ولا لغة واثقة، ولا قدرة على اصطياد خطأ في تصريح لمسؤول. الصحافة مسؤولية، وأول شروطها أن يعرف الجمهور من يقف خلف الوسيلة التي تخاطبه.

أما تحويل «التدقيق» إلى غطاء لنشاط سياسي منظم، إذا ثبتت الاتهامات المعلنة، فهو أمر مختلف تمامًا.

لقد تغيرت الأدوات بالفعل.

بالأمس كان الصراع على الشارع، واليوم أصبح جزء كبير منه على الشاشة.

بالأمس كان استهداف الوعي يتم عبر منشور أو منشور مضاد، واليوم أصبح يتم عبر خوارزميات، وعناوين، ومقاطع قصيرة، وأرقام، ورسوم، وحسابات قادرة على صناعة حالة عامة خلال ساعات.

ولهذا فإن قضية «متصدقش» لا ينبغي أن تنتهي بمجرد إعلان ضبط 6 من العاملين بها.

السؤال الأهم هو: منظومة كاملة أم صفحة؟

وإذا كانت تحقيقات الجهات المختصة ستثبت ما أعلنته وزارة الداخلية، فإن الأمر لن يكون مجرد سقوط مجموعة من العاملين في منصة إلكترونية، وإنما كشفًا عن نموذج جديد من العمل السياسي والإعلامي عبر الإنترنت؛ نموذج يستبدل الأدوات التقليدية بأدوات أكثر نعومة، وأكثر قدرة على الوصول، وأكثر تأثيرًا في تشكيل وعي الجمهور.

وفي النهاية، لا تكمن قوة أي منصة في قدرتها على أن تقول للناس «صدقوا» أو «لا تصدقوا».

القوة الحقيقية في أن تكشف للناس من يتحدث إليهم، ومن يموله، ومن يدير الرسالة، وما مصلحته في أن تصلهم بهذه الصورة تحديدًا.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ«متصدقش».

تم نسخ الرابط